تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

الخزي : الذل والهوان .

إلى حِين : إلى مدة من الزمن .

الرِجْس : العذاب .

بعد أن بيّن الكتاب أن الّذين حقّت عليهم كلمةُ ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم ، جاء بهذه الآيات الثلاث لبيان سُنن الله تعالى في الأُمم مع رسلهم ، وفي خلق البشر مستعدّين للإيمان والكفر ، والخير والشر ؛ وفي مشيئة الله وحكمه بأفعاله وأفعال عباده ، وبيّن أن قوم يونُس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الإيمان .

{ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ } .

ولو أن أي قريةٍ من القرى تؤمن لنَفَعَها إيمانُها ، إلا قوم يونس . فقد بُعث إلى أهلِ نِينَوى بأرض الموصل ، فدعاهم إلى الإيمان بالله وحده وترك ما يعبدون من الأصنام . ولم يستجيبوا له ، فأخبرهم أن العذابَ آتيهم قريبا وتَرَكَهم ورحل عنهم . فلما أيقنوا بالهلاكِ آمنوا ، فوجدوا النفع لهم ، فكشفنا عنهم عذاب الخِزي وما يترتّب عليه ، ومتَعناهم في الحياة الدنيا حيناً من الزمن .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

{ فَلَوْلاَ كَانَتْ } كلام مستأنف لتقرير هلاكهم و { لَوْلاَ } هنا تحضيضية فيها معنى التوبيخ كهلاً ومثلها ما في قول الفرزدق

: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم . . . بني ضوطري لولا الكمى المقنعا

ويشهد لذلك قراءة أبي . وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما { *فهلا } ، والتوبيخ على ما نقل عن السفاقسي على ترك الإيمان المذكور بعد ؛ { وَكَانَ } كما اختاره بعض المحققين ناقصة ، وقوله تعالى : { قَرْيَةٌ } اسمها ، وجملة قوله سبحانه : { ءامَنتُ } خبرها ، وقوله جل شأنه : { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } معطوف على الخبر ، أي فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكت هلاك الاستئصال آمنت قبل معاينة العذاب ولم تؤخر إيمانها إلى حين معاينته كما أخر فرعون إيمانه فنععها ذلك بأن يقبله الله تعالى منها ويكشف بسببه العذاب عنها ، وذهب السمين وغيره إلى أنها تامة { *وقرية } فاعلها وجملة { قَالَ ءامَنتُ } صفة { *ونفعها } معطوفة عليها . وتعقب بأنه يلزم حينئذ أن يكون التحضيض والتوبيخ على الوجود مع أنه ليس بمراد . وأجيب بأنه لا مانع من أن يكون التحضيض على الصفة وحينئذ لا غبار على ما قيل ، وأياً ما كان فالمراد بالقرية أهلها مجازاً شائعاً والقرينة هنا أظهر من أن تخفى ، وقوله تبارك وتعالى : { إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } استثناء منقطع كما قال الزجاج . وسيبويه . والكسائي . وأكثر النحاة أي لكن قوم يونس { لَمَّا ءامَنُواْ } عند ما رأوا أمارات العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله { كَشَفْنَا عَنْهُمُ عذاب الخزى } أي الذل والهوان { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم } بعد ما أظلهم وكاد يثزل بهم { *وَمَتَّعْنَهُمْ } بمتاع الدنيا بعد كشف العذاب عنهم { ومتاع إلى حِينٍ } أي زمان من الدهر مقدر لهم في علم الله تعالى . ونقل عن ابن عباس أن المراد إلى يوم القيامة فهم اليوم أحياء إلا أن الله تعالى سترهم عن الناس على حد ما يقال في الخضر عليه السلام ، ورأيت في بعض الكتب ما يوافقه إلا أنه ذكر فيه أنهم يظهرون أيام المهدي ويكونون من جملة انصاره ثم يموتون والكل مما لا صحة له . وقال آخرون : الاستثناء متصل ، ويراد من القرية أهلها المشرفون على الهلاك .

وقيل : العاصون ويعتبر النفي الذي يشعر به التحضيض وهو مشعر بالأمر أيضاً ولذا جعلوه في حكمه إلا أنه لا يصح اعتباره على تقدير الاتصال لما يلزمه من كون الإيمان من المستثنين غير مطلوب وهو غير مطلوب بل فاسد ، وقيل : لا مانع من ذلك على ذلك التقدير لأن أهل القرى محضوضون على الإيمان النافع وليس قوم يونس محضوضين عليه لأنهم آمنوا ، والذوق يأبي إلا اعتبار النفي فقط حال اعتبار الاتصال ، ويكون قوله سبحانه : { لَمَّا ءامَنُواْ } استشنافاً لبيان نفع إيمانهم .

