تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (68)

ولقد استجابوا لوصية أبيهم ، فدخلوا من أبوابٍ متفرقة ، وما كان ذلك ليدفع عنهم أذًى كتبه الله لهم ، ولكنها حاجةٌ في نفس يعقوب ، وكان من باب شفقة الأب على أبنائه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (68)

{ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } من الأبواب المتفرقة من البلد ، قيل : كانت له أربعة أبواب فدخلوا منها ، وإنما اكتفى بذكره لاستلزامه الانتهاء عما نهوا عنه ، وحاصله لما دخلوا متفرفين { مَا كَانَ } ذلك الدخول { يُغْنِى عَنْهُمْ مّنَ الله } من جهته سبحانه { مِن شَىْء } أي شيئاً مما قضاه عليهم جل شأنه ، والجمل قيل : جواب { لَّمّاً } والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل لتحقق المقارنة الواجبة بين جواب { لَّمّاً } ومدخولها ، فإن عدم الاغناء بالفعل إنما يتحقق عند نزول المحذور لا وقت الدخول وإنما المتحقق حينئذ ما أفاده الجمع المذكورة من عدم كون الدخول مغنياً فيما سيأتي ، وليس المراد بيان سببية الدخول المذكور لعدم الإغناء كما في قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إلا نفوراً } [ فاطر : 42 ] فإن مجيىء النذير هناك سبب لزيادة نفورهم بل بيان عدم سببيته للاغناء مع كونها متوقعة في بادىء الرأي حيث أنه وقع حسبما وصاهم به عليه السلام ، وهو نظير قولك : حلف أن يعطيني حقي عند حلول الأجل فلما حل لم يعطيني شيئاً ، فإن المراد بيان عدم سببية حلول الأجل للإعطاء مع كونها مرجوة بموجب الحلف لا بيان سببيته لعدم الإعطاء ، فالمآل بيان عدم ترتب الغرض المقصود على التدبير المعهود مع كونه مرجو الوجود لا بيان ترتب عدمه عليه ، ويجوز أن يراد ذلك أيضاً بناء على ما ذكره عليه السلام في تضاعيف وصيته من أنه لا يغنى عنهم تدبيره من الله تعالى شيئاً فكأنه قيل : ولما فعلوا ما وصاهم به لم يفدهم ذلك شيئاً ووقع الأمر حسبما قال عليه السلام فلقوا ما لقوا فيكون من باب وقوع المتوقع اه ، وإلى كون الجواب ما ذكر ذهب أبو حيان وقال : إن فيه حجة لمن زعم أن لما حرف وجوب لوجوب لا ظرف زمان بمعنى حين إذ لو كان كذلك ما جاز أن يكون معمولاً لما بعد فِي { مَا } النافية ، ولعل من يذهب إلى ظرفيتها يجوز ذلك بناء على أن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره ، وقال أبو البقاء : في جواب ( لما ) وجهان . أحدهما أنه { آوى } [ يوسف : 69 ] وهو جواب ( لما ) الأولى والثانية كقولك : لما جئتك وكلمتك أجبتني وحسن ذلك أن دخولهم على يوسف عليه السلام تعقب دخولهم من الأبواب . والثاني أنه محذوف أي امتثلوا أو قضوا حاجة أبيهم وإلى الوجه الأخير ذهب ابن عطية أيضاً ولا يخفى أنه عليه وعلى ما قبله ترتفع غائلة توجيه أمر الترتب ، وما أشار إليه صاحب القيل في ثاني وجهيه هو الذي يقتضيه ظاهر كلام كثير من المفسرين حيث ذكروا أن هذا منه تعالى تصديق لما أشار إليه يعقوب عليه السلام في قوله :

{ َمَاكان يغْنِى عَنهمْ مّنَ الله من شَيْء } [ يوسف : 67 ] .

