الحكمة : السنَّة ، والمعرفة بجميع أنواعها .
لقد مرّ نظير الآية في سورة البقرة ، الآية 129 .
بعد أن نفى الله الغلول والخيانة عن النبي الكريم على أبلغ وجه ، أكد ذلك بهذه الآية ، فأبان أنه قد تفضل على المؤمنين بأن يبعث فيهم رسولا منهم ، وُلد في بلدهم فعرفوه حق المعرفة ، ولم يروا فيه طوال حياته إلا الصدق والأمانة حتى فاز بلقب محمد الأمين . وقد جاء هذا الرسول يتلو عليهم آيات الله الدالة على القدرة والوحدانية ، ويوجه النفوس إلى الاستفادة منها والاعتبار بها .
هذا كما جاء محمد ليزكّيهم ، أي يطهّرهم من العقائد الزائفة ، ويطهر بيوتهم وأعراضهم ومجتمعهم من دنس الجاهلية وشِركها ، كذلك جاء يعلّمهم القرآن والكتابة والقراءة بعد أن كانوا أُميّين ضالين .
«وعلى{[1]}* أية حال ، فقد تضمنت هذه الآية الأمور التالية :
- أن الرسول إحسان من الله إلى الخلق ، لأن الرسول ينقلهم من الجهل إلى العلم ، ومن المذلَة إلى الكرامة ، ومن معصية الله وعقابه إلى طاعته وثوابه .
- أن هذا الإحسان قد تضاعف على العرب بالخصوص لأن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) منهم ، يباهون به جميع الأمم .
- أنه يتلو عليهم آيات الله الدالة على وحدانيته ، وقدرته وعلمه وحكمته .
- أنه يطهّرهم من أرجاس الشرك والوثنية ، ومن الأساطير والخرافات والتقاليد الضارة ، والعادات القبيحة .
- يعلّمهم الكتاب أي القرآن الذي جَمَعَ كلمتهم ، وحفظ لغتهم ، وحثّهم على العلم ومكارم الأخلاق ، ويعلمهم الرسول أيضاً الحكمة ، وهي وضع الأشياء في مواضعها ، وقيل : إن المراد بها هنا الفقه . . »
يقول جعفر بن أبي طالب الصحابي الجليل مخاطباً النجاشي عندما لجأ إليه المسلمون في أول بدء الدعوة : «أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويُّ منا الضعيف ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعانا إلى الله وحده لنوحّده ، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرَنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصِلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً وأمرَنا بالصلاة والزكاة والصيام » .
ولما أرشدهم إلى هذه{[19682]} المراشد ، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد ، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم بما له من الفضائل التي{[19683]} من أعظمها كونه من جنسهم ، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم ، فيألفونه فيعلمهم ؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه{[19684]} ، ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هديه فقال سبحانه وتعالى - مؤكداً لما اقتضاه الحال من فعل{[19685]} يلزم منه النسبة إلى الغلول - : { لقد من الله } أي ذو الجلال والإكرام { على المؤمنين } خصهم{[19686]} لأنهم المجتبون{[19687]} لهذه النعمة{[19688]} { إذا بعث فيهم } أي فيما بينهم {[19689]}أو بسببهم{[19690]} { رسولاً } وزادهم رغبة فيه بقوله{[19691]} : { من أنفسهم } أي نوعاً وصنفاً ، يعلمون أمانته و{[19692]}صيانته وشرفه{[19693]} ومعاليه وطهارته قبل النبوة وبعدها{[19694]} { يتلوا عليهم آياته } أي فيمحو ببركة نفس التلاوة كبيراً من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه ، وما لم نعرفه أكثر { ويزكيهم } أي يطهرهم من أوزار الدنيا والأوزار بما يفهمه{[19695]} بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات ، وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك ، كما مضى في سورة البقرة { ويعلمهم الكتاب } أي تلاوة{[19696]} بكونه من نوعهم {[19697]}يلذ لهم{[19698]} التلقي منه { والحكمة } تفسيراً وإبانة وتحريراً { وإن } أي والحال أنهم { كانوا } ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال{[19699]} { {[19700]}من قبل{[19701]} } أي من قبل ذلك{[19702]} { {[19703]}لفي ضلال مبين{[19704]} * } أي ظاهر ، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي{[19705]} على نفسه بإيضاح لبسه ، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم{[19706]} في أول النهار ، فلما خالفوه{[19707]} حصل الخذلان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.