سورة   الفاتحة
 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الفاتحة مكية ، آياتها سبع ، نزلت بعد المدثر .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يكاد يوجد في المسلمين من لا يحفظ سورة الفاتحة . فالمسلمون يقرأونها في صلواتهم ، ويترحّمون بها على أمواتهم ، ويتبركون بتلاوتها عند كل مناسبة . وإذا كان لأهل كل دين شعار فشعار أهل الإسلام بعد الشهادتين فاتحة الكتاب .

وسورة الفاتحة مكية ، على اختلاف في ذلك . وقد سُميت الفاتحة لأنها أول سورة في كتابة المصاحف وأول سورة نزلت بتمامها في القرآن ، والسورة التي تُفتتح بها الصلاة ، وهي تشتمل على جميع ما في القرآن من مقاصد .

ومقاصد القرآن هي : بيان التوحيد ، وبيان الوعد والبشرى للمؤمن المحسن ، والوعيد والإنذار للجاحد والمسيء ، وبيان العبادة طريقِ السعادة في الدنيا والآخرة ، وقصص الذين أطاعوا الله وفازوا ، والذين عصوه فخابوا .

وتشتمل الفاتحة على هذه المقاصد ، لذلك سميت أم الكتاب ، وأم القرآن ، كما سميت السبع المثاني ، لأن المؤمن يكررها على مرور الأوقات وتثنّى .

ويبسُط المفسرون القول في تفسير الفاتحة ويفصّلونه تفصيلا ، وقد أفرد كثير منهم تفسير الفاتحة بالتأليف قديما وحديثا ، وذلك لما لها من الأهمية وعظم المنزلة عند المسلمين .

والاستعاذة ليست جزءا من الفاتحة ، ولا من القرآن ، وليست مدوّنة في المصحف الشريف ، وإنما يفتتح بها المسلمون التلاوة اتباعا لقوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ( النحل : 45 ) . والتعوذ مستحب لكل قراءة عند الجمهور ، سواء في الصلاة أو في غيرها .

والشيطان في كلام العرب : كل عات ومتمرد من الإنس والجن والدواب وكل شيء . وقال " الراغب " في كتاب " المفردات في غريب القرآن " : وسمي كل خلق ذميم للإنسان شيطانا ، فقال عليه السلام : ( الحسد شيطان والغضب شيطان ) ، ويقول تعالى : { وإذا خلوا إلى شياطينهم } البقرة : 14 . أي أصحابهم المتمردين ، و{ إن الشياطين لَيوحون إلى أوليائهم } الأنعام 121 .

ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : أستجير بالله دون غيره من أن يضرني الشيطان في ديني أو يصدّني عن حق ربي .

الرجيم : المرجوم المطرود من الخيرات وعن منازل الملأ الأعلى . قال الفخر الرازي : " إن سرّ الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك ، ثم إن أجلّ الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن ، لأن من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن . . . ازدادت رغبته في الطاعات وعن المحرمات ، فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات ، فلا جرم أن يكون سعي الشيطان في الصدّ عنه أبلغ ، واحتياج العبد إلى من يصونه عن شر الشيطان أشد ، فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة " .

والفاتحة سبع آيات بالاتفاق ، إلا أن منهم من عد { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } آية واحدة ، والبسملة آية . ومنهم من عد { اهدنا الصراط المستقيم } آية ، و{ صراط الذين أنعمت عليهم } آية ، ولم يعدَّ التسمية كذلك .

بسم الله الرحمن الرحيم

أجمع المسلمون على أن ما في المصحف الشريف كلام الله سبحانه وتعالى ، واتفقوا على إثبات { بسم الله الرحمن الرحيم } في المصاحف . واختلفوا : فقال قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما هي آية من كل سورة ، وقال قراء المدينة والبصرة والشام فقهاؤها : البسملات تيجانٌ لسور القرآن وليست البسملة بآية من كل سورة .

وقال كثير من العلماء إنها آية من الفاتحة ، ومن كل سورة عدا سورة براءة ، لثبوتها في المصحف الإمام ، الذي كتب بيد الصحابة الكرام . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر ) أي ناقص . وهذا الحديث رواه أبو داود عن أبي هريرة .

