بعد أن أخبر سبحانه في الآيات السالفة أنه منع موسى من رؤيته في الدنيا ، أخبرنا هنا بما آتاه يومئذ فقال :
{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ . . . الآية } .
أي أعطيناه ألواحاً بيّنا له فيها كل شيء من المواعظ والأحكام المفصلة التي يحتاج الناس إليها وقلنا له : خذ الألواح بجدٍّ وحزم ، وأمُر قومك أن يأخذوا بأفضل ما فيها وأيسره وأن لا يشدّدوا على أنفسهم . وسأجعلهم يرون دار الخارجين على أوامر الله ، وما صارت إليه من الخراب ، كما سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي ، فلا تخالفوا حتى لا يصيبكم ما أصابهم .
{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح مِن كُلّ شَىْء } يحتاجون إليه من الحلال والحرام والمحاسن والقبائح على ما قال الرازي وغيره ، وما أخرجه الطبراني . والبيهقي في الدلائل عن محمد بن يزيد الثقفي قال : اصطحب قيس بن خرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ثم قال : ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله فقال قيل : ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به ؟ فقال كعب : ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله تعالى على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة ظاهر في أن كل شيء أعم مما ذكر ، ولعل ذكر ذلك من باب الرمز كما ندعيه في القرآن { مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } بدل من الجار والمجرور ، أي كتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام ، وإلى هذا ذهب غير واحد من المعربين ، وهو مشعر بأن { مِنْ } مزيدة لا تبعيضية ، وفي زيادتها في الإثبات كلام ، قيل : ولم تجعل إبتدائية حالاً من موعظة وموعظة مفعول به لأنه ليس له كبير معنى ، ولم تجعل موعظة مفعول له وإن استوفى شرائطه لأن الظاهر عطف تفصيلاً عن موعظة ، وظاهر أنه لا معنى لقولك كتبنا له من كل شيء لتفصيل كل شيء ، وأما جعله عطفاً على محل الجار والمجرور فبعيد من جهة اللفظ والمعنى .
والطيبي اختار هذا العطف وأن { مِنْ } تبعيضية وموعظة وحدها بدل ، والمعنى كتبنا بعض كل شيء في الألواح من نحو السور والآيات وغيرهما موعظة وكتبنا فيها تفصيل كل شيء يحتاجون إليه من الحلال والحرا ونحو ذلك ، وفي ذلك اختصاص الإجمال والتفصيل بالموعظة للإيذان بأن الاهتمام بهذا أشد والعناية بها أتم ، ولكونها كذلك كثر مدح النبي صلى الله عليه وسلم بالبشير النذير ، وإشعار بأن الموعظة مما يجب أن يرجع إليه في كل أمر يذكر به ، ألا يرى إلى أن أكثر الفواصل التنزيلية والردود على هذا النمط نحو { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } [ الأعراف : 65 ] { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } [ الأنعام : 80 ] وإلى سورة الرحمن كيف أعيد فيها ما أعيد وذلك ليستأنف السامع به ادكاراً واتعاظاً ويجدد تنبيهاً واستيقاظاً ، وأنت تعلم أن البعد الذي أشرنا إليه باق على حاله ، وقوله سبحانه : { لّكُلّ شَىْء } إما متعلق بما عنده أو بمحذوف كما قال السمين وقع صفة له ، واختلف في عدد الألواح وفي جوهرها ومقدارها وكاتبها فقيل كانت عشرة ألواح ، وقيل : سبعة ، وقيل : لو حين ، قال الزجاج : ويجوز أن يقال في اللغة للوحين ألواح وأنها كانت من زمرد أخضر ، أمر الرب تعالى جبريل عليه السلام فجاء بها من عدم ، وروى ذلك عن مجاهد ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريرج قال : أخبرت أن الألواح كانت من زبرجد ، وعن سعيد بن جبير قال : كانوا يقولون إنها كانت من ياقوتة وأنا أقول : إنها كانت من زمرد ، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
«الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان طول اللوح اثني عشر ذراعاً » وعن الحسن أنها كانت من خشب نزلت من السماء ، وأن طول كل عشرة أذرع ، وقيل : أمر الله تعالى موسى عليه السلام بقطعها من صخرة صماء لينها له فقطعها بيده وسقفها بأصابعه ولا يخفى أن أمثال هذا يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا فالسكوت أولى إذ ليس في الآية ما يدل عليه ، والمختار عندي أنها من خشب السدر إن صح السند إلى سلسلة الذهب ، والمشهور عن ابن جريج أن كاتبها جبريل عليه السلام كتبها بالقلم الذي كتب به الذكر ، والمروي عن علي كرم الله تعالى وجهه . ومجاهد . وعطاء . وعكرمة . وخلق كثير أن الله تعالى كتبها بيده وجاء أنها كتبت وموسى عليه السلام يسمع صريف الأقلام التي كتبت بها وهو المأثور عن الأمير كرم الله تعالى وجهه . وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : خلق الله تعالى آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده ، ثم قال لأشياء كوني فكانت ، وأخرج عبد بن حميد عن وردان بن خالد قال : خلق الله تعالى آدم بيده وخلق جبريل بيده وخلق القلم بيده وخلق عرشه بيده وكتب الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه غيره بيده وكتب التوراة بيده وهذا كله من قبيل المتشابه ، وفي بعض الآثار أنها كتبت قبل الميقات وأنزلت على ما قيل وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر موسى . ويوشع وعزير . وعيسى عليهم السلام . ومما كتب فيها كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم حتى إنه جاء أن موسى عليه السلام عجب من الخير الذي أعطاه الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته وتمنى أن يكون منهم .
