لا بيع فيه ولا خلال : لا فدية ولا صداقة تنفع أو تشفع .
بعد أن هدّد الله الكفارَ على جحودهم وانغماسهم في اللذات خاطبَ نبيَّه الكريمَ أن يأمر المؤمنين من عبادهِ أن أحسِنوا وأقيموا الصلاةَ وأنفقوا بعض ما رزقكم ربُّكم في وجوه البِر في السر والعلَن ، من قبلِ أن يأتي يومُ القيامة الذي لا تنفع فيه صداقة ولا شفاعة ولا بيعٌ ولا عمل ، إنما ينفع ما تقدّمون من أعمال طيبة .
{ قُل لّعِبَادِىَ الذين * ءامَنُواْ } وخصهم بالإضافة إليه تعالى رفعاً لهم وتشريفاً وتنبيهاً على أنهم المقيمون لوظائف العبودية الموفون بحقوقها ، وترك العطف بين الأمرين للإيذان بتباين حالهم تهديداً وغيره ، ومقول القول على ما ذهب إليه المبرد . والأخفش . والمازني محذوف دل عليه { يُقِيمُواْ } أي قال لهم : أقيموا الصلاة وأنفقوا . { يُقِيمُواْ * الصلاة *وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } والفعل المذكور مجروم على أنه جواب { قلذ عندهم . وأورد أنه لا يلزم من قوله عليه الصلاة والسلام : أقيموا وأنفقوا أن يفعلوا . ورد بأن المقول لهم الخلص وهم متى أمروا امتثلوا ، ومن هنا قالوا : إن في ذلك إيذاناً بكمال مطاوعتهم يفعلوا . ورد بأن المقول لهم الخلص وهم متى أمروا امتثلوا ، ومن هنا قالوا : إن في ذلك إيذاناً بكمال مطاوعتهم وغاية مسارعتهم إلى الامتثال ، ويشد عضد ذلك حذف المقول لما فيه من إيهام أنهم يفعلون من غير أمر ، على أن مبنى الإيراد على أنه يشترط في السببية التامة وقد منع . وجعل ابن عطية قل بمعنى بلغ وأد الشريعة والجزم في جواب ذلك . وهو قريب مما تقدم .
وحكى عن أبي علي . وعزى للمبرد أن الجزم في جواب الأمر المقول المحذوف ، وتعقبه أبو البقاء بأنه فاسد لوجهين : الأول أن جواب الشرط لا بد أن يخالف فعل الشرط اما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما فإذا اتحدا لا يصح كقولك : قم تقم إذا التقدير هنا إن يقيموا يقيموا . والثاني أن الأمر المقدر للمواجهة والفعل المذكور على لفظ الغيبة وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً . وقيل عليه : إن الوجه الأول قريب ، وأما الثاني فليس بشيء لأنه يجوز أن تقول : قل لعبدك أطعني يطعك وإن كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية الحال .
/ وعن أبي علي . وجماعة أن { يقيموا } خبر في معنى الأمر وهو مقول القول . ورد بحذف النون وهي في مثل ذلك لا تحذف ، ومنه قوله تعالى : { هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم } إلى قوله سبحانه : { تُؤْمِنُونَ } [ الصف : 10 ، 11 ] إذ المراد منه آمنوا ، والقول بأنه لما كان بمعنى الأمر بني على حذف النون كما بنى الاسم التمكن في النداء على الضم في نحو يا زيد لما شبه بقبل وبعد وما لم يبن إنما لوحظ فيه لفظه مما لا يكاد يلتفت إليه ، وذهب الكسائي . والزجاج . وجماعة إلى أنه مقول القول وهو مجزوم بلام أمر مقدرة أي ليقيموا وينفقوا على حد قول الأعشى :
محمد تفد نفسك كل نفس . . . إذا ما خفت من أمر تبالا
وأنت تعلم أن اضمار الجازم أضعف من إضمار الجار إلا أن تقدم { قُلْ } نائب منابه ؛ كما أن كثرة الاستعمال في أمر المخاطب ينوب مناب ذلك ، والشيء إذا كثر في موضع أو تأكد الدلالة عليه جاز حذفه ، منه حذف الجار من أني إذا كانت بمعنى من أين ، وبما ذكرنا من النيابة فارق ما هنا ما في البيت فلا يضرنا تصريحهم فيه بكون الحذف ضرورة ، وعن ابن مالك أنه جعل حذف هذه اللام على أضرب .