واعترض القول بعدم ترتب الغرض على التدبير بأن الغرض ليس إلا دفع إصابة العين لهم وقد تحقق بدخولهم متفرقين وهو وارد أيضاً على ما ذكر في الوجه الأخير كما لا يخفى . وأجيب بأن المراد بدفع العين أن لا يمسهم سوء ما ، وإنما خصت إصابة العين لظهورها ، وقيل : إن ما أصابهم من العين أيضاً فلم يترتب الغرض على التدبير بل تخلف ما أراده عليه السلام عن تدبيره ، وتعقب بأنه تكتلف ، واستظهر أن المراد أنه عليه السلام خشى عليهم شر العين فأصابهم شر أخر لم يخظر بباله فلم يفد دفع ما خافه شيئاً ، وحينئذ يدعي أن دخولهم من حيث أمرهم أبوهم كان مفيداً لهم من حيث أنه دفع العين عنهم إلا أنه لما أصابهم ما أصابهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك مع أخيهم بوجدان الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم لم يعد ذلك فائدة فكأن دخولهم لم يفدهم شيئاً . واعترض أيضاً ما ذكر في توجيه الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل بأن المشهور أن الغرض منه إفادة الاستمرار كما مرت الإشارة إليه غير مرة وظاهر ذلك لا يدل عليه ، قيل : وإذا كان الغرض هنا ذاك احتمل الكلام وجهين نفى استمرار الاغناء واستمرار نفيه وفيه تأمل متأمل جدا . هذا وما أشرنا إليه من زيادة { مِنْ } في المنصوب هو أحد وجهين ذكرهما الرازي في الآية . ثانيهما جواز كونها زائدة في المرفوع وحينئذ ليس في الكلام ضمير الدخول كما لا يخفى ، قيل : ولو اعتبر على هذا الوجه كون مرفوع { كَانَ } ضمير الشأن لم يبعد أي ما كان الشأن يغني عنهم من الله تعالى شيء { إِلاَّ حَاجَةً } استثناء منقطع أي ولكن حاجة { فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } أي أظهرها ووصاهم بها دفعا للخطرة غير معتقد أن للتدبير تأثيراً في تغيير التقدير ، والمراد بالحاجة شفقته عليه السلام وحرازته من أن يعانوا .

وذكر الراغب أن الحاجة إلى الشيء الفقر إليه مع محبته وجمعه حاج وحاجات وحوائج ، وحاج يحوج احتاج ثم ذكر الآية . وأنكر بعضهم مجيء الحوائج جمعاً لها وهو محجوج بوروده في الفصيح ، وفي التصريح باسمه عليه السلام إشعار بالتعطف والشفقة والترحم لأنه عليه السلام قد اشتهر بالحزن والرقة ، وجوز أن يكون ضمير { قَضَاهَا } للدخول على معنى أن ذلك الدخول قضى حاجة في نفس يعقوب عليه السلام وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبواب متفرقة ، فالمعنى ما كان ذلك الدخول يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئاً لكن قضى حاجة حاصلة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته ، والاستثناء منقطع أيضاً ، وجملة { قَضَاهَا } صفة { حَاجَةً } وجوز أن يكون خبر { إِلا } لأنها بمعنى لكن وهي يكون لها اسم وخبر فإذا أولت بها فقد يقدر خبرها وقد يصرح به كما نقله القطب .

وغيره عن ابن الحاجب ، وفيه أن عمل إلا بمعنى لكن عملها مما لم يقل به أحد من أهل العربية .

وجوز الطيبي كون الاستثناء متصلاً على أنه من باب .

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** فالمعنى ما أغنى عنهم ما وصاهم به أبوهم شيئاً إلا شفقته التي في نفسه ، ومن الضرورة أن شفقة الأب مع قدر الله تعالى كالهباء فاذن ما أغنى عنهم شيئاً أصلاً { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ } جليل { لّمَا عَلَّمْنَاهُ } أي لتعليمنا إياه بالوحي ونصب الأدلة حيث لم يعتقد أن الحذر يدفع القدر حتى يتبين الخلل في رأيه عند تخلف الأثر أو حيث بت القول بأنه لا يغنى عنهم من الله تعالى شيئاً فكانت الحال كما قال ، فاللام للتعليل و { مَا } مصدرية والضمير المنصوب ليعقوب عليه السلام ، وجوز كون { مَا } موصولاً اسمياً والضمير لها واللام صلة علم والمراد به الحفظ أي إنه لذو حفظ ومراقبة للذي علمناه إياه ، وقيل : المعنى إنه لذو علم لفوائد الذي علمناه وحسن إثارة ، وهو إشارة إلى كونه عليه السلام عاملاً بما علمه وما أشير إليه أولا هو الأولى ، ويؤيد التعليل قراءة الأعمش { مّمَّا * علمناه } وفي تأكيد الجملة بان واللام وتنكير { عِلْمٍ } وتعليله بالتعليم المسند إلى ضمير العظة من الدلالة على جلالة شأن يعقوب عليه السلام وعلو مرتبة علمه وفخامته ما لا يخفى .

{ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } شر القدر ويزعمون أنه يغني عنه الحذر ، وقيل : المراد { لاَّ يَعْلَمُونَ } إيجاب الحذر مع أنه لا يغني شيئاً من القدر . وتعقب بأنه يأباه مقام بيان تخلف المطلوب عن المبادىء .

وقيل : المراد { لاَّ يَعْلَمُونَ } أن يعقوب عليه السلام بهذه المثابة من العلم ، ويراد بأكثر الناس حينئذ المشركون فإنهم لا يعلمون أن الله تعالى كيف ارشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة ، وفيه أنه بمعزل عما نحن فيه .

/ وجعل المفعول سر القدر هو الذي ذهب إليه غير واحد من المحققين وقد سعى في بيان المراد منه وتحقيق إلغاء الحذر بعض أفاضل المتأخرين المتشبثين بأذيال الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم فقال : إن لنا قضاء وقدراً وسر قدر وصر سره ، وبيانه أن الممكنات الموجودة ، وإن كانت حادثة باعتبار وجودها العيني لكنها قديمة باعتبار وجودها العلمي وتسمى بهذا الاعتبار مهيئات الأشياء والحروف العالية والأعيان الثابتة ، ثم أن تلك الأعيان الثابتة صور نسبية وظلال شؤنات ذاتية لحضرة الواجب تعالى ، فكما أن الواجب تعالى والشؤون الذاتية له سبحانه مقدسة عن قبول التغير أزلا وأبداً كذلك الأعيان الثابتة التي هي طلالها وصورها يمتنع عليها أن تتغير عن الأحكام التي هي عليها في حدّ نفسها ، فالقضاء هو الحكم الكلي على أعين الموجودات بأحوال جارية وأحكام طارئة عليها من الأزل إلى الأبد ، والقدر تفصيل هذا الحكم الكلي بتخصيص إيجاد الأعيان وإظهارها بأوقات وأزامن يقتضي استعدادها الوقوع فيها وتعليق كل حال من أحوالها بزمان معين وسبب مخصوص ، وسر القدر هو أن يمتنع أن يظهر عين من الأعيان إلا على حسب ما يقتضيه استعداده ، وسر القدر هو أن تلك الاستعدادات أزلية غير مجعولة بجعل الجاعل لكون تلك الأعيان ظلال شؤنات ذاتية مقدسة عن الجعل والانفعال ، ولا شك أن الحكم الكلي على الموجودات تابع لعلمه تعالى بأعيانها الثابتة ، وعلمه سبحانه بتلك الأعيان تابع لنفس تلك الأعيان إذ لا أثر للعلم الأزلي في المعلوم بإثبات أمر له لا يكون ثابتاً أو بنفي أمر عنه يكون ثابتاً بل علمه تعالى بأمر ما إنما يكون على وجه يكون هو في حدّ ذاته على ذلك الوجه ، وأما الأعيان فقد عرفت أنها ظلال لأمور أزلية مقدسة عن شوائب التغير فكانت أزلا ، فالله تعالى علم بها كما كانت وقضى وحكم كما علم وقدّر وأوجد كما قضى وحكم ، فالقدر تابع للقضاء التابع للمعلوم التابع لما هو ظل له فاليه سبحانه يرجع الأمر كله فيمتنع أن يظهر خلاف ما علم فلذا يلغو الحذر ، لكن أمر به رعاية للأسباب فإن تعطيلها مما يفوت انتظام أمر هذه النشأة ، ولذا ورد أن نبيا من الأنبياء عليهم السلام ترك تعاطي أسباب تحصيل الغذاء وقال : لا أسعي في طلب شيء بعد أن كان الله تعالى هو المتكفل برزقي ولا آكل ولا أشرب ما لم يكن سبحانه وهو الذي يطعمني ويسقيني فبقي أياماً على ذلك حتى كادت تغيظ نفسه مما كابده فأوحى إليه سبحانه يا فلان لو بقيت كذلك إلى يوم القيامة ولم تتعاط سبباً ما رزقتك أتريد أن تعطل أسبابي ؟

وقال بعض المحققين : إن سبب إيجاب الحذر أن كثيراً من الأمور قضى معلقاً ونيط تحصيله بالأفعال الاختيارية للبشر بترتيب أسبابه ودفع موانعه فيمكن أن يكون الحفظ عن المكروه من جملة ما نيط بفعل اختياري وهو الحذر وهو لا يأتي ما قلناه كما لا يخفى { هذا }