ويقول الأستاذ الشيخ محمد عبده : افتتاح القرآن بهذه الكلمة إرشاد لنا أن نفتتح أعمالنا بها . . . فإنها مطلوبة لذاتها . والمعنى : إنني أعمل عملا متبرئا من أن يكون باسمي بل هو باسمه تعالى ، لأنني أستمد القوة منه وأرجو إحسانه عليه . . .

ومعنى البسملة في الفاتحة أن جميع ما يقرّر من الأحكام والآيات هو لله ، ومنه ، وليس لأحد غير الله فيه شيء .

الرحمن الرحيم : صفتان لله تعالى تدلاّن على مبدأ الرحمة ، والأولى خاصة به تعالى لا يوصف بها غيره ، وتدل على من تصدر عنه آثار الرحمة ، وهي إفاضة النعم والإحسان . أما لفظة الرحيم فتدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان ، ويجوز أن يوصف بها غير الله تعالى ، { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم } التوبة : 128 .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الفاتحة :

ولها ثلاثة أسماء معروفة : فاتحة الكتاب ، وأم القرآن ، والسبع المثاني .

سميت فاتحة الكتاب : لأنه تعالى بها افتتح القرآن .

وأم الكتاب : لأنها أصل القرآن منها بدئ القرآن ، وأم الشيء : أصله ، ويقال لمكة أم القرى لأنها أصل البلاد دحيت الأرض من تحتها . وقيل : لأنها مقدمة وإمام لما يتلوها من السور يبدأ بكتابتها في الصحف ، وبقراءتها في الصلاة .

والسبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق العلماء . وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة ، فتقرأ في كل ركعة . وقال مجاهد : سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة فذخرها لهم .

وهي مكية على قول الأكثرين . وقال مجاهد : مدنية . وقيل : نزلت مرتين ، مرة بمكة ومرة بالمدينة ؛ ولذلك سميت مثاني . والأول أصح ، أنها مكية ، لأن الله تعالى من على الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : " ولقد آتيناك سبعاً من المثاني " والمراد منها فاتحة الكتاب ، وسورة الحجر مكية فلم يكن يمن عليه بها قبل نزولها .

قوله : { بسم الله } الباء زائدة يخفض ما بعدها مثل : من وعن ، والمتعلق به محذوف لدلالة الكلام عليه ، تقديره أبدأ بسم الله ، أو قل بسم الله ، وأسقطت الألف من الاسم طلباً للخفة ، لكثرة استعمالها ، وطولت الباء ، قال القطيبي : ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف معظم ، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، يقول لكتابه : طولوا الباء ، وأظهروا السين ، وفرجوا بينهما ، أو دوروا الميم تعظيماً لكتاب الله عز و جل ، وقيل لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالاً على سقوط الألف ، ألا ترى أنه لما كتب الألف في ( اقرأ باسم ربك ) ردت الباء إلى صيغتها ، ولا يحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير الله ، ولا مع غير الباء . والاسم هو المسمى ، وعينه وذاته قال تعالى ( إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ) أخبر أن اسمه يحيى ، ثم نادى الاسم فقال : " يا يحيى " وقال ( ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ) وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال : ( سبح اسم ربك ) و( تبارك اسم ربك ) ثم يقال للتسمية أيضاً اسم ، فاستعماله في التسمية أكثر من المسمى . فإن قيل : ما معنى التسمية من الله لنفسه ؟ قيل : هو تعليم العباد كيف يستفتحون القراءة واختلفوا في اشتقاقه ، قال المبرد في البصريين ، هو مشتق من السمو ، وهو العلو ، فكأنه علا على معناه وظهر عليه وصار معناه لا تحته ؛ وقال ثعلب في الكوفيين : هو من الوسم والسمة وهي العلامة ، وكأنه علامة لمعناه وعلامة للمسمى ، والأول أصح لأنه يصغر على سمي ، ولو كان من السمت لكان يصغر على الوسيم ، كما يقال في الوعد وعيد ويقال في تصريفه سميت ولو كان في الوسم لقيل وسمت . قوله تعالى : { الله } قال الخليل وجماعة : هو اسم علم خاص لله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو ، وقال جماعة : هو مشتق . ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل : من أله إلاهة أي عبد عبادة ، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ( ويذرك وآلهتك ) أي عبادتك ، معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره ، وقيل أصله إله ، قال الله عز وجل : ( وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ) قال المبرد : هو من قول العرب ، ألهت إلى فلان أي سكنت إليه قال الشاعر :

ألهت إليها والحوادث جمة*** . . . . . . . .

