تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ} (89)

ثم بالغَ في قطع طمعهم من العود إلى ملّتهم كما يطلبون ، فقال : إننا نكون كاذبين مفترين على الله إنْ عُدنا إلى ملتكم بعد أن هدانا الله .

ولا ينبغي لنا أن نفعل ذلك بمحض اختيارنا ورغبتنا ، إلا أن يشاء الله وهيهات ذلك ! لأنه ربُّنا ، عليم بمصلحتنا وخيرنا ، ولن يشاء رجوعنا إلى باطلكم . لقد وَسِع كل شيء عِلما ، ومن عِلمه أنَّهُ يهدينا إلى ما يحفظ علينا إيماننا . لقد سلّمنا أمرنا إليه ، وتوكّلنا عليه ، وهو الذي سيحكم بيننا وبين قومنا وهو خير الحاكمين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ} (89)

{ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا } عظيماً لا يقادر قدره .

/ { إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } التي هي الشرك وزعمنا كما زعمتم أن لله سبحانه نداً تعالى عن ذلك علواً كبير .

{ بَعْدَ إِذْ * نَجَّينَا * الله مِنْهَا } وعلمنا بطلانها وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي إن عدنا في ملتكم فقد افترينا ، واستشكل ذلك بأن الظاهر فيما إذا كان الجواب مثل ما ذكر أن يتعلق ظهوره والعلم به بالشرط نحو { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } [ يوسف : 77 ] و { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ * الله } [ التوبة : 40 ] وإن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس ، والمقصود هنا تقييد نفس الافتراء بالعود ، ولفظ قد وصيغة الماضي يمنعانه ، والجواب ما أشار إليه الزمخشري من أنه من باب الإخراج لا على مقتضى الظاهر وإيثار قد والماضي الدالين على التأكيد إما لأنه جواب قسم مقدر أو لأنه تعجيب على معنى ما أكذبنا أن عدنا الخ . ووجه التعجيب أن المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر لأن الكافر مفتر على الله تعالى الكذب حيث يزعم أن لله سبحانه نداً ولا ندله والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل والحمل على التعجب على ما في «الكشف » أولى لأن حذف اللام ضعيف ، وجوز أبو حيان تبعاً لابن عطية أن يكون الفعل المذكور قسماً كما يقال برئت من الله تعالى إن فعلت كذا وكقول مالك بن الأشتر النخعي :

أبقيت وفري وانحرفت عن العلا *** ولقيت أضيافي بوجه عبوس

إن لم أشن على ابن هند غارة *** لم تخل يوماً من ذهاب نفوس

وهذا نوع من أنواع البديع وقد ذكره غير واحد من أصحاب البديعيات ، ومثله عز الدين الموصلي بقوله :

برئت من سلفي والشم من هممي *** إن لم أدن بتقى مبرورة القسم

والباعونية بقولها :

لامكنتني المعالي من سيادتها *** إن لم أكن لهم من جملة الخدم

{ وَمَا يَكُونُ لَنَا } أي ما يصح لنا وما يقع فكيون تامة ، وقد يأتي ذلك بمعنى ما ينبغي وما يليق .

{ أَن نَّعُودَ فِيهَا } في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات { إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا } أي إلا حال أو وقت مشيئة الله لعودنا ، والتعرض لعنوان الربوبية للتصريح بأنه المالك الذي لا يسأل عما يفعل .

{ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } فهو سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة ومشيئته على موجب الحكمة فكل ما يقع مشتمل عليها ، وهذا إشارة إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرين ، وفيه من الانقطاع إلى الله تعالى ما لا يخفى ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } فإن التوكل عليه سبحانه إظهار العجز والاعتماد عليه جل شأنه ، وأظهار الاسم الجليل للمبالغة ، وتقديم المعمول لإفادة الحصر .

وفي الآية دلالة على أن لله تعالى أن يشاء الكفر .