وقرىء { إِلاَّ قَوْمَ } بالرفع على البدل من قرية المراد بها أهلها ، وأيد بذلك القول بالاتصال واعتبار النفي لأن البدل لا يكون إلا في غير الموجب ، وخرج بعضهم هذه القراءة على أن { إِلا } بمعنى غير وهي صفة ظهر إعرابها فيما بعدها كما في قوله على رأي

. وكل أخ مفارقه أخوه . . . لعمر أبيك إلا الفرقدان

وظاهر كلامهم ان الاستثناء مطلقاً من قرية ، وعن الزمخشري أنه على الأول من القرية لا من الضمير في { ءامَنتُ } وعلل بأن المنقطع بمعنى لكن فيتوسط بين الكلامين المتغايرين فلا يعتمد ما لا يستقل ولأنه لا مدخل للوصف أعني الإيمان في المستثنى منه فالاستثناء عن أصل الكلام ، وأما على الثاني فهو استثناء من الضمير من حيث المعنى جعل في اللفظ منه أو من القرية إذ لا فرق في قولك : كان القوم منطلقين إلا زيداً بين جعله من الاسم أو من الضمير في الخبر لأن الحكم إنما يتم بالخبر ، وإنما الفرق في نحو ضربت القوم العالمين إلا زيداً ، ثم قال : ونظير هذا في الوجهين قوله تعالى : { إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلا ءالَ لُوطٍ } [ الحجر : 58 ، 59 ] ووجه ذلك ظاهر . وفي الكشف أن وجه الشبه اختلاف معنى الهلاك على الوجهين كاختلاف معنى الإرسال هنالك على الوجهين ، وكأنه عني بالهلاك المأخوذ قيداً في قوله فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها فتدبر . وفي { يُونُسَ } لغات تثليث النون مهموزاً وغير مهموز والمتواتر منها الضم بلا همز .

وكانت من قصة هؤلاء القوم على ما روي عن غير واحد أن يونس عليه السلام بعث إلى أهل نينوي من أرض الموصل وكانوا أهل كفر وشرك فدعاهم إلى الإيمان بالله تعالى وحده وترك ما يعبدون من الأصنام فأبوا عليه وكذبوه فأخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث فلما كانت الليلة الثالثة ذهب عنهم من جوف الليل فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم ليس بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل ، وجاء أنه غامت السماء غيما أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت أسدحتهم فلما أيقنوا بالهلاك طلبوا نبيهم فلم يجدوه فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة وفرقوا بين الوالدة وولدها من الناس والدواب فحن البعض إلى البعض وعلت الأصوات وعجوا جميعا وتضرعوا إليه تعالى وأخلصوا النية فرحمهم ربهم واستجاب دعاءهم وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب وكان ذلك يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة .

قال ابن مسعود : إنه بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم حتى إن كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع أساس بنيانه عليه فيقعله ويرده إلى صاحبه ، وجاء في رواية عن قتادة أنهم عجوا إلى الله تعالى أربعين صباحاً حتى كشف ما نزل بهم ، وأخرج أحمد في الزهد .

وابن جرير . وغيرهم عن ابن غيلان قال : لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا : ما ترى ؟ قال : قولوا : يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت فقالوها فكشف عنهم العذاب ، وقال الفضيل بن عياض : قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله ، وكان يونس عليه السلام إذ ذهب عنهم قعد في الطريق يسأل الخبر كما جاء مرفوعاً فمر به رجل فقال له : ما فعل قوم يونس ؟ فحدثه بما صنعوا فقال : لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم وانطلق مغاضباً حسبما قصه الله تعالى في غير هذا الموضع مما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وظاهر الآية يستدعي أن القوم شاهدوا العذاب لمكان { كَشَفْنَا } وهو الذي يقتضيه أكثر الإخبار وإليه ذهب كثير من المفسرين ، ونفع الإيمان لهم بعد المشاهدة من خصوصياتهم فإن إيمان الكفار بعد مشاهدة ما وعدوا به إيمان بأس غير نافع لارتفاع التكليف حينئذٍ وعادة الله إهلاكهم من غير إمهال كما أهلك فرعون ، والقول بأنه بقي حياً إلى ما شاء الله تعالى وسكن أرض الموصل من مفتريات اليهود .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها} الإيمان عند نزول العذاب،

{إلا قوم يونس لما ءامنوا} يعني صدقوا وتابوا...

{كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} إلى منتهى آجالهم، فأخبرهم يا محمد أن التوبة لا تنفعهم عند نزول العذاب.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فهلا كانت قرية آمنت...

ومعنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ونزول سخط الله بها بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيّه واستحقاقه سخط الله بمعصيته. "إلاّ قَوْمَ يُونُسَ "فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط بهم. فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منهم، وأخبر خلقه أنه نفعهم إيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم...

عن قتادة، قوله: "فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعها إيمانْها إلاّ قَوْمَ يُونسَ لمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحيَاةِ الدّنْيا وَمَتّعْناهُمْ إلى حِينٍ" يقول: لم يكن هذا في الأمم قبلهم لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت، إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة... فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. قال: وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى أرض الموصل...

وقوله: "لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحيَاةِ الدّنْيا" يقول: لما صدقوا رسولهم وأقرّوا بما جاءهم به بعدما أظلهم العذاب وغشيهم أمر الله ونزل بهم البلاء، كشفنا عنهم عذاب الهوان والذلّ في حياتهم الدنيا. "وَمَتّعْناهُمْ" إلى حينٍ يقول: وأخرنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبة، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم ووقت فناء أعمارهم التي قضيت فناءها.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

قومُ يونس تداركتْهم رحمةُ أزليةُ فيما أجرى من توفيقِ التضرع، فَكَشَفَ عنهم العذابَ، وصَرَفَ عنهم ما أظلَّ عليهم من العقوبة بعد ما عاينوا من تلك الأبواب؛ فبرحمته وصلوا إلى تضرعهم، لا بتضرعهم وصلوا إلى رحمته...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَلَوْلاَ كَانَتْ} فهلا كانت {قَرْيَةٌ} واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف، ولم تأخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بمخنقه {فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار. وقرأ أبيّ وعبد الله: «فهلا كانت» {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} استثناء من القرى؛ لأنّ المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا. ويجوز أن يكون متصلاً والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلاّ قوم يونس...روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه، فذهب عنهم مغاضباً، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب... وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا، فرحمهم الله وكشف عنهم...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

إن قال قائل إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق؟ والجواب: أن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب، وأما قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك فإنهم لما ظهرت لهم أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن شاهدوا فظهر الفرق...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان هذا موضع أن يقال: إنما تطلب الآيات لما يرجى من تسبب الإيمان عنها، تسبب عنه أن يجاب بقوله تعالى: {فلولا} أي فهلا {كانت قرية} أي واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها {آمنت} أي آمن قومها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب {فنفعهآ} أي فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها -{إيمانها} ولما كان المعنى "لولا "النفي، كان التقدير: لكن لم تؤمن قرية منهم إلاّ عند صدم العذاب كما فعل فرعون، لو آمن عند رؤية البحر على حال الفلق أو عند توسطه وقبل انسيابه عليه قُبِل، ولكنه ما آمن إلا بعد انهماره ومسه. وذلك حين لا ينفع لفوات شرطه من الإيمان بالغيب {إلاّ قوم يونس} فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف فنفعهم ذلك فإنهم {لمآ آمنوا} ودل على أنه قد كان أظلهم بقوله: {كشفنا} أي بعظمتنا {عنهم} أي حين إيمانهم... {عذاب الخزي} أي الذي كان يوجب لهم لو برك عليهم هوان الدارين {في الحياة الدنيا} أي فلم يأخذهم وقت رؤيتهم له {ومتعناهم} أي تمتيعاً عظيماً {إلى حين} وهو انقضاء آجالهم مفرقة كل واحد منهم في وقته المضروب له، وما ذكرته في معنى الآية نقله القاضي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره المسند عن ابن أبي عمر قال: قال سفيان الثوري: {فلولا كانت قرية آمنت} قال: فلم تكن قرية آمنت، وهذا تفسير معنى الكلام، وأما "لولا" فهو بمعنى هلا، وهي على وجوه تحضيض وتأنيث، أي توبيخ، وهي هنا للتوبيخ. ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى "لم لا"، ويلزم كلا من المعنيين النفي؛ والنفع: إيجاب اللذة بفعلها أو ما يؤدي إليها كالدواء الكريه المؤدي إلى اللذة؛ والخزي هو أن يفضح صاحبه، وهو وضع من القدر للغم الذي يلحق به، وأصله التعب.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} لولا هذه للتخضيض كما قال أئمة اللغة والنحو. والمراد بالقرية أهلها، وهم أقوام الأنبياء، فإنهم كلهم بعثوا في أهل الحضارة والعمران دون البادية. أي فهلا كان أهل قرية من قرى أقوام أولئك الرسل آمنت بدعوتهم وإقامة الحجة عليهم، فنفعها قبل وقوع العذاب الذي أنذروا به، أي أنه لم يؤمن قوم منهم برمتهم، فإن التحضيض يستلزم الجحد.

{إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ} قبل وقوع العذاب بهم بالفعل، وكانوا علموا بقربه من خروج نبيهم من بينهم، وروي أنهم رأوا علاماته، ويجوز في هذا الاستثناء الاتصال والانفصال.

{كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي صرفنا عنهم عذاب الذل والهوان في الدنيا؛ لأن نبيهم خرج بدون إذن الله تعالى له، فلم تتم عليهم الحجة، ولا حقت عليهم كلمة العذاب، وقد استدلوا بذهابه مغاضبا لهم على قرب وقوع العذاب كما أنذرهم فتابوا وآمنوا فكشفناه عنهم.

{ومَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} أي ومتعناهم بمنافعها إلى زمن معلوم هو عمرهم الطبيعي الذي يعيشه كل منهم بحسب سنته تعالى في استعداد بنيته ومعيشته. وقد فصلنا الكلام في الأجل الذي يسمى الطبيعي وغيره في تفسير {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} [الأنعام: 2] من سورة الأنعام، ولا محل للبحث عن تعذيبهم في الآخرة كما فعل بعض المفسرين، فإن شهادة الله تعالى لهم بالإيمان النافع ظاهرة في قبوله منهم صريحة في أنه لا يعذبهم في الآخرة على سابق كفرهم، وإنما يجزون بغيره من أعمالهم بعد الإيمان.

هذا الذي فسرنا به الآية هو المتبادر من عبارتها، والموافق للسياق، ولسنة الله تعالى في أقوام الأنبياء عليهم السلام. وفيه تعريض بأهل مكة، وإنذار لهم، وحض على أن يكونوا كقوم يونس الذين استحقوا عذاب الخزي بعنادهم حتى إذا أنذرهم نبيهم قرب وقوعه، وخرج من بينهم، اعتبروا وآمنوا قبل اليأس، وحلول البأس، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ما ثبت من خبره عليه السلام في تفسير سورتي الأنبياء والصافات، وهو موافق في جملته لما عند أهل الكتاب.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

حسبنا هذا لندرك أمرين هامين:

أولهما: الإهابة بالمكذبين أن يتعلقوا بخيوط النجاة الأخيرة، فلعلهم ناجون كما نجا قوم يونس من عذاب الخزي في الحياة الدنيا. وهو الغرض المباشر من سياقة القصة هذا المساق..

وثانيهما: أن سنة الله لم تتعطل ولم تقف بكشف هذا العذاب، وترك قوم يونس يتمتعون فترة أخرى. بل مضت ونفذت. لأن مقتضى سنة الله كان أن يحل العذاب بهم لو أصروا على تكذيبهم حتى يجيء. فلما عدلوا قبل مجيئه جرت السنة بإنجائهم نتيجة لهذا العدول. فلا جبرية إذن في تصرفات الناس، ولكن الجبرية في ترتيب آثارها عليها...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمستخلص من الروايات الواردة في قوم يونس أنهم بادروا إلى الإيمان بعد أن فارقهم يونس، توقعاً لنزول العذاب، وقبل أن ينزل بهم العذاب، وذلك دليل على أن معاملة الله إياهم ليست مخالفة لما عامل به غيرهم من أهل القرى، وأن ليست لقوم يونس خصوصية، وبذلك لا يكون استثنائهم استثناءاً منقطعاً. وإذ كان الكلام تغليطاً لأهل القرى المعرضين عن دعوة الرسل، وتعريضاً بالتحذير مما وقعوا فيه. كان الكلام إثباتاً صريحاً ووقوع قرية وهو نكرة في مساق الإثبات أفاد العموم بقرينة السياق... والكشف: إزالة ما هو ساتر لشيء، وهو هنا مجاز في الرفع. والمراد: تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلاً لمقاربة الوقوع منزلة الوقوع. والخزي: الإهانة والذل...