قليل . وكثير . ومتوسط ، فالكثير أن يكون قبله قول بصيغة الأمر كما في الآية ، والمتوسط ما تقدمه قول غير أمر كقوله :
قلت لبواب لديه دارها . . . تيذن فإني حمها وجارها
والقليل ما سوى ذلك . وظاهر كلام الكشف اختيار هذا الوجه حيث قال المدقق فيه : والمعنى على هذا أظهر لكثرة ما يلزم من الاضمار ، وان تقييد الجواب بقوله تعالى : { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ } إلى { وَلاَ خلال } ليس فيه كثير طائل إنما المناسب تقييد الأمر به ، وقال ابن عطية : ويظهر أن مقول القول { الله الذى } [ إبراهيم : 32 ] الخ ولا يخفى ما في ذلك من التفكيك ، على أنه لا يصح حينئذ أن يكون { يُقِيمُواْ } مجزوماً في جواب الأمر لأن قول { الله الذى } [ إبراهيم : 32 ] الخ لا يستدعي إقامة الصلاة والإنفاق إلا بتقدير بعيد جداً هذا ، والمراد بالصلاة قيل ما يعم كل صلاة فرضاً كانت أو تطوعاً ، وعن ابن عباس تفسيرها بالصلاة المفروضة وفسر الإنفاق بزكاة الأموال .
ولا يخفى عليك أن زكاة المال إنما فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد صدقة الفطر وان هذه السورة كلها مكية عند الجمهور ، والآيتين ليست هذه الآية إحداهن عند بعض ، ثم إن لم يكن هذا المأمور به في الآية مأموراً به من قبل فالأمر ظاهر وإن كان مأموراً به فالأمر للدوام فتحقق ذلك ولا تغفل { سِرّا وَعَلاَنِيَةً } منتصبان على المصدرية لكن من الأمر المقدر أو من الفعل المذكور على ما ذهب إليه الكسائي ومن معه على ما قيل ، والأصل إنفاق سر وإنفاق علانية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه ، ويجوز أن يكون الأصل إنفاقاً سراً وإنفاقاً علانية فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه ، وجوز أن يكونا منتصبين على الحالية أما على التأويل بالمشتق أو على تقدير مضاف أي مسرين ومعلنين أو ذوي سر وعلانية أو على الظرفية أي في سر وعلانية ، وقد تقدم الكلام في حكم نفقة السر ونفقة العلانية { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } فيبتاع المقصر فيه ما يتلافى به تقصيره أو يفتدي به نفسه ، والمقصود كما قال بعض المحققين نفى عقداً لمعاوضة بالمرة ، وتخصيص البيع بالذكر للإيجاز مع المبالغة في نفي العقد إذ انتفاء البيع يستلزم انتفاء الشراء على أبلغ وجه وانتفاؤه ربما يتصور مع تحقق الإيجاب من البائع انتهى ، وقيل : إن البيع كما يستعمل في إعطاء المثمن وأخذا الثمن وهو المعنى الشائع يستعمل في إعطاء الثمن وأخذ المثمن وهو معنى الشراء ؛ وعلى هذا جاء قوله صلى الله عليه وسلم : «لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه » ولا مانع من إرادة المعنيين هنا ، فإن قلنا بجواز استعمال المسترك في معنييه مطلقاً كما قال به الشافعية أو في النفي كما قال به ابن الهمام فذاك وإلا احتجنا إلى ارتكاب عموم المجاز فكأنه قيل : لا معاوضة فيه { وَلاَ خلال } أي مخالة فهو كما قال أبو عبيدة وغيره مصدر خاللته كالخلال ، وقال الأخفش : هو جمع خليل كأخلاء وأخلة ، والمراد واحد وهو نفي أن يكون هناك خليل ينتفع به بأن يشفع له أو يسامحه بما يفتدي به ، ويحتمل أن يكون المعنى من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه لما لهجوا بتعاطيه من البيع والمخالة ولا انتفاع بذلك وإنما الانتفاع والارتفاق فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى ، فعلى الأول المنفي البيع والخلال في الآخرة ، وعلى هذا المراد نفي البيع والخلال الذين كانا في الدنيا بمعنى نفي الانتفاع بهما ، و { فِيهِ } ظرف للانتفاع المقدر حسبما أشرنا إليه ، ولا يشكل ما هنا مع قوله تعالى :
{ الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] حيث أثبت فيه المخالة وعدم العداوة بين المتقين لأن المراد هنا على ما قيل نفي المخالة النافعة بذاتها في تدارك ما فات ولم يذكر في تلك الآية أن المتقين يتدارك بعضهم لبعض ما فات .
وقيل : في التوفيق بين الآيتين : إن المراد لا مخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس وتلك المخالة الواقعة بين المتقين في الله تعالى ، مع أن الاستثناء من الإثبات لا يلزمه النفي وإن سلم لزومه فنفى العداوة لا يلزم منه املخالة وهو كما ترى ؛ ومثله ما قيل : إن الإثبات والنفي بحسب المواطن . والظرف على ما استظهره غير واحد متعلق بالأمر المقدر ، وعلقه بالفعل المذكور من رأى رأى الكسائي ومن معه بل وبعض من رأى غير ذلك إلا أنه لا يخلو عن شيء ، وتذكير اتيان ذلك اليوم على ما في إرشاد العقل السليم لتأكيد مضمون الأمر من حيث أن كلا من فقدان الشفاعة وما يتدارك به التقصير معاوضة وتبرعاً وانقطاع آثار البيع والخلال والواقعين في الدنيا وعدم الانتفاع بهما من أقوى الدواعي إلى الإتيان بما تبقى عوائده وتدوم فوائده من الإنفاق في سبيل الله تعالى أو من حيث أن ادخار المال وترك انفاقه إنما يقع غالباً للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة فلا وجه لادخاره إلى وقت الموت . وتخصيص أمر الإنفاق بذلك التأكيد لميل النفوس إلى المال وكونها مجبولة على حبه والضنة به . وفيه أيضاً أنه لا يبعد أن يكون تأكيداً لمضمون الأمر بإقامة الصلاة أيضاً من حيث أن تركها كثيراً ما يكون للاشتغال بالبياعات والمخاللات كما في قوله تعالى :
{ وَإِذَا رَأَوْاْ * تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } [ الجمعة : 11 ] وأنت تعلم بعده لفظاً بناء على تعلق { سِرّا وَعَلاَنِيَةً } بالأمر بالإنفاق ، ثم إن ما ذكر من الوجهين في الآية هو الذي ذكره بعض المحققين ، واقتصر الزمخشري فيها على الوجه الثاني ، وكلامه في تقريره ظاهر في أن فائدة التقييد الحث على الإنفاق حسبما بينه في الكشف ، وفيه تقرير الحاصل أن قوله تعالى : { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال } أي لا انتفاع بهما كناية عن الانتفاع بما يقابلهما وهو ما أنفق لوجه الله تعالى فهو حث على الإنفاق لوجهه سبحانه كأنه قيل : لينفقوا له من قبل أن يأتي يوم ينتفع بانفاقهم المنفقون له ولا ينفع الندم لمن أمسك ، والعدول إلى ما في النظم الجليل ليفيد الحصر وإن ذلك وحده هو المنتفع به ، وليفيد المضاة بين ما ينفع عاجلياً وما ينفع آجلياً ، وذكر في آية البقرة ( 254 ) { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } أن المعنى من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع حتى تبتاعوا ما تنفقونه ولا خلة حتى يسامحكم أخلاؤكم به ، وبين المدقق وجه اختصاص كل من المعنيين بموضعه مع صحة جريانهما جميعاً في كل من الموضعين بأن الأول خطاب عام فكان الحث فيه الإنفاق مطلقاً وتصوير أن الإنفاق نفسه هو المطلوب فليغتنم قبل أن يأتي يوم يفوت فيه ولا يدركه الطالب هو الموافق لمقتضى المقام وأن الثاني لما اختص بالخلص كان الموافق للمقام تحريضهم على ما هم عليه من الإنفاق ليدوموا عليه فقيل : دوموا عليه وتمسكوا به تغتبطوا يوم لا ينفع إلا من دام عليه ، ولو قيل : دوموا عليه قبل أن يفوتكم ولا تدركوه لم يكن بتلك الوكادة لأن الأول بالحث على طلب أصل الفعل أشبه والثاني بطلب الدوام فتفطن له اه ولا يخلو عن دغدغة .
وقرأ أبو عمرو . وابن كثير . ويعقوب { لاَّ بَيْعٌ * فِيهَا وَلاَ *خلال } بفتح الاسمين تنصيصاً على استغراق النفي ، ودلالة الرفع على ذلك باعتبار خطابي هو على ما قيل وقوعه في جواب هل فيه بيع أو خلال ؟ ثم إنه لما ذكر سبحانه أحوال الكافر لنعمه وأمر المؤمنين بإقامة مراسم الطاعة شكراً لها شرع جل وعلا في تفصيل ما يستوجب على كافة الانام المثابرة على الشكر والطاعة من النعم العظام والمنن الجسام حثاً للمؤمنين عليها وقريعاً للكفرة المخلين أتم اخلال بها فقال عز قائلاً :
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قل لعبادي الذين ءامنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم} من الأموال، {سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه}، يعني لا فداء، {ولا خلال}، يعنى ولا خلة، لأن الرجل إذا نزل به ما يكره في الدنيا قبل موته، قبل منه الفداء، أو يشفع له خليله، والخليل: المحب، وليس في الآخرة من ذلك شيء، وإنما هي أعمالهم يثابون عليها...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"قُلْ" يا محمد "لِعبادِيَ الّذِينَ آمَنُوا "بك وصدّقوا أن ما جئتهم به من عندي "يُقيمُوا الصّلاةَ" يقول: قل لهم: فليقيموا الصلوات الخمس المفروضة عليهم بحدودها، ولينفقوا مما رزقناهم فخوّلناهم من فضلنا "سرّا وعلانية"، فليؤدّوا ما أوجبت عليهم من الحقوق فيها سرّا وإعلانا.
"مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ" يقول: لا يقبل فيه فدية وعوض من نفس وجب عليها عقاب الله بما كان منها من معصية ربها في الدنيا، فيقبل منها الفدية، وتترك فلا تعاقب، فسمى الله جلّ ثناؤه الفدية عوضا، إذ كان أخذ عوض من معتاض منه.
"وَلا خِلالٌ" يقول: وليس هناك مُخالّة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالته، بل هنالك العدل والقسط...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... {من قبل يوم لا بيع فيه ولا خلال} {يوم لا بيع فيه} أي يوم لا يقدر أحد أن يبيع نفسه من ربه (وفي الدنيا يقدر أن يبيع نفسه من ربه) كقوله: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} (البقرة: 207) وقوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} (التوبة: 111)... ويحتمل {يوم لا بيع فيه ولا خلال} أي لا ينفعه بيع نفسه منه في ذلك اليوم، وإن باع كقوله تعالى {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} (الأنعام: 158)...
{ولا خلال} هو مصدر خاللت، وهو من الخِلة والصداقة. ثم يحتمل وجهين:
أحدهما: أي لا تنفعهم الخلة التي كانت بينهم في الدنيا مما ليست لله فهي تصير عداوة في الآخرة كقوله: {الأخلاء يومئذ...} الآية (الزخرف: 67) أخبر أن الأخلاء الذين كانوا يخالون في الدنيا للدنيا فهم الأعداء إلا الخلة التي كانت لله فهي تنفع أهلها...
والثاني: أي يكون لهم شفعاء وأخلاء، ولكن لا يشفعون كقوله: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (الأنبياء: 28) أو يشفعون لهم، لكن لا تقبل شفاعتهم كقوله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} (المدثر: 38)...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
المعنى بادروا بأفعال الخير من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأفعال الخير "قبل أن "يأتيكم يوم القيامة الذي لا بيع فيه ولا شراء، والمراد -ههنا – ولا فداء تفدون بها نفوسكم من عذاب الله "ولا خلال" أي ولا مخالة...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
جعل الله راحةَ العبدِ -اليومَ- بكمالها في الصلاة؛ فإنَّها محلُّ المناجاة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أَرِحَنا يا بلال بالصلاة" والصلاة استفتاح باب الرزق، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَواةِ واصْطَبِرْ عَليْهَا لاَ نَسْئَلُكَ رِزْقاً} [طه:132]. وفي الصلاة يبث العبد أسرارَه...
{وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُم}: أمرهم بإنفاق اللسان على ذكره، وإنفاق البَدَنِ على طاعته، والوقت على شكره، والقلب على عرفانه، والروح على حبه، والسِّرّ على مشاهدته.. ولا يكلِّف الله نَفْساً إلا ما آتاها...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: علام انتصب {سِرّا وَعَلاَنِيَةً}؟ قلت: على الحال، أي: ذوي سرّ وعلانية، بمعنى: مسرين ومعلنين. أو على الظرف، أي وقتي سر وعلانية. أو على المصدر، أي: إنفاق سر وإنفاق علانية، [و] المعنى: إخفاء المتطوع به من الصدقات والإعلان بالواجب. والخلال: المخالة.
فإن قلت: كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال} قلت: من قبل أنّ الناس يخرجون أموالهم في عقود المعاوضات، فيعطون بدلاً ليأخذوا مثله، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أمثالها أو خيراً منها. وأمّا الإنفاق لوجه الله خالصاً كقوله تعالى: {وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تَجْزِى إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى} [الليل: 19-20] فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في يوم لا بيع فيه ولا خلال، أي: لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة، ولا بما ينفقون به أموالهم من المعاوضات والمكارمات، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله.
اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال، وفيه... أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله. أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة. وأما المال فيجب صرفه إلى البذل في طاعة الله تعالى. فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة، وهي الإيمان والصلاة والزكاة... واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}... فكأنه تعالى يقول: أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا تحصل فيه مبايعة ولا مخالة...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يقول تعالى آمرًا العباد بطاعته والقيام بحقه، والإحسان إلى خلقه، بأن يقيموا الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات، والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب. والمراد بإقامتها هو: المحافظة على وقتها وحدودها، وركوعها وخشوعها وسجودها. وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر، أي: في الخفية، والعلانية وهي: الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ}...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يقول لهم، وكان ذلك محركاً لنفس السامع إلى الوقوف على ما يقال لمن خلع الأنداد وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان وأعمها الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، والنفقة الشاملة لوجوه البر، أمره تعالى أن يندب أولياءه إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه، والإعراض عما أقبلوا بالتمتع عليه من ذلك، فقال {قل لعبادي} فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبيباً لهم فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم فقال: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف. ولما كان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن قول، فهو جالٍ لصدأ القلوب، وموجب لتهذيب النفوس، قال جازماً: {يقيموا الصلاة} التي هي زكاة القوة وصلة العبد بربه {وينفقوا} وخفف عنهم بقوله: {مما رزقناهم} أي بعظمتنا، فهو لنا دونهم، من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من الصدقات وغيرها، إتقاناً لما بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من النار، واقتصر على هاتين الخلتين لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما تقدم من فضلهما وعمومهما، ولعله سيق سياق الشرط تنبيهاً لهم على أن مجرد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقوى الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا عنه أصلاً؛ ثم أشار إلى المداومة على هاتين الخصلتين بقوله: {سراً وعلانية}... ثم رهب من تهاون في خدمته من اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب الضلال، فقال مشيراً بالجار إلى قصر مدة أعمالهم: {من قبل أن يأتي يوم} أي عظيم جداً ليس هو كشيء من الأيام التي تعرفونها {لا بيع فيه} لأسير بفداء {ولا خلال} أي مخالات وموادات يكون عنها شفاعة أو نصر... وذلك إشارة إلى أنه لا يكون شيء منهما سبباً لخلاص هالك...
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
فالجملة، أعني: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِي يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال}، لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله، ويمكن أن يكون فيها أيضاً تأكيد لمضمون الأمر بإقامة الصلاة؛ وذلك لأن تركها كثيراً ما يكون سبب الاشتغال بالبيع، ورعاية حقوق الأخلاء...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
قل لعبادي المؤمنين آمرا لهم بما فيه غاية صلاحهم وأن ينتهزوا الفرصة، قبل أن لا يمكنهم ذلك...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ودعهم وانصرف عنهم إلى (عبادي الذين آمنوا). انصرف عنهم إلى موعظة الذين تجدي فيهم الموعظة. الذين يتقبلون نعمة الله ولا يردونها، ولا يستبدلون بها الكفر. انصرف إليهم تعلمهم كيف يشكرون النعمة بالعبادة والطاعة والبر بعباد الله... قل لعبادي الذين آمنوا: يشكروا ربهم بإقامة الصلاة. فالصلاة أخص مظاهر الشكر لله. وينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الرزق سرا وعلانية. سرا حيث تصان كرامة الآخذين ومروءة المعطين، فلا يكون الإنفاق تفاخرا وتظاهرا ومباهاة. وعلانية حيث تعلن الطاعة بالإنفاق وتؤدى الفريضة، وتكون القدوة الطيبة في المجتمع. وهذا وذلك متروك لحساسية الضمير المؤمن وتقديره للأحوال. قل لهم: ينفقوا ليربو رصيدهم المدخر من قبل أن يأتي يوم لا تنمو فيه الأموال بتجارة، ولا تنفع كذلك فيه صداقة؛ إنما ينفع المدخر من الأعمال...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
ولما كانوا متحلين بالكمال صِيغَ الحديث عنهم بعنوان الوصف بالإيمان، وبصيغة الأمر بما هم فيه من صلاة وإنفاق لقصد الدوام على ذلك، فحصلت بذلك مناسبة وقع هذه الآية بعد التي قبلها لمناسبة تضاد الحالين. ولما كان المؤمنون يقيمون الصلاة من قبل وينفقون من قبل تعين أن المراد الاستزادة من ذلك، ولذلك اختير المضارع مع تقدير لام الأمر دون صيغة فعل الأمر لأن المضارع دال على التجدد، فهو مع لام الأمر يلاقي حال المتلبس بالفعل الذي يؤمر به بخلاف صيغة (افعل) فإن أصلها طلب إيجاد الفعل المأمور به من لم يكن ملتبساً به، فأصل يقيموا الصلاة} ليقيموا، فحذفت لام الأمر تخفيفاً...
و {سراً وعلانية}... المقصود [به] تعميم الأحوال في طلب الإنفاق لكيلا يظنوا أن الإعلان يجر إلى الرياء كما كان حال الجاهلية، أو أن الإنفاق سراً يفضي إلى إخفاء الغني نعمة الله فيجر إلى كفران النعمة، فربما توخى المرء أحد الحالين فأفضى إلى ترك الإنفاق في الحال الآخر فتعطل نفع كثير وثواب جزيل، فبين الله للناس أن الإنفاق بِرّ لا يكدره ما يحف به من الأحوال، وإنما الأعمال بالنيات...
وتقديم السر على العلانية تنبيه على أنه أولى الحالين لبعده عن خواطر الرياء، ولأن فيه استبقاءً لبعض حياء المتصدق عليه...
{من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه}... قد كني بنفي البيع والخلال التي هي وسائل النوال والإرفاد عن انتفاء الاستزادة. وإدخال حرف الجر على اسم الزمان وهو قبل} لتأكيد القبلية ليفهم معنى المبادرة...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
(عبادي) للإشارة إلى أنهم قاموا بحق العبودية، فلم يشركوا مع الله أحدا، وأخلصوا الذات، وأعطوا ما هو على العبد أن يؤذيه...
وفي قوله تعالى: {من قبل أن يأتي...} إشارة إلى أن الإنفاق لوجه الله تعالى هو ذكر لله تعالى، فليس من التجارة...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
إشارة إلى ما يجب على المؤمنين من حقوق لله وحقوق للعباد، فحق الله يتجلى في حقه الأول وهو إقامة الصلاة، وحق العباد يتجلى في حقهم الأول وهو الإنفاق على المحتاجين منهم، فرضا ونفلا، سرا وعلنا، بالإضافة إلى ما يلزم للأهل والأقرباء، وذوي الأرحام الفقراء. وقوله تعالى: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} إشارة إلى وجوب مبادرة المؤمنين بأداء ما عليهم من الحقوق لله ولعباده، دون تأخير ولا إمهال ولا إهمال، حذرا من أن يفاجئهم الموت قبل أن يقوموا بها، فلا يمكنهم أن يتداركوها يوم القيامة...