وادعى شيخ الإسلام أن المراد استحالة وقوع ذلك كأنه قيل : وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله تعالى العود وهيهات ذلك ، ولا يكاد يكون كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية ، وقولهم : { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله } فإن تنجيته تعالى إياهم منها من دلائل عدم مشيئته سبحانه لعودهم فيها ، وفرع على قوله تعالى : { واسع } الخ بعد أن فسره بما فسره محالية مشيئته العود لكن لطفاً وهو وجه في الآية ، ولعل ما ذهبت إليه فيها أولى ، ولا يرد على تقدير العود مفعولاً للمشيئة أنه ليس لذلك سعة العلم بعد حينئذ كبير معنى ، بل كان المناسب ذكر شمول الإرادة وأن الحوادث كلها بمشيئة الله تعالى لما لا يخفى ، ولا يحتاج إلى القول بأن ذلك منه عليه السلام رد لدعوى الحصر باحتمال قسم ثالث ، والزمخشري بني تفسيره على عقيدته الفاسدة من وجوب رعاية الصلاح والأصلح وأن الله تعالى لا يمكن أن يشار الكفر بوجه لخروجه عن الحكمة ، واستدل بقوله سبحانه : { واسع } الخ ، ورده ابن المنير بأن موقع ماذكر الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة والاطلاع على الأمور الغائبة . ونظير ذلك قوله إبراهيم عليه السلام : { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً } [ الأنعام : 80 ] فإنه عليه السلام لما رد الأمر إلى المشيئة وهي مغيبة مجد الله تعالى بالانفراد بعلم الغائبات انتهى ، وإلى كون المراد من الاستثناء التأبيد ذهب جعفر بن الحرث والزجاج أيضاً وجعلوا ذلك كقول الشاعر :

إذا شاب الغراب أتيت أهلي *** وصار القار كاللبن الحليب

وأنت خبير بأن ذلك مخالف للنصوص النقلية والعقلية وللعبارة والإشارة ، وقال الجبائي . والقاضي : المراد بالملة الشريعة وفيها ما لا يرجع إلى الاعتقاد ، ويجوز أن يتعبد الله تعالى عباده به ومفعول المشيئة العود إلى ذلك أي ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله تعالى عودنا بأن يتعبدنا بها وينقلنا إليها وينسخ ما نحن فيه من الشريعة ، وقيل : المراد إلا أن يشاء الله تعالى أن يمكنكم من إكراهنا ويخلي بينكم وبينه فنعود إلى أظهار ملتكم مكرهين ، وقوى بسبق { أَوْ لَوْ كُنَّا كارهين } [ الأعراف : 88 ] .

وقيل : إن الهاء في قوله سبحانه { فِيهَا } يعود إلى القرية لا الملة فيكون المعنى أنا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم والظفر بكم فنعود فيها ؛ وقيل : إن التقدير إلا أن يشاء الله أن يردكم إلى الحق فنكون جميعاً على ملة واحدة ، ولا يخفى أن كل ذلك مما يضحك الثكلى ، وبالجملة الآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة وسبحانه من سد باب الرشد عن المعتزلة .

{ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } إعراض عن مفاوضتهم أثر ما ظهر من عتوهم وعنادهم وإقبال على الله تعالى بالدعاء والفتح بمعنى الحكم والقضاء لغة لحمير أو لمراد . والفتاح عندهم القاضي والفتاحة بالضم الحكومة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال : الفتح القضاء لغة يمانية . وأخرج البيهقي وجماعة عن ابن عباس قال : ما كنت أدري ما قوله { رَبَّنَا افتح } حتى سمعت ابنة ذي يزن وقد جرى بيني وبينها كلام فقالت أفاتحك تريد أقاضيك و { بَيْنِنَا } منصوب على الظرفية والتقييد بالحق لإظهار النصفة ، وجوز أن يكون مجازاً عن البيان والإظهار وإليه ذهب الزجاج ، ومنه فتح المشكل لبيانه وحله تشبيهاً له بفتح الباب وإزالة الإغلاق حتى يوصل إلى ما خلفها وبيننا على ما قيل مفعولب به بتقدير ما بيننا { وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين } أي الحاكمين لخلو حكمك عن الجور والحيف أو المظهرين لمزيد علمك وسعة قدرتك والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ} (89)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال لهم شعيب: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم} الشرك، يعني إن دخلنا في دينكم، {بعد إذ نجانا الله منها}، يقول: بعد إذ لم يجعلنا الله من أهل ملتكم الشرك. {وما يكون لنا أن نعود فيها}، وما ينبغي لنا أن ندخل في ملتكم الشرك، {إلا أن يشاء الله ربنا}، فيدخلنا في ملتكم، {وسع}، يعني ملأ {ربنا كل شيء علما} فعَلِمه. {على الله توكلنا}، لقولهم لشعيب: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، ثم قال شعيب: {ربنا افتح}، يعني: اقض {بيننا وبين قومنا بالحق}، يعني بالعدل في نزول العذاب بهم، {وأنت خير الفاتحين}، يعني القاضين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قال شعيب لقومه، إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم والدخول فيها، وتوعدوه بطرده ومن اتبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم:" قَدِ افْتَرَيْنا على اللّهِ كَذِبا "يقول: قد اختلقنا على الله كذبا، وتخرّصنا عليه من القول باطلاً إن نحن عدنا في ملتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصّرنا خطأها وصواب الهدى الذي نحن عليه، وما يكون لنا أن نرجع فيها فندينَ بها ونترك الحقّ الذي نحن عليه.