وأخرج ابن مردويه . وأبو نعيم في الحلية وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كان فيما أعطى الله تعالى موسى في الأرواح يا موسى لا تشرك بي شيئاً فقد حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين النار ، وأشكر لي ولوالديك أقك المتألف وأنسئك في عمرك وأحيك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها ، ولا تقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق فتضيق عليه الأرض برحبها والسماء بأقطارها وتبوء بسخطي والنار ، ولا تخلف باسمي كاذباً ولا آثماً فإني لا أطهر ولا أزكى من لم ينزهني ويعظم أسمائي ، ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم من فضلي ولا تنفس عليه نعمتي ورزقي فإن الحاسد عدو نعمتى راد لقضائي ساخط لقسمتي التي أقسم بين عبادي ومن يكون كذلك فلست منه وليس مني ، ولا تشهد بما لم يع سمعك ويحفظ عقلك ويعقد قلبك فإني واقف أهل الشهادات على شهاداتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها سؤالاً حثيثاً ، ولا تزن ولا تسرق ، ولا تزن بحلية جارك فأحجب عنك وجهي وتغلق عنك أبواب السماء ، وأحب للناس ما تحب لنفسك ، ولا تذبحن لغيري فإني لا أقبل من القربان إلا ما ذكر عليه اسمي وكان خالصاً لوجهي ، وتفرغ لي يوم البست وفرغ لي نفسك وجميع أهل بيتك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى جعل السبت لموسى عليه السلام عيداً ، واختار لنا الجمعة فجعلها عيداً »
{ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } أي بجد وحزم قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والجملة على إضمار القول عطفاً على كتبنا وحذف القول كثير مطرد ، والداعي لهذا التقدير كما قال العلامة الثاني رعاية المناسبة لكتبنا له لأنه جاء على الغيبة ، ولو كان بدله كتبنا لك لم يحتج إلى تقدير ، وأما حديث عطف الإنشاء على الأخبار فلا ضير فيه لأنه يجوز إذا كان بالفاء .
وقيل : هو بدل من قوله سبحانه : { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } [ الأعراف : 144 ] وضعف بأن فيه الفصل بأجنبي وهو جملة كتبنا المعطوفة على جملة { قَالَ } [ الأعراف : 144 ] وهو تفكيك للنظم والضمير المنصوب للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء والعموم لا يكفي في عود ضمير الجماعة بدون تأويله بالجمع ، وجوز عوده للتوراة بقرينة السياق ، والقائل بالبدلية جعله عاداً إلى الرسالات ؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الفاعل أي ملتبساً بقوة ، وجوز أن يكون حالاً من المفعول أي ملتبسة بقوة براهينها ، والأول أوضح ، وأن يكون صفة مفعول مطلق أي أخذاً بقوة .
{ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي أحسنها فالباء زائدة كما في قوله :
سود المحاجر لا يقر أن بالسور *** ويحتمل أن تكون بالباء أصلية وهو الظاهر ، وحينئذ فهي إما متعلقة بيأخذوا بتضمينه معنى يعملوا أو هو من الأخذ بمعنى السيرة ، ومنه أخذ أخذهم أي سار سيرتهم وتخلق بخلائقهم كما نقول وإما متعلقة بمحذوف وقع حالاً ومفعول يأخذوا محذوف أي أنفسهم كما قيل ، والظاهر أنه مجزوم في جواب الأمر فيحتاج إلى تأويل لأنه لا يلزم من أمرهم أخذهم ، أي إن تأمرهم ويوفقهم الله تعالى يأخذوا ، وقيل : بتقدير لام الأمر فيه بناء على جواز ذلك بعد أمر من القول أو ما هو بمعناه كما هنا ، وإضافة أفعل التفضيل هنا عند غير واحد كإضافته في زيد أحسن الناس وهي على المشهور محضة على معنى اللام ، وقيل : إنها لفظية ويوهم صنيع بعضهم أنها على معنى في وليس به ؛ والمعنى بأحسن الأجزاء التي فيها ، ومعنى أحسنيتها اشتمالها على الأحسن كالصبر فإنه أحسن بالإضافة إلى الانتصار ، أي مرهم يأخذوا بذلك على طريق الندب والحث على الأفضل كقوله تعالى :
{ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم } [ الزمر : 55 ] أو المعنى بأحسن أحكامها والمراد به الواجبات فإنها أحسن من المندوبات والمباحات أو حي والمندوبات على ما قيل فإنها أحسن من المباحات .
وقيل : إن الأحسن بمعنى البالغ في الحسن مطلقاً لا بالإضافة وهو المأمور به ومقابله المنهي عنه ، وإلى هذا يشير كلام الزجاج حيث قال : أمروا بالخير ونهوا عن الشر وعرفوا ما لهم وما عليهم فقيل : { وَأْمُرْ قَوْمَكَ } الخ فافعل نظيره في قولهم : الصيف أحر من الشتاء فإنه بمعنى الصيف في حره أبلغ من الشتاء في برده إذ تفضيل حرارة الصيف على حرارة الشتاء غير مرادة بلا شبهة ويقال هنا : المأمور به أبلغ في الحسن من المنهي عنه في القبح .
وتفصيل ما في المقام على ما ذكره الدماميني في تعليقه على المصابيح ونقله عنه الشهاب أن لأفعل أربع حالات . إحداها : وهي الحالة الأصلية أن يدل على ثلاثة أمور : الأول : اتصاف من هو له بالحدث الذي اشتق منه وبهذا كان وصفاً ، الثاني : مشاركة مصحوبة في تلك الصفة ، الثالث : مزية موصوفة على مصحوبة فيها ، وبكل من هذين الأمرين فارق غيره من الصفات ، وثانيتها : أن يخلع عنه ما امتاز به من الصفات ويتجرد للمعنى الوصفي ، وثالثتها : أن تبقى عليه معانيه الثلاثة ولكن يخلع عنه قد المعنى الثاني ويخلفه قيد آخر ، وذلك أن المعنى الثاني وهو الاشتراك كان مقداً بتلك الصفة التي هي المعنى الأول فيصير مقيداً بالزيادة التي هي المعنى الثالث ، ألا ترى أن المعنى في قولهم العسل أحلى من الخل أن للعسل حلاوة وأن تلك الحلاوة ذات زيادة وأن زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخل ، وقد قال ذلك ابن هشام في حواشي التسهيل وهو بديع جداً ، ورابعتها : أن يخلع عنه المعنى الثاني وهو المشاركة وقيد المعنى الثالث وهو كون الزيادة على مصاحبه فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى زيادة مطلقة لا مقيدة وذلك في نحو يوسف أحسن إخوته انتهى . وعدم اشتراك المأمور به والمنهي عنه في الحسن المراد مما لا شبهة فيه وإن كان الحسن مطلقاً كما في «البحر » مشتركاً فإن المأمور به أحسن من حيث الامتثال وترتب الثواب عليه والمنهي عنه حسن باعتبار الملاذ والشهوة . وقال قطرب كما نقله عنه محيي السنة : المعنى يأخذوا بحسنها وكلها حسن ، وهو ظاهر في حمل أفعل على الحالة الثانية ، وقيل : المعنى يأخذوا بها وأحسن صلة وليس له من القبول عائد .
وقال الجبائي : المراد يأخذوا بالناسخ دون المنسوخ ، وقيل : الأخذ بالأحسن هو أن تحمل الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها للصواب ، ولا ينبغي أن يحمل الأخذ على الشروع كما في قولك أخذ زيد يتكلم أي شرع في الكلام ، والأحسن على العقائد فيكون المراد أمرهم ليشرعوا بالتحلي بالعقائد الحقة وهي لكونها أصول الدين وموقوفة عليها صحة الأعمال أحسن من غيرها من الفروع وهو متضمن لأمرهم بجميع ما فيها كما لا يخفى فإن أخذ بالمعنى المعنى من أفعال الشروع ليس هذا استعمالها المعهود في كلامهم على أن فيه بعد ما فيه ، ومثل هذا كون ضمير أحسنها عائداً إلى قوة على معنى مرهم يأخذوها بأحسن قوة وعزيمة فكون أمراً منه سبحانه أن يأمرهم بأخذها كما أمره به ربه سبحانه إلا أنه تعالى اكتفى في أمره عن ذكر الأحسن بما أشار إليه التنوين فإن ذلك خلاف المأثور المنساق إلى الفهم مع أنا لم نجد في كلامهم أحسن قوة ومفعول يأخذوا عليه محذوف كما في بعض الاحتمالات السابقة غير أنه فرق ظاهر بين ما هنا وما هناك .
{ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } توكيد لأمر القوم بالأخذ بالأحسن وبعث عليه على نهج الوعيد والترهيب بناءً على ما روي عن قتادة . وعطية العوفي من أن المراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه بمصر ورأى بصرية ، وجوز أن تكون علمية والمفعول الثالث محذوف أي سأريكم إياها خاوية على عروشها لتعتبروا وتجدوا ولا تهاونوا في امتثال الأمر ولا تعملوا أعمال أهلها ليحل بكم ما حل بهم ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، وحسن موقعه قصد المبالغة في الحث وفي وضع الإراءة موضع الاعتبار إقامة السبب مقام المسبب مبالغة أيضاً كقوله تعالى : { قُلْ سِيرُواْ فِى الارض فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين } [ النمل : 69 ] وفي وضع دار الفاسقين موضع أرض مصر الإشعار بالعلية والتنبيه على أن يحترزوا ولا يستنوا بسنتهم من الفسق ، والسين للاستقبال لأن ذلك قبل الرجوع إلى مصر كما في «الكشف » .
وقال الكلبي : المراد بدار الفاسقين منازل عاد وثمود والقرون الذين هلكوا ، وعن الحسن . وعطاء أن المراد بها جهنم ، وأياً ما كان فالكلام على النهج الأول أيضاً ، ويجوز أن يكون على نهج الوعد والترغيب بناءً على ما روي عن قتادة أيضاً من أن المراد بدار الفاسقين أرض الجبابرة والعمالقة بالشام فإنها مما أبيح لبني إسرائيل وكتب لهم حسبما ينطق به قوله عز وجل : { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } [ المائدة : 21 ] ومعنى الإراءة الإدخال بطريق الإيراث ، ويؤيده قراءة بعضهم { سأورثكم } ، وجوز على هذا أن يراد بالدار مصر ، وفي الكلام على هذه القراءة وإرادة أرض مصر من الدار تغليب لأن المعنى سأورثك وقومك أرض مصر ، ولا يصح ذلك عليها إذا أريد من الدار أرض الجبابرة بناءً على أن موسى عليه السلام لم يدخلها وإنما دخلها يوشع مع القوم بعد وفاته عليه السلام ، ويصح بناءً على القول بأن موسى عليه السلام دخلها ويوشع على مقدمته ، وجوز اعتبار التغليب على القراءة المشهورة أيضاً ، وقرأ الحسن { عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ } بضم الهمزة وواو ساكنة وراء خفيفة مكسورة وهي لغة فاشية في الحجاز ، والمعنى سأبين لكم ذلك وأنوره على أنه من أوريت الزند ، واختار ابن جني في تخريج هذه القراءة ولعله الأظهر أنها على الإشباع كقوله :
من حيثما سلكوا أدنو فأنظور ***
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَكَتَبْنَا لَهُ في الألواح } أي أظهرنا نقوش استعداده في ألواح تفاصيل وجوده من الروح والقلب العقل والفكر والخيال فظهر فيها { مِن كُلّ شيء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } أي بعزم لتكون من ذويه { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي أكثرها نفعاً وهي العزائم { سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } [ الأعراف : 145 ] أي عاقبة الذين لا يأخذون بذلك .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وكتبنا له في الألواح}... {من كل شيء}، فقال: {موعظة} من الجهل، {وتفصيلا}، يعني بيانا {لكل شيء} من الأمر والنهي والحد... {فخذها بقوة}، يعني التوراة بالجد والمواظبة عليه، {وأمر قومك} بني إسرائيل، {يأخذوا بأحسنها}، يعني بأحسن ما فيها، ثم قال قبل ذلك لبني إسرائيل: {سأوريكم دار الفاسقين}...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وكتبنا لموسى في ألواحه...
وقوله:"مِنْ كُلّ شَيْءٍ" يقول من التذكير والتنبيه على عظمة الله وعزّ سلطانه. "مَوْعِظَةً "لقومه ومن أمر بالعمل بما كتب في الألواح. "وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ" يقول: وتبيينا لكلّ شيء من أمر الله ونهيه...