وذكر الشيخ الأكبر قدّس سره أن القدر مرتبة بين الذات والمظاهر ومن علم الله تعالى علمه ومن جهله سبحانه جهله والله تعالى شأنه لا يعلم فالقدر أيضاً لا يعلم ، وإنما طوى علمه حتى لا يشارك الحق في علم حقائق الأشياء من طريق الإحاطة بها إذ لو علم أن معلوم كان بطريق الإحاطة من جميع وجوهه كما يعلمه الحق لما تميز علم الحق عن علم العبد بذلك الشيء ولا يلزمنا على هذا الاستواء فيما علم منه ، فإن الكلام فيما علم كذلك ، فإن العبد جاهل بكيفية تعلق العلم مطلقاً بمعلومه فلا يصح أن يقع الاشتراك مع الحق في العلم بمعلوم ما ، ومن المعلومات العلم بالعلم ، وما من وجه من المعلومات إلا وللقدر فيه حكم لا يعلمه إلا هو سبحانه فلو علم القدر علمت أحكامه ولو علمت أحكامه لاستقل العبد في العلم بكل شيء وما احتاج إليه سبحانه في شيء وكان له الغنى على الإطلاق ، وسر القدر عين تحكمه في الخلائق ، وأنه لا ينكشف لهم هذا السر حتى يكون الحق بصرهم .

وقد ورد النهي عن طلب علم القدر وفي بعض الآثار أن عزيراً عليه السلام كان كثير السؤال عنه إلى أن قال الحق سبحانه له : يا عزير لئن سألت عنه لأمحون اسمك من ديوان النبوة ، ويقرب من ذلك السؤال عن علل الأشياء في مكنوناتها ، فإن أفعال الحق لا ينبغي أن تعلل ؛ فإن ما ثم علة موجبة لتكوين شيء إلا عين وجود الذات وقبول عين الممكن لظهور الوجود ، والأزل لا يقبل السؤال عن العلل ، والسؤال عن ذلك لا يصدر إلا عن جاهل بالله تعالى فافهم ذاك والله سبحانه يتولى هداك .

( ومن باب الإشارة { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } [ يوسف : 68 ] إشارة إلى العلم اللدني وهو على نوعين . ظاهر الغيب وهو علم دقائق المعاملات والمقامات والحالات والكرامات والفراسات ، وباطن الغيب وهو علم بطون الأفعال ويسمى حكمة المعرفة ، وعلم الصفات ويسمى المعرفة الخاصة ، وعلم الذات ويسمى التوحيد والتفريد والتجريد ، وعلم أسرار القدم ويسمى علم الفناء والبقاء ، وفي الأولين للروح مجال وفي الثالث للسر والرابع لسر السر ، وفي المقام تفصيل وبسط يطلب من محله .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (68)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ولما دخل ولد يعقوب "مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ "وذلك دخولهم مصر من أبواب متفرّقة. "ما كانَ يُغْنِي" دخولهم إياها كذلك "عَنْهُمْ" مِنَ قضاء اللّهِ الذي قضاه فيهم فحتمه، "مِنْ شَيْءٍ إلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعَقُوبَ قَضَاها" إلا أنهم قضوا وطرا ليعقوب بدخولهم لا من طريق واحد خوفا من العين عليهم، فاطمأنت نفسه أن يكونوا أُوتُوا من قبل ذلك أو نالهم من أجله مكروه... وقوله: "وإنّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلّمْناهُ" يقول تعالى ذكره: وإن يعقوب لذو علم لتعليمنا إياه. وقيل: معناه وإنه لذو حفظ لما استودعنا صدره من العلم... عن قتادة: "وَإنّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلّمْناهُ" قال: إنه لعامل بما علم...

"وَلَكِنّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ" يقول جلّ ثناؤه: ولكن كثيرا من الناس غير يعقوب، لا يعلمون ما يعلمه، لأنا حَرَمناه ذلك فلم يعلمه.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

"وإنه لذو علم لما علمناه".. إنه ليس ممن يعمل على جهل، بل على علم، براءة له من الأمر لولده بما لا يجوز له، ولكن "أكثر الناس لا يعلمون "ذلك من حاله، كما علمه الله...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ثم قال: {وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} أي متفرقين {مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ} رأي يعقوب ودخولهم متفرّقين شيئاً قط، حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرّقهم، من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم {إِلاَّ حَاجَةً} استثناء منقطع. على معنى: ولكن حاجة {فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} وهي شفقته عليهم وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ} يعني قوله: {وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ} وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم إنه سبحانه صدق يعقوب فيما قال، مؤكداً لما أشار إلى اعتقاده، فقال: {ولما} وعطفه بالواو يدل على أنهم ما أسرعوا الكرة في هذه المرة خوفاً من أن يقول لهم: لم يفرغ ما عندكم حتى تضطروا إلى الاستبدال به، والزمان زمان رفق، لا زمان تبسط {دخلوا} أي أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام عند وصولهم إلى مصر {من حيث أمرهم} أي به {أبوهم} من أبواب متفرقة، قالوا: وكان لمصر أربعة أبواب، {ما كان} ذلك الدخول {يغني} أي يدفع ويجزي {عنهم من الله} أي الملك الأعلى الذي لا راد لأمره، وأغرق في النفي فقال: {من شيء} كما تقدم من قول يعقوب عليه الصلاة والسلام {إلا حاجة} أي شيئاً غير أتم حاجة {في نفس يعقوب} وهو الدخول على ما أمر به شفقة عليهم {قضاها} يعقوب، وأبرزها من نفسه إلى أولاده، فعملوا فيها بمراده فأغنى عنهم ذلك الخلاص من عقوق أبيهم فقط، فإنهم ابتلوا في هذه السفرة بأمر عظيم لم يجدوا منه خلاصاً، وهو نسبهم إلى السرقة، وأسر أخيهم منهم، قال أبو حيان: وفيه حجة لمن زعم أن "لما "حرف وجوب لوجوب، لا ظرف زمان بمعنى "حين"، إذ لو كان ظرف زمان ما جاز أن يكون معمولاً لما" بعد "ما النافية -انتهى.

ولما كان ذلك ربما أوهم أنه لا فائدة في الاحتياط، أشار تعالى إلى رده بمدح يعقوب عليه الصلاة والسلام، حثاً على الاقتداء به في التسبب مع اعتقاده أن الأمر بيد الله فقال: {وإنه} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام مع أمره لبنيه بذلك {لذو علم} أي معرفة بالحكمين: حكم التكليف، وحكم التقدير، وإطلاع على الكونين عظيم {لما} أي للذي {علمناه} إياه من أصول الدين وفروعه، ويجوز أن يكون المعنى: لذو علم لأجل تعليمنا إياه.

فاقتدوا به في الاحتياط في تعاطي الأسباب، مع اعتقاد أنه لا أثر لها إلا إن أمضاها الواحد القهار، فبهذا التقدير يتبين أن الاستثناء متصل، وفائدة إبرازه- في صورة الاستثناء عند من جعله منقطعاً -الإشارة إلى تعظيم يعقوب عليه الصلاة والسلام، وأنه جدير بأن يكون ما يأمر به مغنياً، لأنه من أمر الله، فلو كان شيء يغني من قدر الله لأغنى ما أشار به...

ولما كان قد يظن أن كل أحد يكون كذلك، أي يعلم ما علمه، نفى ذلك سبحانه بقوله: {ولكن أكثر الناس} أي لأجل ما لهم من الاضطراب {لا يعلمون} أي ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه واستفراغ قواهم في الاهتمام بما وقع التكفل لهم به من أحوال الدنيا، ومغالبة فطرهم القويمة السليمة بردها إلى ما تدعو إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون فيها طب مخلوق.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

{وإنه لذو علم لما علمناه} أي وإنه لذو علم خاص به وبأمثاله من الأنبياء، لما أعطيناه من علم الوحي وتأويل الرؤيا الصادقة، واعتقاده أن الإنسان يجب عليه في كل أمر يحاوله أن يتخذ له من الأسباب ما يصل به إلى غرضه ويبلغ به إلى غايته، ثم يتوكل بعد ذلك على الله في تسخير ما لم يصل إليه علمه مما لا تتم المقاصد بدونه. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن الواجب الجمع بين أخذ العدة والسعي في تحقيق الأسباب الصحيحة الموصلة إلى المراد، وبين الاتكال على الله وهو ما فعله يعقوب عليه السلام، ولا يكفي تحقق الأسباب وحدها للحصول عليه...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والقضاء: الإنفاذ، ومعنى قضاها أنفذها. يقال: قضى حاجة لنفسه، إذا أنفذ ما أضمره في نفسه، أي نصيحة لأبنائه أداها لهم ولم يدخرها عنهم ليطمئن قلبه بأنه لم يترك شيئاً يظنه نافعاً لهم إلاّ أبلغه إليهم... والمعنى أن الله أمر يعقوب عليه السلام بأخذ أسباب الاحتياط والنصيحة مع علمه بأن ذلك لا يغني عنهم من الله من شيء قدره لهم، فإن مراد الله تعالى خفيّ عن الناس، وقد أمر بسلوك الأسباب المعتادة، وعَلِم يعقوب عليه السلام ذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون تطلب الأمرين فيهملون أحدهما...