" إلا أنْ يَشاءَ اللّهُ رَبّنا": إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنا نعود فيها، فيمضيَ فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا.

"وَسِعَ رَبّنا كُلّ شَيْءٍ عِلْما" يقول: فإن علْمَ ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن فإن يكن سبق لنا في علمه أنا نعود في ملتكم ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملتكم...

" على اللّهِ تَوَكّلْنا" يقول: على الله نعتمد في أمورنا وإليه نستند فيما تَعِدوننا به من شرككم أيها القوم، فإنه الكافي من توكل عليه.

ثم فزع صلوات الله عليه إلى ربه بالدعاء على قومه، إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة والإقرار له بالرسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فَسَقِتهم العطب والهلكة بتعجيل النقمة، فقال: "رَبّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبينَ قَوْمِنا بالحَقّ" يقول: احكم بيننا وبينهم بحكمك الحقّ الذي لا جور فيه ولا حيف ولا ظلم، ولكنه عدل وحقّ. "وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ" يعني: خير الحاكمين.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وما يكون لنا أن نعود فيها} أي ما يجوز لنا أن نعود فيها.

وقول شعيب: {قد افترينا على الله كذبا} تعريض بتسفيه منه إياهم أنكم قد افتريتم على الله كذبا] لا تصريح حين لم يقل: قد افتريتم أنتم على الله كذبا. ولكن قال: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملّتكم} وذلك منه تلطّف بهم وترفّق.

وقوله تعالى: {إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما}:... فإنه على حقيقة المشيئة؛ وذلك أن من علم منه أنه يكفر، ويؤثر ذلك على فعل الإيمان والطاعة يشاء ذلك له على ما علم أنه يختار، ومن علم منه أنه لا يختار ذلك لا يشاء؛ إذ لا يجوز أن يعلم منه غير الذي يكون، أو أن يشاء غير الذي يكون، أو أن يشاء غير الذي علم أنه منه لأنه جهل، وعجز. وأصله أن شعيبا خاف، إن سبق منه زلّة أو تقصير منه، الاختيار لذلك، فيشاء الله بذلك الزّيغ والضلال. وكذلك جميع الأنبياء خافوا ذلك كقول إبراهيم عليه السلام حين قال: {ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} [الأنعام: 80] وقول يوسف حين قال: {إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء} [يوسف: 76] كان خوف الأنبياء عليهم السلام أكثر من خوف غيرهم. وقوله تعالى: {وسع ربنا كل شيء علما} معناه، والله أعلم: أنه لا نعلم إلى ماذا تصير عاقبة أمرنا.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

نطقوا عن صحة عزائمهم حيث قالوا: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم}، ثم أقروا بالشكر حيث قالوا: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا}، ثم تبرأوا عن حولهم وقوتهم حيث قالوا: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا} يعني إِنْ يُلْبِسنا لِباسَ الخذلان نُرَدُّ إلى الصغر والهوان. ثم اشتاقوا إلى جميل التوكل فقالوا: {عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا} أي به وَثِقْنَا، ومنه الخيرَ أَمَّلْنا. ثم فوضوا أمورهم إلى الله فقالوا: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ} فتداركهم الحقُّ -سبحانه- عند ذلك بجميل العصْمة وحسن الكفاية...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... فإن قلت: فما معنى قوله {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله} والله تعالى متعال أن يشاء ردّة المؤمنين وعودهم في الكفر؟ قلت: معناه إلاّ أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثاً. والعبث قبيح لا يفعله الحكيم، والدليل عليه قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا} أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل، وقلوبهم كيف تتقلب؛ وكيف تقسو بعد الرقة، وتمرض بعد الصحة، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان. {عَلَى الله تَوَكَّلْنَا} في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان. ويجوز أن يكون قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاء الله} حسماً لطمعهم في العود؛ لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة. {أَوَلوْ كُنَّا كارهين} الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال، تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين. وما يكون لنا، وما ينبغي لنا. وما يصحّ لنا {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا} احكم بيننا. والفتاحة؛ الحكومة، أو أظهر أمرنا حتى يتفتح ما بيننا {وَبَيْنَ قَوْمِنَا} وينكشف بأن تنزل عليهم عذاباً يتبين معه أنهم على الباطل {وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين} كقوله: {وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين} [يونس: 159].

فإن قلت: كيف أسلوب قوله: {قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ}؟ قلت: هو إخبار مقيد بالشرط، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام. لأنّ المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر، لأنّ الكافر مفتر على الله الكذب. حيث يزعم أن لله نداً ولا ندّ له. والمرتدّ مثله في ذلك وزائد عليه، حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل. والثاني: أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام، بمعنى: والله لقد افترينا على الله كذباً.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

... والخلاصة أنه عليه السلام بدأ جوابه للملأ من قومه بالتعجب من تهديدهم وإنذارهم، وإقامة الأدلة الدينية والعقلية على امتناع عودهم إلى ملة الكفر باختيارهم. وعدم استطاعة أحد على إجبارهم عليه غير الله تعالى الفعال لما يريد، والاستدلال على أن هذا مما لا يريده – وثنى ببيان توكلهم على الله تعالى الذي يكفي من توكل عليه ما أهمه وهو فوق كسبه واختياره، فتجتمع له العناية الكسبية والوهبية – ثم ثلث بالدعاء الذي لا يكون شرعيا مرجوّ الإجابة إلا بعد القيام بما في الطاقة من العمل الكسبي، والتوكل القلبي، فقال:

{ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين} المعنى لمادة (الفتح) كما حققه الراغب إزالة الإغلاق والإشكال، وهو ضربان أحدهما: ما يدرك بالبصر كفتح العين والقفل والغلق والمتاع من صندوق وغرارة وخرج وعلبة، والثاني: هو ما يدرك بالبصيرة كفتح أبواب الرزق، والمغلق من مسائل العلم، والمبهم من قضايا الحكم، والنصر في وقائع الحرب، وفي آيات القرآن استعمالات من الضربين كليهما، ولك أن تقسمه إلى حسي ومعنوي – ومن الأول الفتح الذي يكون بالكلام كحكم القاضي، وفتح المأموم على الإمام في الصلاة وهو أن يقرأ الآية التي أخطأ فيها أو وقف عن القراءة ناسيا لما بقي منها – وإلى حقيقي ومجازي، ومن مجاز الأساس: فتح على فلان إذا جُد وأقبلت عليه الدنيا، وفتح الله عليه- نصره. وفتح الحاكم بينهم..

وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله تعالى: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا} [الأعراف: 89] حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعالى أفاتحك. وقالت أعرابية لزوجها بيني وبينك الفتاح اه. وأثر ابن عباس أخرجه قدماء التفسير المأثور وابن الأنباري في الوقف والابتداء والبيهقي في الأسماء والصفات وفسر المفاتحة فيه بالمقاضاة...

...

والمناسب أن كل فتح بين فريقين فهو بمعنى الحكم والفصل بينهما إما بالقول والفعل أو بأحدهما، ومنه النصر، ومن الآيات فيه: {قل يجمع بيننا ربّنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم} [سبأ: 26] ومنها حكاية عن نوح عليه السلام: {فافتح بيني وبينهم فتحا ونجّني ومن معي من المؤمنين} [الشعراء: 118] وهذا عين مراد شعيب عليه السلام في دعائه الملاقي لإنذاره قبله بقوله: {حتى يحكم الله} الخ.

والمعنى: ربنا احكم وافصل بيننا وبين قومنا بالحق الذي مضت به سنتك في التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين سائر المحقين المصلحين، والمبطلين المفسدين في الأرض، وأنت خير الحاكمين، لإحاطة علمك بما يقع به التخاصم وتنزهك عن الظلم، واتباع الهوى في الحكم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن الذي يعود إلى ملة الطاغوت و الجاهلية، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة والطاعة للّه وحده، والتي يتخذ الناس فيها أرباباً من دون اللّه يقرون لهم بسلطان اللّه.. إن الذي يعود إلى هذه الملة -بعد إذ قسم اللّه له الخير وكشف له الطريق، وهداه إلى الحق، وأنقذه من العبودية للعبيد- إنما يؤدي شهادة كاذبة على اللّه ودينه. شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة اللّه خيراً فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت! أو مؤداها -على الأقل- أن لملة الطاغوت حقاً في الوجود، وشرعية في السلطان؛ وأن وجودها لا يتنافى مع الإيمان باللّه. فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن باللّه.. وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من لم يعرف الهدى، ولم يرفع راية الإسلام. شهادة الاعتراف براية الطغيان. ولا طغيان وراء اغتصاب سلطان اللّه في الحياة! وكذلك يستنكر شعيب -عليه السلام- ما يتهدده به الطغاة من إعادته هو والذين آمنوا معه إلى الملة التي أنجاهم اللّه منها: (وما يكون لنا أن نعود فيها)...

. وما من شأننا أصلاً؛ وما ينبغي لنا قطعاً أن نعود فيها.. يقولها وأمامه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة، التي تعلن خروجها عن سلطانه، ودينونتها للّه وحده بلا شريك معه أو من دونه...

قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها، وما يكون لنا أن نعود فيها) ولكن شعيباً بقدر ما يرفع رأسه، وبقدر ما يرفع صوته، في مواجهة طواغيت البشر من الملأ الذين استكبروا من قومه.. بقدر ما يخفض هامته، ويسلم وجهه في مواجهة ربه الجليل، الذي وسع كل شيء علماً. فهو في مواجهة ربه، لا يتألى عليه ولا يجزم بشيء أمام قدره، ويدع له قياده وزمامه، ويعلن خضوعه واستسلامه: (إلا أن يشاء اللّه ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً).. إنه يفوض الأمر للّه ربه، في مستقبل ما يكون من أمره وأمر المؤمنين معه.. إنه يملك رفض ما يفرضه عليه الطواغيت، من العودة في ملتهم؛ ويعلن تصميمه والمؤمنين معه على عدم العودة؛ ويعلن الاستنكار المطلق للمبدأ ذاته.. ولكنه لا يجزم بشيء عن مشيئة اللّه به وبهم.. فالأمر موكول إلى هذه المشيئة، وهو والذين آمنوا معه لا يعلمون، وربهم وسع كل شيء علماً. فإلى علمه ومشيئته تفويضهم واستسلامهم. إنه أدب ولي اللّه مع اللّه. الأدب الذي يلتزم به أمره، ثم لا يتألى بعد ذلك على مشيئته وقدره. ولا يتأبى على شيء يريده به ويقدره عليه. وهنا يدع شعيب طواغيت قومه وتهديدهم ووعيدهم، ويتجه إلى وليه بالتوكل الواثق، يدعوه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق: (على اللّه توكلنا. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. وأنت خير الفاتحين).. وهنا نشهد ذلك المشهد الباهر: مشهد تجلي حقيقة "الألوهية "في نفس ولي اللّه ونبيه.. إنه يعرف مصدر القوة، وملجأ الأمان. ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان. ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه، والتي ليس منها مفر. إلا بفتح من ربه ونصر...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وقوله: {إلاّ أن يشاء الله ربّنا} تأدب مع الله وتفويضُ أمره وأمرِ المؤمنين إليه، أي: إلاّ أن يقدّر الله لنا العود في ملّتكم فإنّه لا يسأل عمّا يفعل، فأمَا عود المؤمنين إلى الكفرِ فممكن في العقل حصوله وليس في الشرعِ استحَالته، والارتداد وقع في طوائف من أمم. وأمّا ارتداد شعيب بعد النبوءَةِ فهو مستحيل شرعاً لعصمة الله للأنبياء، فلو شاء الله سلب العصمة عن أحد منهم لمَا ترتّب عليه محال عقلاً، ولكنه غير ممكن شرعاً، وقد علمتَ آنفاً عصمة الأنبياء من الشرك قبل النبوءة فعصمتهم منه بعد النبوءة بالأولى.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ويؤكد لهم شعيب أن مطلبهم العود لن يكون أبدا، فمهما حاولتم الإيذاء والتهديد فيقول – عليه السلام – لهم: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا} (قد) هنا للتحقيق كما هي في كل استعمالات القرآن الكريم، سواء أدخلت على فعل ماض أم دخلت على فعل مستقبل {افترينا على الله كذبا} أن نعود إلى ملتكم أي كذبنا على الله تعالى كذبا مقصودا متعمدا إذا عرفنا الحق، واعتنقناه، ثم كفرناه، وأكد – عليه السلام – هذا المعنى بقوله: {بعد إذ نجانا الله منها} أي بعد نجاتنا، وإخراجنا من الضلال إلى نور الهداية، ثم قال: -عليه السلام – مؤكدا عدم العود: {وما يكون لنا أن نعود فيها} أي ليس لنا بعد أن رأينا النور وسرنا فيه، أن نعود إلى الظلمة، {إلا أن يشاء ربنا} أي إلا أن يريد ربنا وخالقنا لنا الضلالة بعد

الهداية، ويكون ذلك بعمل منا، ثم صرح – عليه السلام – بالتفويض لله تعالى فقال: {وسع ربنا كل شيء علما} وعما هنا تمييز محمول عن مفعول، ومعناه وسع ربنا علم كل شيء، فهو يعلم ما كان وما يكون، وما هو كائن ثابت، ولذا لا يتوكل إلا على الله {على الله توكلنا} وذلك رد لتهديدهم بالإخراج، فالله ربنا عليه توكلنا، ولن يغلبه تهديدكم، فإذا كنتم تستعينون بجبروتكم وكبريائكم، وغطرستكم، فنحن نعتمد على الله، ومع ذلك تذهب رحمة النبوة إلى تجنب العداوة والاتجاه إلى الله تعالى الذي يعلم الحق كله: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق}، أي افصل بيننا وبين قدمنا بالحق، {وأنت خير الفاتحين}.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وفي الآية اللاحقة يواصل شعيب قوله: (قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها).

إن هذه الجملة في الحقيقة توضيح للجملة السابقة المجملة، ومفهوم هذه الجملة هو: نحن لم نترك الوثنية بدافع الهوى والهوس، بل أدركنا بطلان هذه العقيدة بجلاء، وسمعنا الأمر الإِلهي في التوحيد بأُذن القلب، فإذا عدنا من عقيدة التوحيد إلى الشرك والحال هذه نكون حينئذ قد افترينا على الله عن وعي وشعور، ومن المسلم أنّ الله سيعاقبنا على ذلك بشدة.

ثمّ يضيف شعيب قائلا: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء الله).

ومراد شعيب من هذا الكلام هو أنّنا تابعون لأمر الله، ولا نعصيه قيد شعرة، فعودتنا غير ممكنة إلاّ إذا أمر الله بذلك.

ثمّ من دون إبطاء يضيف: إنّ الله يأمر بمثل هذا، لأنّ الله يعلم بكل شيء ويحيط علماً بجميع الأُمور (وسع ربّنا كل شيء علماً) وعلى هذا الأساس ليس من الممكن أن يعود عن أمر أعطاه، لأنّه لا يعود ولا يرجع عن أمر أعطاه إلاّ من كان علمه محدوداً، واشتبه ثمّ ندم على أمره، أمّا الذي يعلم بكل شيء ويحيط بجميع الأُمور علماً فيستحيل أن يعيد النظر.

ثمّ لأجل أن يفهمهم بأنّه لا يخاف تهديداتهم، وأنّه ثابت في موقفه، قال: (على الله توكلنا).

وأخيراً لأجل أن يثبت حسن نيّته، ويظهر رغبته في طلب الحقيقة والسلام، حتى لا يتهمه أعداؤه بالشغب والفوضوية والإخلال بالأمن يقول: (ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين).

أي: يا ربّ أنت احكم بيننا وبين هؤلاء بالحق، وارفع المشاكل التي بيننا وبين هؤلاء، وافتح علينا أبواب رحمتك، فأنت خير الفاتحين...