تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

ما يَعبأ بكم : لا يعتدّ بكم .

دعاؤكم : عبادتكم .

لزاما : لازما .

إن الله تعالى غنيّ عن العالمين ، ولولا هذه الصفوةُ من الناس الذين يعبدونه حقَّ عبادته ، وهم أهلُ هذه الصفات السامية لما كان اللهُ يَعْبَأ بالبشريَّة جميعها . إن الله لا يُبالي بكم إذا لم تؤمنوا ، فقد كذَّبتم بدينه ، فسوف يعذّبكم عذاباً لازماً لا ينفكُّ عنكم ولا يزول .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

{ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم } يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية ، وفي معنى الدعاء هنا ثلاثة أقوال :

الأول : أن المعنى إن الله لا يبالي بكم لولا عبادتكم له فالدعاء بمعنى العبادة وهذا قريب من معنى قوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [ الذاريات :56 ] . الثاني : أن الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال ، والمعنى لا يبالي الله بكم ، ولكن يرحمكم إذا استغثتم به ودعوتموه ويكون على هذين القولين خطابا لجميع الناس من المؤمنين والكافرين لأن فيهم من يعبد الله ويدعوه أو خطابا للمؤمنين خاصة لأنهم هم الذين يدعون الله ويعبدونه ، ولكن يضعف هذا بقوله : { فقد كذبتم } .

الثالث : أنه خطاب للكفار خاصة والمعنى على هذا : ما يعبأ بكم ربي لولا أن يدعوكم إلى دينه ، والدعاء على هذا بمعنى الأمر بالدخول في الدين ، وهو مصدر مضاف إلى المفعول ، وأما على القول الأول والثاني فهو مصدر مضاف إلى الفاعل .

{ فقد كذبتم } هذا خطاب لقريش وغيرهم من الكفار دون المؤمنين .

{ فسوف يكون لزاما } أي : سوف يكون العذاب لزاما ثابتا وأضمر العذاب وهو اسم كان لأنه جزاء التكذيب المتقدم ، واختلف هل يراد بالعذاب هنا القتل يوم بدر ، أو عذاب الآخرة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

ولما ثبت أمر الرحمانية ، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص ، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع ، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم ، أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن ، وعن الاعتراف والإيمان ، ليرجعوا عن العصيان ، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان : إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه ، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم ، فقال : { قل ما يعبأ } أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن - على أن " ما " نافية { بكم } أي أيها الكافرون { ربي } أي المحسن إليّ وإليكم برحمانيته ، المخصص لي بالإحسان برحيميته ، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم { لولا دعاؤكم } أي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعاً له به لينجيكم ، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه ، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه ، ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفّوا أعمالكم ولا تكونوا حطباً للنار { فقد كذبتم } أي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم ، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان ، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان ، أو ما يعتد بكم شيئاً من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد ، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد ، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها ، بسب أنكم قد كذبتم ، أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته ، لأنكم قد كذبتم ، فكنتم شراً من البهائم ، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب ، والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء ، لأنكم مكذبون ، وإنما قلت : " الآن " لأن " ما " لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال ، عكس " لا " { فسوف } أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك ، ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم ، بل { يكون } جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال ، وكل بعيد عندكم قريب عنده ، وكل آتٍ قريب ، فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم { لزاماً* } أي لازماً لكم لزوماً عظيماً لا انفكاك له عنكم بحال ، وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم ، وذلهم وقهرهم ، لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك ، فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد ، فقد انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان ، لمن أنكر حقيقة الرحمن - والله ولي التوفيق بالإيمان .