فكان الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره ، ويقال ألهت إليه أي فزعت إليه قال الشاعر :

ألهت إليها والركائب وقف*** . . . . . . . .

وقيل أصل الإله ولاه ، فأبدلت الواو بالهمزة ، مثل وشاح وإشاح ، اشتقاقه من الوله ، لأن العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد ، ويلجئون إليه في الحوائج ، كما يوله كل طفل إلى أمه ، وقيل هو من الوله وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك . قوله : { الرحمن الرحيم } .

قال ابن عباس رضي الله عنهما ، هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر ، واختلفوا فيهما ، منهم من قال : هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة ، وذكر أحدهما بعد الآخر تطميعاً لقلوب الراغبين ، وقال المبرد : هو إنعام بعد إنعام ، وتفضل بعد تفضل ، ومنهم من فرق بينهما فقال : للرحمن بمعنى العموم ، وللرحيم بمعنى الخصوص . فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا ، وهو على العموم لكافة الخلق . والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة ، والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص . ولذلك قيل في الدعاء " يا رحمن الدنيا ، ورحيم الآخرة " فالرحمن : من يصل رحمته إلى الخلق على العموم . والرحيم من يصل رحمته إليهم على الخصوص . ولذلك يدعى غير الله رحيماً ، ولا يدعى رحمن ؛ فالرحمن عام المعنى ، خاص اللفظ . والرحيم ، عام اللفظ خاص المعنى . والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله ، وقيل :هي ترك عقوبة من يستحقها ، وإسداء الخير إلى من لا يستحق . فهي على الأول صفة ذات ، وعلى الثاني صفة فعل . واختلفوا في آية التسمية : فذهب قراء المدينة ، والبصرة ، وفقهاء الكوفة ، إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب ، ولا من غيرها من السور ، والافتتاح بها للتيمن والتبرك . وذهب قراء مكة ، والكوفة ، وأكثر فقهاء الحجاز ، إلى أنها من الفاتحة ، وليست من سائر السور . فإنما كتبت للفصل . وذهب جماعة إلى أنها من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة -وهو قول الثوري ، و ابن المبارك ، و الشافعي - في قول لأنها كتبت في المصحف بخط سائر القرآن . واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات ، والآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وابتداء الآية الأخيرة ( صراط الذين ) ومن لم يعدها من الفاتحة قال : ابتداؤها ( الحمد لله رب العالمين ) وابتداء الآية الأخيرة ( غير المغضوب عليهم ) . واحتج من جعلها من الفاتحة ، ومن السور ، بأنها كتبت في المصحف بخط القرآن . وبما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، وأنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا عبد المجيد ، عن ابن جريج ، أخبرني أبي عن سعيد بن جرير ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ) وهي : أم القرآن ، قال أبي وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها ثم قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " الآية السابعة . قال سعيد : قرأها علي ابن عباس ، كما قرأتها عليك ، ثم قال ( بسم الله الرحمن الرحيم ) الآية السابعة قال ابن عباس فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم ، ومن لم يجعلها من الفاتحة احتج بما ثنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي . أخبرنا زاهر بن أحمد ، ثنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال " قمت وراء أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، كلهم كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة " .

قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف ختم سورة حتى ينزل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .

عن أبي مسعود قال : كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى ينزل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .

وقال الشعبي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب في بدء الأمر على رسم قريش " باسمك اللهم " حتى نزل ( وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ) فكتب " بسم الله الرحمن " حتى نزلت : ( قل ادعوا الله أو أدعوا الرحمن ) . فكتب " بسم الله الرحمن " حتى نزلت . ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) فكتب مثلها .