تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (178)

كتب : فرض .

القصاص : أن يُقتل القاتل .

الألباب : جمع لب وهو العقل .

{ ياأيها الذين آمَنُواْ } هذا نهج الآيات المدنية فإنها تصدر بهذا النداء ، والحكم لجميع الناس . فُرض عليكم القصاص في القتلى . . . وهو قتْل من قَتل نفسا عامداً متعمداً ، ففي ذلك العدل والمساواة .

لقد كان القصاص في الجاهلية خاضعاً لقوة القبائل وضعفها ، فبعضهم كان لا يكتفي بقتل القاتل الفرد ، بل يطلبون قتل رئيس القبيلة . وبعضهم كان يطلب قتل عدد من الأشخاص بدل المقتول . وهذا ظلم كبير . فجاء الإسلام بالعدل والمساواة ، وفرض قتل القاتل فقط . ثم خصّصت الآية فنصّت على بعض الجزيئات { الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } تأكيداً لإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من فرض عدم التساوي في الدماء . أما الحكم في الإسلام فهو أن يُقتَل القاتل سواء كان حراً قتل عبدا أو بالعكس . وذلك لأن هذا جاء واضحاً في قوله تعالى : { النفس بالنفس } كما جاء في سورة المائدة .

ولكن إذا قتل رجل ولده ، اختلف العلماء في ذلك :

فمنهم من رأى أن يُقتل الوالد كالإمام مالك ، وذلك في حالة ما إذا أضجعه وذبحه بالسكين .

ومنهم من قال لا يُقتل به ، وهم الأغلب .

وكذلك إذا قتل جماعة رجلاً واحداً . . فجمهور العلماء أنهم يقتلون به . كذلك فعل عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما .

واختلفوا في قتل المسلم ذميا ، فبعضهم قال : لا يقتل به وهم الأغلب ،

وقال البعض : يقتل به .

وبعد أن بين سبحانه وتعالى وجوب القصاص ، وهو أساس العدل ، ذكر تشريع العفو ليوجّه النفوس إليه ، ويثير في سبيله عاطفة الأخوة الانسانية ، فقال تعالى ما معناه : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان . وذلك أن القاتل إذا حصل له تجاوز عن جنايته من ولي الدم ، فيجب أن يكون تعاملهما بما يشرح الصدور ، ويذهب بالأحقاد ، على أخيه أن يُتْبع عفوه بالمعروف ، فلا يثقل عليه في البذل ، ولا يحرجه في الطلب . أما القاتل المعفوّ له عن جنايته فعليه أن يقدر ذلك العفو ، فلا يبخس صاحبه حقه ، ولا يمطله في الأداء . وهنا تظهر عظمة الإسلام في القصاص ، فقد نظر إلى أمرٍ لم ينظر إليه القانونيون ، وهو أن جعل القصاص حقا لأولياء القتيل ، كما جعل لهم الخيار بين العفو أو القصاص . فأساس القصاص هو رفع الاعتداء في القتل بقتل القاتل ، فإن سمت نفوس أهل الدم فآثروا العفو ، وجب لهم دية قتيلهم . وعلى أولياء الدم إتباع هذا الحكم بالتسامح ، وعلى القاتل أداء الدية دون مماطلة أو بخس .

ذلك هو الحكم الذي شرعناه لكم من العفو عن القاتل والاكتفاء بقدر من المال ، وهو تخفيف ورخصة من ربكم ورحمة لكم . فمن اعتدى وانتقم من القاتل بعد العفو والرضى بالدية ، فله عذاب أليم من ربه يوم القيامة .

 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (178)

{ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }

[ يا أيها الذين آمنوا كتب ] فرض [ عليكم القصاص ] المماثلة [ في القتلى ] وصفاً وفعلاً [ الحُرُّ ] يقتل [ بالحر ] ولا يقتل بالعبد [ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ] وبينت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يُقتَل مسلمٌ ولو عبدا بكافر ولو حرا [ فمن عفي له ] من القاتلين [ من ] دم [ أخيه ] المقتول [ شيء ] بأن ترك القصاص منه ، وتنكير شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة ، وفي ذكر أخيه تعطف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ، ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر [ فاتباع ] أي فعلى العافي اتباع للقاتل [ بالمعروف ] بأن يطالبه بالدية بلا عنف ، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي . والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه ، فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ، ورجح [ و ] على القاتل [ أداء ] الدية [ إليه ] أي العافي وهو الوارث [ بإحسان ] بلا مطل ولا بخس [ ذلك ] الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية [ تخفيف ] تسهيل [ من ربكم ] عليكم [ ورحمة ] بكم حيث وسع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية [ فمن اعتدى ] ظلم القاتل بأن قتله [ بعد ذلك ] أي العفو [ فله عذاب أليم ] مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل .