تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (267)

لا تيمّموا : لا تقصدوا .

تغمضوا : تتساهلوا .

تبين لنا هذه الآية الكريمة نوع المال الذي نتصدق به وطريقة الصدقة .

يا أيها المؤمنون ، إذا تصدقتم فأنفقوا من جيد أموالكم ، من كسبكم ، ومن أحسن الثمرات التي تخرجها لكم أرضكم . إياكم أن تقصدوا الخبيث الرديء من أموالكم فتنفقوا منه . فلو قُدم إليكم لرفضتموه ، إلا أن تُغمضوا فيه . . أي تتسامحوا وتتساهلوا بقبوله . واعلموا أن الله غني عن إنفاقكم فلا يصله منه شيء ، وإنما يأمركم به لمنفعتكم ، وهو مستحق لكل حمد ، يتقبل الطيبات ويجزي عليها بالحسنى .

وقد رُوي في نزول هذه الآيات عدة روايات ، منها ما وراه ابن أبي حاتم عن البراء قال : نزلت فينا . كنا أصحابَ نخلٍ ، فكان الرجل منا يأتي من نخله بالقِنو ، فيعلقه في المسجد . كان أهلُ الصُفّة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم إذا جاع فضرب بعصاه ، سقط البُسر والتمر فيأكل . وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشَف والشيص ، ( نوع من رديء التمر ) فيعلّقه . فنزلت الآية . . فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (267)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات } أي جياد أو حلال/ { مَّا كَسَبْتُم } أي الذي كسبتموه أو كسبكم أي مكسوبكم من النقد وعروض التجارة والمواشي . وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في { طيبات مَا كَسَبْتُمْ } : من الذهب والفضة وفي قوله تعالى : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرض } يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة ، والجملة لبيان حال ما ينفق منه إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته وأعاد ( من ) في المعطوف لأن كلاً من المتعاطفين نوع مستقل ، أو للتأكيد ولعله أولى وترك ذكر الطيبات لعلمه مما قبله ، وقيل : لعلمه مما بعد ، وبعض جعل ( ما ) عبارة عن ذلك .

{ وَلاَ تَيَمَّمُواْ } أي تقصدوا وأصله تتيمموا بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفاً إما الأولى وإما الثانية على الخلاف ، وقرأ عبد الله ( ولا تأمموا ) ، وابن عباس ( تيمموا ) بضم التاء والكل بمعنى { الخبيث } أي الرديء وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تذكر موصوفاتها { مِنْهُ تُنفِقُونَ } الضمير المجرور للخبيث وهو متعلق بتنفقون والتقديم للتخصيص ، والجملة حال مقدرة من فاعل { تَيَمَّمُواْ } أي لا تقدصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه ، أو من الخبيث أي مختصاً به الإنفاق ، وأياً ما كان لا يرد أنه يقتضي أن يكون النهي عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضاً كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة . فعن عبيدة السلماني قال : سألت علياً كرم الله تعالى وجهه عن هذه الآية فقال : نزلت في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الردىء فقال الله تعالى : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ } وقيل : متعلق بمحذوف وقع حالاً من ( الخبيث ) ، والضمير راجع إلى المال الذي في ضمن القسمين ، أو لما أخرجنا وتخصيصه بذلك لأن الرداءة فيه أكثر وكذا الحرمة لتفاوت أصنافه ومجالبه ، و{ تُنفِقُونَ } حال من الفاعل المذكور أي ولا تقصدوا الخبيث كائناً من المال أو مما أخرجنا لكم منفقين إياه وقوله تعالى : { وَلَسْتُم بآخذيه } حال على كل حال من ضمير { تُنفِقُونَ } أي والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه { إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } إلا وقت إغماضكم أو إلا بإغماضكم فيه والإغماض كالغمض إطباق الجفن لما يعرض من النوم ، وقد استعير هنا كما قال الراغب للتغافل والتساهل ، وقيل : إنه كناية عن ذلك ولا يخلو عن تساهل وتغافل ، وذكر أبو البقاء أنه يستعمل متعدياً وهو الأكثر ولازماً مثل أغضى عن كذا ، والآية محتملة للأمرين ، وعلى الأول : يكون المفعول محذوفاً أي أبصاركم ، والجمهور على ضم التاء وإسكان العين وكسر الميم ، وقرأ الزهري تغمضوا بتشديد الميم ، وعنه أيضاً تغمضوا بضم الميم وكسرها مع فتح التاء ، وقرأ قتادة تغمضوا على البناء للمفعول أي تحملوا على الإغماض أي توجدوا مغمضين وكلا المعنيين مما أثبته الحفاظ ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، والمنسبك من { إن } والفعل على كل تقدير في موضع الجر كما أشرنا إليه ، وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع النصب على الحالية ، وسيبويه لا يجوز أن تقع { إن } وما في حيزها حالاً ، وزعم الفراء { إن } هنا شرطية لأن معناه إن أغمضتم أخذتم ، وينبغي أن يغمض طرف القبول عنه ، ومن البعيد في الآية ما قيل : إن الكلام تم عند قوله تعالى : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } ثم استؤنف فقيل على طريقة التوبيخ والتقريع : { مِنْهُ تُنفِقُونَ } والحال أنكم لا تأخذونه إلا إن أغمضتم فيه ومآله الاستفهام الإنكاري فكأنه قيل : أمنه تنفقون الخ ، وهو على بعده خلاف التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم .

/ { واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ } عن نفقاتكم وإنما أمركم بها لانتفاعكم ، وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه عن شأنه { حَمِيدٌ } أي مستحق للحمد على نعمه ، ومن جملة الحمد اللائق بجلاله تحري إنفاق الطيب مما أنعم به ، وقيل : حامد بقبول الجيد والإثابة عليه ، واحتج بالآية على وجوب زكاة قليل ما تخرجه الأرض وكثيره حتى البقل ، واستدل بها على أن من زرع في أرض اكتراها فالزكاة عليه لا على رب الأرض لأن { أَخْرَجْنَا لَكُم } يقتضي كونه على الزارع وعلى أن صاحب الحق لا يجبر على أخذ المعيب بل له الرد وأخذ سليم بدله .

/خ269