"فَخُذْهَا بِقُوّةٍ" يقول تعالى ذكره: وقلنا لموسى إذ كتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظة وتفصيلاً لكلّ شيء: خذ الألواح بقوّة... واختلف أهل التأويل في معنى القوّة في هذا الموضع؛
فقال بعضهم: معناها: بجدّ... واجتهاد.
وقال آخرون: معنى ذلك: فخذها بالطاعة لله... وقد بيّنا معنى ذلك بشواهده واختلاف أهل التأويل فيه في سورة البقرة عند قوله: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوّةٍ فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
"وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها" يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى: وأمر قومك بني إسرائيل "يأخذوا بأحسنها" يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها... فإن قال قائل: وما معنى قوله: "وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها" أكان من خصالهم ترك بعض ما فيها من الحسن؟ قيل: لا، ولكن كان فيها أمر ونهي، فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله ويتركوا ما نهاهم عنه، فالعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمَنْهيّ عنه.
"سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ" يقول تعالى ذكره لموسى إذ كتب في الألواح من كلّ شيء: خذها بجدّ في العمل بما فيها واجتهاد، وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فيها، وانههم عن تضييعها وتضييع العمل بما فيها والشرك بي، فإن من أشرك بي منهم ومن غيرهم فإني سأريه في الآخرة عند مصيره إليّ دار الفاسقين، وهي نار الله التي أعدّها لأعدائه. وإنما قال: "سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ" كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غدا إلام يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك... عن الحسن، في قوله: "سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ" قال: جهنم.
وقال آخرون: معنى ذلك: سأدخلكم أرض الشأم، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة...عن قتادة: "دَارَ الفاسِقِينَ" قال: منازلهم.
وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون، وهي مصر... وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك، لأن الذي قبل قوله جلّ ثناؤه: "سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ" أمر من الله لموسى وقومه بالعمل بما في التوراة، فأولى الأمور بحكمة الله تعالى أن يختم ذلك بالوعيد على من ضيعه وفرّط في العمل لله وحاد عن سبيله، دون الخبر عما قد انقطع الخبر عنه أو عما لم يجر له ذكر.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقوله تعالى: {موعظة} قال: الموعظة هي التي تحمل القلوب على القبول والجوارح على العمل. قال بعضهم: الموعظة هي التي تنهى عما لا يحل. قال أبو بكر: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتدمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{وَأمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} لم يقل ذلك لأن فيها غير حسن، وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن أحسنها: المفروضات، وغير الأحسن: المباحات... {سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ} فيها أربعة أقاويل:...
والثاني: هي منازل من هلك بالتكذيب من عاد وثمود والقرون الخالية، لتعتبروا بها وبما صاروا إليه من النكال، قاله قتادة...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
قوله جلّ ذكره: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}.
فيه إشارة إلى أن الأَخْذَ يُشير إلى غاية القرْبِ، والمراد ها هنا صفاءُ الحال، لأن قربَ المكانِ لا يَصِحُّ على الله سبحانه. قوله: {بِأَحْسَنِهَا} بمعنى بِحُسْنِهَا، و يحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة يعني: بأحسنها ألا تعرِّج على تأويل وارجع إلى الأَوْلى.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْقَوْلُ فِي الْحَسَنِ وَالْأَحْسَنِ: قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْحَسَنَ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ، وَالْقَبِيحَ مَا خَالَفَهُ، وَفِي الشَّرْعِ حَسَنٌ وَأَحْسَنُ، فَقِيلَ: كُلُّ مَا كَانَ أَرْفَقَ فَهُوَ أَحْسَنُ. وَقِيلَ: كُلُّ مَا كَانَ أَحْوَطَ لِلْعِبَادَةِ فَهُوَ أَحْسَنُ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ أَحْسَنَ مَا فِيهَا امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ (قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ لَهُ: وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أُنْقِصُ مِنْهُ فَقَالَ: أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ)...
أما قوله: {من كل شيء} فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح.
وأما قوله: {موعظة وتفصيلا لكل شيء} فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله: {من كل شيء} وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين: أحدهما: {موعظة} والآخر {تفصيلا} لما يجب أن يعلم من الأحكام، فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية، وذلك بذكر الوعد والوعيد، ولما قرر ذلك أولا أتبعه بشرح أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام، فقال: {وتفصيلا لكل شيء} ولما شرح ذلك، قال لموسى: {فخذها بقوة} أي بعزيمة قوية ونية صادقة، ثم أمره الله تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقا، ليكون في هذا التفصيل فائدة، ولذلك قال بعض المفسرين: إن التكليف كان على موسى عليه السلام أشد، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره، وقال بعضهم: بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء. وإن كان مشاركا لقومه فيما عداه، وفي قوله: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها}.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{وكتبنا} أي بعظمتنا {له في الألواح} عرفها لعظمتها تنبيهاً على أنها لجلالة ما اختصت به كأنها المختصة بهذا الاسم، وأعظم من هذا جعل قلب النبي الأمي لوحاً قابلاً لما يلقى إليه جامعاً لعلوم الأولين والآخرين {من كل شيء} أي يحتاجه بنو إسرائيل... ففيها أصول الدين وأصول الأحكام والتذكير بالنعم والأمر بالزهد والورع ولزوم محاسن الأعمال والبعد عن مساويها، ولذا قال مبدلاً: {موعظة وتفصيلاً} أي على وجازتها بما كانت سبباً {لكل شيء} أي لأنها -مع كونها أمهات وجوامع- مفصلة ترجع إليها بحور العلم وتنشق منها ينابيعها. ولما كان هذا هكذا، تسبب عنه حتماً قوله تعالى التفاتاً إلى خطاب موسى عليه السلام بخطاب التأنيس إشارة إلى أن التزام التكاليف صعب: {فخذها} أي الألواح {بقوة} أي بجد وعزيمة في العلم والعمل {وأمر قومك} أي الأقوياء على محاولة ما يراد {يأخذوا بأحسنها} كأنه سبحانه أطلق لموسى عليه السلام الأخذ بكل ما فيها لما عنده من الملكة الحاجزة له عن شيء من المجاوزة، ولذلك قال له {بقوة} وقيدهم بالأحسن ليكون الحسن جداً مانعاً لهم من الوصول إلى القبيح، وذلك كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر. ولما كان كأنه قيل: وهل يترك الأحسن أحد؟ فقيل: نعم، الفاسق يتركه، بل ويتجاوز الحسن إلى القبيح، بل وإلى أقبح القبيح، ومن تركه أهلكته وإن جل آله وعظمت جنوده وأمواله، قال كالتعليل لذلك: {سأوريكم دار الفاسقين} أي الذين يخرجون عن أوامري إلى ما أنهاهم عنه... وإنما ذكر الدار لئلا تغرهم منعتها إذا استقروا بها فيظنوا أن لا غالب لهم فيها بوعورة أرضها وشهوق جبالها وإحكام أسوارها، وإذا تأملت ما سيأتي في شرح هذه الآيات من التوراة لاح لك هذا المعنى.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظة وتفصيلا لكلّ شيء} أي إننا أعطيناه ألواحا كتبنا له فيها من كل نوع من أنواع الهداية موعظة من شأنها أن تؤثر في القلوب ترغيبا وترهيبا- وتفصيلا لكل نوع من أصول التشريع وهي أصول العقائد والآداب وأحكام الحلال والحرام، وتفصيلها ذكرها معدودة مفصولا بعضها من بعض. وإسناد الكتابة إليه تعالى إما على معنى أن ذلك كان بقدرته تعالى وصنعه لا كسب لأحد فيه، وإما على معنى أنها كتبت بأمره ووحيه سواء كان الكاتب لها موسى أو الملك (عليهما السلام).قيل إن (أحسن) هنا بمعنى ذي الحسن التام الكامل وليس فيه معنى تفضيل شيء على آخر...
والعبرة التي يجب أن يتذكرها ويتدبرها كل قارئ لهذه الآية من وجوه
أحدها: أن الكتاب الإلهي يجب أخذه بقوة إرادة وجد عزيمة لتنفيذ ما هدى إليه من الإصلاح وتكوين الأمة تكوينا جديدا صالحا، ويتأكد ذلك في الرسول المبلغ له والداعي إليه والمنفذ له بقوله وعلمه، ليكون لقومه فيه أسوة حسنة. وتلك سنة الله تعالى في سائر الانقلابات والتجديدات الاجتماعية والسياسية وإن لم تكن بهداية الدين، والدين أحوج إلى القوة والعزيمة لأنه إصلاح للظاهر والباطن جميعا، وقد أمر الله تعالى بني إسرائيل بما أمر به رسولهم صلى الله عليه وسلم من أخذ الكتاب أو ميثاق الكتاب بقوة أمرا مقرونا بتهديدهم وتخويفهم من وقوع جبل الطور بهم، كما تقدم في سورة البقرة وسيأتي مثله في هذه السورة (الأعراف).
وقد أخذ سلفنا القرآن بقوة فسادوا به جميع الأمم التي كان لها من القوى العددية والحربية والنظامية والمالية والصناعية ما ليس لهم، وإنما سادوا بالعمل بهدايته كما أراد الله تعالى- لا بالتغني بقراءته في المحافل، ولا بالتبرك المحض بالمصاحف، كما يفعل مقلدة الخلف الصالح، إن من يأخذ القرآن بقوة يكون القرآن حجة له فيسعد به في الدنيا والآخرة، ومن لا يأخذه بقوة يكون حجة عليه فيشقى بالإعراض عنه وهجر هدايته في الدنيا والآخرة {يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضلّ به إلّا الفاسقين * الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} [البقرة: 26، 27].
ثانيها: أن سبب تخويف بني إسرائيل عند تبليغهم الميثاق الإلهي بوقوع الجبل بهم وأمرهم في تلك الحال أن يأخذوه بقوة هي أن أحكام التوراة التي أخذ عليهم الميثاق بأخذها بقوة شاقة حرجة، وحكمة ما فيها من الشدة والحرج أن القوم كانوا مستضعفين مستذلين باستعباد المصريين لهم منذ أجيال كثيرة وكان القوم أو الأقوام الذين وعدوا بأن يغلبوهم على بلادهم جبارين أولي قوة وأولي بأس شديد، وكان من سنة الله تعالى في البشر أن تتربى أفرادهم وشعوبهم بالشدة والارتياض بالصبر، والجهاد بالمال والنفس، ولهذا أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسير ببني إسرائيل في طريق التيه وهو الجنوبي من برية سيناء دون الطريق الشمالي القريب من مدن فلسطين إذ لم يكن لهم طاقة بقتال جباري الكنعانيين وقتئذ، فكتب الله تعالى عليهم التيه أربعين سنة هلك في أثنائها الذين استذلهم المصريون ونشأ من صغارهم ومواليدهم جيل جديد تربى في حجر الشرع الجديد، والتيه الشديد، كما بيناه في تفسير سورة المائدة (ج6 تفسير).
ثالثها: أن الإسرائيليين قد عظم ملكهم بإقامة شريعتهم بقوة حتى إذا غلب الغرور على العمل وظنوا أن الله تعالى ينصرهم ويؤيدهم لنسبهم ولقبهم وهو "شعب الله "فسقوا وظلموا، فأنزل الله بهم بالبلاء، وسلط عليهم البابليين الأقوياء، فنالوا عرشهم وتبروا ملكهم، ثم تابوا إلى رشدهم، فرحمهم الله وأعاد لهم بعض ملكهم وعزهم، ثم ظلموا وأفسدوا فسلط عليهم النصارى فمزقوهم كل ممزق، فظلوا عدة قرون متكلين على المسيح الموعود ليعيد لهم ملكهم بخوارق العادات، ثم ربتهم الشدائد ونورهم العلم العصري فطفقوا يستعدون لاستعادة هذا الملك بكل ما في الإمكان من الأسباب وفي مقدمتها المال والنظام والكيد والدهاء مع المحافظة على التقاليد الدينية في ذلك...
رابعها: أن المسلمين الذين اتبعوا سننهم وسنن النصارى شبرا بشبر وذراعا بذراع في الضر دون النفع، كما فصلناه في غير هذا الموضع، قد اغتروا بدينهم كما اغتروا، واتكلوا على لقب "الإسلام"، ولقب" أمة خاتم الرسل "عليه الصلاة والسلام، ولكنهم لما يثوبوا إلى رشدهم، لأن الذين سلبوا ملكهم وعزهم لم يسوسوهم بشدة مربية كافية، بل اجتهدوا في إفساد عقائدهم وأخلاقهم، وإيقاع الشقاق والتفريق فيما بينهم، بل أفسدوا كذلك من لم يستولوا على ملكهم منهم، بتوليهم التربية والتعليم لكثيرين منهم، كانوا عونا لهم على ما يريدون من ثل عروشهم والسيادة عليهم بالتدريج...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها)..
والأمر الإلهي الجليل لموسى -عليه السلام- أن يأخذ الألواح بقوة وعزم وأن يأمر قومة أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم.. هذا الأمر على هذا النحو فضلاً على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية، التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه -كذلك- يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها..
إن العقيدة أمر هائل عند الله -سبحانه- وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ "الإنسان "وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك.. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله -سبحانه- وعبودية البشر لربوبيته وحده، منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها، ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه، ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة..
وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ "الإنسان".. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه. ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، و لا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلاً على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر..
وليس معنى هذا -بطبيعة الحال- هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! فهذا ليس من طبيعة دين الله.. ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة.. وهي صفات أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض!
ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل -بصفة خاصة- بعدما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر، تحتاج إلى هذا التوجيه. لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية، على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة..
ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل، والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت، فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنباً للمشقة.. كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع؛ لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئاً!
وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد الله موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض، ويورثهم دار الفاسقين عن دينه:
والأقرب أنها إشارة إلى الأرض المقدسة التي كانت -في ذلك الزمان- في قبضة الوثنيين، وأنها بشارة لهم بدخولها.. وإن كان بنو إسرائيل لم يدخلوها في عهد موسى -عليه السلام- لأن تربيتهم لم تكن قد استكملت، وطبيعتهم تلك لم تكن قد قوّمت، فوقفوا أمام الأرض المقدسة يقولون لنبيهم: (يا موسى إن فيها قوماً جبارين. وإنا لن ندخلها ً حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون!).. ثم لما ألح عليهم الرجلان المؤمنان فيهم اللذان يخافان الله، في الدخول والاقتحام! أجابوا موسى بتوقح الجبان -كالدابة التي ترفس سائقها! -: إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون!.. مما يصور تلك الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة التي جاء بها موسى عليه السلام، وأمر هذا الأمر الألهي الجليل أن يأخذها بقوة، وأن يأمر قومه بحمل تكاليفها الشاقة..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
..والقوة هنا في قوله: {فخذها بقوة} تمثيل لحالة العزم على العمل بما في الألواح، وهذا الأخذ هو حَظ الرسول وأصحابه المبلغين للشريعة والمنفذين لها، فالله المشرّع، والرسولُ المنفذ، وأصحابه ووُلاةَ الأمور هم أعوان على التنفيذ، وإنما اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من خصائصه من يقوم مقامه في حضرته وعند مغيبه، وهُو وُهمْ فيما سوى ذلك كسائر الأمة. {وأْمرْ قومك يأخذوا باحسنها} على أنها تحذير من التفريط في شيء مما كُتب له في الألواح. والمعنى سأبين لكم عقاب الذين لا يأخذون بها...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
... وإن الذي نراه في هذا أن {كتبنا} معناه فرضنا وشرعنا شرعا ثابتا مقررا ومفروضا في الألواح، وقد تكون قد ألقيت عليه مكتوبة في الألواح.
وقوله: {من كل شيء} (من) فيها بيانية، أي كتبنا له كل شيء في أمر الشرع من حيث العقيدة، ومن الشرائع المختلفة. وتكون موعظة، وتفصيلا لكل شيء فيها بيان لنوع ما في هذا الذي كتب وفرض، ففيه العظة والاعتبار بما فيها من أصل التكوين، والإخبار عن الأنبياء الذين سبقوه، وفيه تفصيل أحكام الشرائع تفصيلا مبينا موضحا، لا يخفى على الذين يدركون، ويطلبون الحق.
وقوله تعالى: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} أي يختاروا أحسنها، وكل حسن، وأحسن، أي اطلبوا الأحسن فيها، فإذا كان واجبا فيه تخيير، فاختاروا الأحسن، فإذا خيرتم بين العقاب والعفو فاختاروا العفو، أو نقول: إن الأحسن وصف للتكليفات كلها، إذ كلها بلغ الأفضل في ذاته، وأفعل التفضيل ليس على بابه بل المراد الأخذ بها كلها، لأن كلها أحسنها، كقوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم} (الزمر 55))، وقوله: {يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (الزمر 18))، أي يتبعون الحسن وهو القرآن أحسن القول.
وقوله تعالى: {فخذها بقوة}، أي خذها بعزم صادق على تنفيذ أحكامها، من غير هوادة، والمراد بالأخذ بقوة لازمها، وهو العمل بقوة وصدق، والأمر لموسى هو أمر لأمته، وصرح بأمر حسن بلغ أعلى درجات الحسن، كما ذكر فقال: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} وأشار – سبحانه وتعالى – إلى أنه سيكون من يفسق عنها من قومه، وذلك ببيان أنه سيرى موسى وخاصته الفاسقين ومكانهم، فقال تعالى: {سأريكم دار الفاسقين} أي: الفاسقين من بني إسرائيل، ومؤدى القول: ستعلم منازلهم وفسقهم ودرجاته.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
{فخذها بقوة} هو من نوع الأوامر الإلهية العامة، الموجهة لجميع المؤمنين، إلى يوم الدين، و "الأخذ بالقوة "معناه امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه بعزم وحزم وحماس وحمية، أي بدون تردد ولا تهاون، وبكل اندفاع واعتزاز، شأن أهل الإيمان الصحيح، والعقيدة الصادقة. {سأوريكم دار الفاسقين} إلى قوله تعالى: {وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} تهديد ووعيد لكل من تحدى أوامر الله من العباد، أو وقف في وجهها وتصدى لها بالمعارضة والعناد.