هو أمر صادر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين في انتظار هذا الأمر ليُنفّذوه فورا، ذلك أن المؤمن يحب أن ينفّذ كل أمر يأتيه من الله. وما دمت قد أبلغتهم يا محمد هذا الأمر فسيُنفّذونه على الفور؛ وقد جاء قوله (يقيموا) محذوفا منه لام الأمر، تأكيدا على أنهم سيصعدون لتنفيذ الأمر فور سماعه. وعادة نجد أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في جَمهرة آيات القرآن تأتيان متتابعتين مع بعضهما؛ لأن إقامة الصلاة تتطلب حركة، تتطلب طاقة وتأخذ وقودا، والوقود يتطلب حركة ويأخذ زمنا، والزكاة تعني أن تُخرج بعضا من ثمرة الزمن، وبعضا من أثر الحركة في الوقت. ونجد الكسالى عن الصلاة يقولون: إن العمل يأخذ كل الوقت والواحد منا يحاول أن يجمع الصلوات إلى آخر النهار، ويؤدّيها جميعها قضاء. وهم لا يلتفتون إلى أن كل فرض حين يُؤدَّى في ميعاده لن يأخذ الوقت الذي يتصورون أنه وقت كبير. وظاهر الأمر أن الصلاة تُقلّل من ثمرة العمل، لكن الحقيقة أنها تعطي شحنة وطاقة تحفِز النفس على المزيد من إتقان العمل؛ وكيف يُقبل المصلي على العمل بنفس راضية؛ ذلك أنه بالصلاة قد وقف في حضرة من خلقه، ومن رزقه، ومن كفله. ولذلك يخرج منها هادئا مُطمئنا مُنتبها راضيا، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرحنا بها يا بلال). والصلاة في كل فرض؛ لن تأخذ أكثر من ربع الساعة بالوضوء، وإذا نسبت وقت الصلوات كلها إلى وقت العمل ستجد أنها تأخذ نسبة بسيطة وتعطي بأكثر مما أخذت. وكذلك الزكاة قد تأخذ منك بعضا من ثمرة الوقت لتعطيه إلى غير القادر، ولكنها تمنحك أمانا اجتماعيا فوق ما تتخيّل. ولذلك تجد الصلاة مرتبطة بالزكاة في آيات القرآن ببعضهما، وإقامة الصلاة هي جِماع القيم كلها؛ وإيتاء الزكاة جِماع قيام الحركات العضلية كلها. وتعالج الصلاة شيئا، وتعالج الزكاة شيئا آخر؛ وكلاهما تُصلح مكونات ماهية الإنسان؛ الروح ومقوماتها والجسد ومقوماته...
ويأمرنا الحق سبحانه في هذه الآية الكريمة بأن ننفق سرا وعلانية، وهكذا يشيع الحق الإنفاق في أمرين متقابلين؛ فالإنفاق سرًّا كي لا يقع الإنسان فريسة المُباهاة؛ والإنفاق عَلناً كي يعطي غيره من القادرين أُسوة حسنة، ولكي تمنع الآخرين من أن يتحدثوا عنك بلهجة فيها الحسد والغيرة مما أفاء الله عليك من خير...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ} الذين يريدون النجاة في الدنيا والآخرة، ويبحثون عن أفضل السبل المؤدّية إليها، {يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} لأنها معراج روح المؤمن إلى الله، والناهية له عن الفحشاء والمنكر، والمنفتحة به على كل الآفاق الروحية التي تسمو به في رحاب الله وتحرّك فيه كل عوامل الخير في الحياة، {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً} بما يمثله الإنفاق من روحية عطاء تنفتح على مشاكل البائسين والمحرومين وآلامهم بكل إيجابية المسؤولية، وتتلمّس المواقع الصعبة لتواجهها بكل ما يمكن أن يخفف من صعوبتها ويدفعها إلى طريق الحل، دون فرقٍ بين حالة الإسرار التي قد تفرضها الحاجة إلى حفظ كرامة هؤلاء البائسين الذين يريدون للناس أن يكتشفوا واقع الحاجة في حياتهم، وبين حالة الإعلان التي قد تفرضها الحاجة إلى تشجيع الآخرين على الخير، بتشكيل القدوة الحسنة لهم. وهكذا يعيش المؤمن في الإنفاق، معنى العبادة العملية من موقع التقرب إلى الله، والاتجار معه الذي لا ينتفع العباد بشيء كما ينتفعون به، {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلالٌ} وهو يوم القيامة الذي يستطيع أيّ إنسان أن يكتسب فيه شيئاً لم يكتسبه من قبل، لأنه يوم مواجهة الإنسان لنتائج المسؤولية، لا يوم التحرك في خطّها، لذا لا يستطيع أن يعتمد في النجاة على أي علاقة صداقةٍ وقرابةٍ أقامها، لأنه اليوم الذي لا يغني فيه أحد عن أحد، وإن كانت خلّة المؤمنين لا تنقطع، بل تمتد إلى يوم القيامة، ولكن امتداد الخلّة شيء، والانتفاع بها يوم القيامة للنجاة من العذاب شيءٌ آخر.