والمعنى: أن أكثر الناس في جهالة عن وضع هاته الحقائق موضعها ولا يخلون عن مُضيع لإحداهما...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

دخلوا من أبواب متفرقة، وتمثلت في يعقوب النبي صورة الأب الشفيق الذي يخشى على أولاده من كل شيء، فإن الشفقة توهم ما لا يكون له حقيقة أو تكون له حقيقة ولكن بعيدة؛ خاف على أولاده أن يعانوا، أي تصيبهم العين، فقال: {يا بني لا تدخلوا من باب واحدة وادخلوا من أبواب متفرقة}، ففعلوا استجابة للحنان الذي يغمرهم، ولذا قال تعالى: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم}، أي من أبواب متفرقة حيث أمرهم أبوهم مما كان لا يغني عنهم من الله من شيء، أي لا يدفع عنهم دون الله تعالى من شيء، أي أن العين وأشباهها لا تدفع بالدخول من أبواب متفرقة، إنما يدفعها الله إذا شاء {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها}... والحاجة هي الخاطر الذي خطر على فكر يعقوب، وصار في حاجة لأن ينصح ولده بأن يدخلوا من أبواب متفرقة، وهذه الحاجة هي شفقته على أولاده، وخوفه من العين تصيبهم، كما أشرنا، ومن المفسرين من أنكر خوف العين، على مثل نبي الله يعقوب عليه السلام، وقال: إنه الخوف من الملك إذا رآهم وأولادهم جميعا في أبهة وفخامة أن يبطش بهم، والحاجة تحتمل الأمرين، وربما كان يرشح للثاني قوله تعالى: {وإنه لذو علم لما علمناه} من الحكمة والنبوة فلا يغني عن الله شيء وإنا نميل إلى هذا. ورشحه أيضا قوله تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} بل يسيرون وراء ما يتوهمون، وإن لم تكن له حقيقة ثابتة، والله أعلم...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} لأن مثل هذه الوسائل لا تمنع الخطة المرسومة التي يريد الله للناس أن يخضعوا لها في قضائه وقدره في علاقة المسبّبات بالأسباب، فإذا أراد الله شيئاً هيّأ أسبابه. وهكذا لم يُرد يعقوب أن يغيّر القضاء، أو يعطّل الأسباب {إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} في ما كان يريده لهم من تحفظ يبعدهم عن المشاكل من بعض النواحي. ولم نعرف من خلال القرآن نوعية هذه الحاجة بالتحديد، لكن ربّما كانت حالةً من الطمأنينة الداخلية التي أراد أن يعيشها في نفسه، وربما كانت حاجته الملحة إلى رجوع يوسف إليه، التي هيّأ الله له أسباب تحقيقها في سفر إخوته مع أخيهم غير الشقيق إليه، الذي انتهى بلقاء يوسف وأخيه لأبيه وأمه، وبذلك يكون الضمير في «قضاها» راجعاً إلى الله، لا إلى يعقوب كما يذهب إلى ذلك بعض المفسرين، وربما كانت تلك الحاجة شيئاً لا نعلمه، مما قد يكون معلوماً لدى يعقوب مما علّمه الله إياه من أسرار الغيب في ما يمكن أن نستوحيه من قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ}. ولعلَّ المراد به العلم الخاص الذي يلهم الله به الأنبياء أو يوحي به إليهم من علمه، الذي لا يريد أن يبينوه، بل يريد لهم أن يعيشوه، ويكتفوا في تبيانه على طريقة الإشعار أو الإيحاء لمصلحة ما هناك. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لأنهم يتعاملون في أمورهم من خلال الرؤية المحدودة للأشياء، مما يحجب عنهم الكثير من الأسرار التي تختفي في غيب المستقبل، أو في خلفيات الحاضر.