تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

هي السورة الثالثة ، مدنية ، وعدد آياتها مائتان . وسبب تسميتها " آل عمران " أنه جاء ذكر عمران مرتين في آيتين متتاليتين . وقد سميت سورة البقرة بهذا الاسم لقصة فيها ، أما سورة المائدة فقد سميت بذلك لقصة المائدة التي طلب الحواريون إنزالها من السماء . وهكذا نرى أن السور تسمى بأهم أو أغرب ما اشتملت عليه .

وليست سورة آل عمران من أوائل ما نزل بالمدينة ، فقد كان نزولها بعد فترة تقلبت فيها على المؤمنين أحوال من النصر والهزيمة في غزوات متعددة ، واختلطوا بأهل الكتاب وجرى بينهم كثير من الحجاج والنقاش فيما يتصل بالدعوة المحمدية وفروعها . وقد نزلت " آل عمران " بعد سورة الأنفال التي تكلفت بالكلام على موقعة بدر ، وبرزت العناية فيها بأمرين عظيمين لهما خطرهما في سعادة الأمم وشقائها .

أحدهما : تقرير الحق في قضية العالم الكبرى ، وهي مسألة الألوهية وإنزال الكتب وما يتعلق بها من أمر الدين والوحي والرسالة .

والثاني : تقرير العلة التي من أجلها ينصرف الناس في كل زمان ومكان عن التوجه إلى معرفة الحق والعمل على إدراكه والتمسك به .

لذاك نجدها بدأت بتقرير الأمر الأول فذكرت وحدانية الله ، وأنه وحده الحي الذي لا يدركه الفناء ، القيوم الذي له الهيمنة على شئون الخلق بالإيجاد والتربية الجسمية والعقلية . كما قررت علمه المحيط وقدرته النافذة القاهرة . ثم قدّرت اصطفاء الله لبعض خلقه { رسلا مبشرين ومنذرين } يعرفون مهمتهم وهي دعوة الخلق إلى الحق ، وأن الله تعالى أخذ على هؤلاء الرسل جميعا العهد والميثاق أن يصدِّق بعضهم بعضا في الحق وفي دعوة الناس إلى الله .

هذا هو العهد الذي حفظه عيسى عليه السلام وتوفي عليه وبه يلقى ربه يوم القيامة .

كما أبرزت السورة وحدة الدين عند الله وعلى لسان رسله جميعا . وقد خصت جماعة المسرفين في شأن عيسى ، الزاعمين له ما ليس له من ألوهية أو بنوة أو حلول ، فذكرت أنه لم يكن إلا رجلا من آل عمران الذين اصطفاهم الله من بين من اصطفى ، وبينت أن الخوارق التي ظهرت على يده لم تكن إلا من سنّة الله في تأييد رسله بالمعجزات .

وبعد أن تكشف السورة لأولئك شُبهتهم التي ضلوا بها ، تسلك معهم سبيلا آخر فتأمر الرسول الكريم أن يتقدم إليهم فيدعوهم إلى المباهلة : وهي أن يجتمعوا جميعا في صعيد واحد ، ويستمطر الكل لعنة الله على الكاذب من الفريقين ، فلم يقبلوا ، بل خافوا وتولوا وانقطعوا عن الحِجاج . ثم ذكرت السورة أمورا كثيرة عن تفنّن أهل الكتاب في إضلال المؤمنين ، كما بينت حيلهم وفنّدتها في كثير من الآيات البينات .

وبينما كانت السورة تقرر هذا المقصد على النحو الذي شرحناه باختصار ، فقد عرضت أثناء ذلك بيان العلة التي تستحوذ على قلوب الناس ، فتحُول بينهم وبين اعتناق الحق والعمل به . وهذا هو المقصد الثاني للسورة . وهي ترده إلى شيء واحد هو الاعتزاز بما لهم من أموال وأولاد وسلطان . فقد كان المشركون يتصورون أن إيمانهم بمحمد فيه زلزلة لما لهم من جاه وسلطان . . وهم يريدون الحفاظ على ذلك .

وبعد أن ترسِّخ السورة هذين المقصدين تتجه إلى جماعة المؤمنين ، فتحذرهم ألا يتأثروا قليلا أو كثيرا بخطة هؤلاء المعاندين في الاغترار بمتاع الحياة الدنيا . وتطلب إليهم أن يعتصموا بحبل الله . ثم تبين لهم علاقاتهم بغير المؤمنين وكيف يجب عليهم أن يعاملوهم ، شارحة ما يباح لهم وما لا يباح .

وهي تلفت نظرهم إلى واقعة بدر وكيف أنهم انتصروا فيها بالإيمان والصبر رغم قلة كانت لديهم في العدة والعدد ، وكثرة لدى أعدائهم في الجانبين .

ثم توجه انتباههم إلى واقعة أحُد ، يوم اعتمدوا على قوتهم وكثرتهم . يومذاك انهزموا ، بعد أن خطفت أبصارهم زخارف الدنيا .

وهي تذكر أن تلك الهزيمة كانت ابتلاء من الله وتمحيصا للمؤمنين ، وتقرر أن العاقبة لهم على كل حال . أما الشهداء فهم الفائزون ، لأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون .

بعد ذلك وجهت السورة نداءات إلهية لجماعة المؤمنين ، وحرمت الربا قليله وكثيره ، ثم نبهت المؤمنين إلى أنّ من شأن أرباب الحق أن ينالهم كثير من الأذى ، بالقول والعمل ، من حُماة الباطل . وأن واجب المؤمنين أن يتلقوا كل ذلك بالصبر والاحتمال .

وبعد هذا كله تُختم السورة بأمرين عظيمين :

الأول : رسم الطريق الذي يصل به الإنسان إلى معرفة الحق والإيمان به .

والثاني : هذه النصيحة الغالية التي ما تمسكت بها أمة إلا سمت وعزّت ، ولا تخلت عنها أمة إلا أخذها الضعف فأفضى بها إلى الذل والهوان .

{ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } .

ووجهُ اتصال هذه السورة بالتي قبلها : أن كلا منهما بدأ بذكر الكتاب وحال الناس في الاهتداء به . وأن الأولى تأتي على ذكر آدم وخلْقه ، والثانية على خلق عيسى . وكلاهما جرى على غير سنة سابقة في الخلق . وفي كل منهما محاجّة لأهل الكتاب . وقد جاء الحِجاج في " البقرة " بإسهاب في محاجة اليهود وباختصار في محاجة النصارى ، وفي " آل عمران " عكس هذا .

وفي آخر كل من السورتين دعاء ، كما أن الثانية ختمت بما يناسب بدء الأولى وكأنها متممة لها ، فبدئت الأولى بآيات الفلاح للمتقين ، وختمت هذه بقوله تعالى { واتقوا الله لعلكم تفلحون } .

ألف لام ميم : وردت هذه الأحرف في فاتح عدد من السور ، وقد قدمنا الكلام عليها في أول سورة البقرة . والرأي المرجح أنها جاءت في أوائل السور لتنبيه المخاطبين إلى ما يلقى بعدها من حديث يستدعي العناية بفهمه .

روى الطبري في تفسيره أن الله عز وجل أخبر عباده أن الألوهية خاصة به دون ما سواه ، وأن العبادة لا تجوز إلا له . وقد افتتح السورة بنفي الألوهية عن غيره احتجاجاً منه على طائفة من النصارى ، قدمِتْ على رسول الله من نجران . وكانوا ستين راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم ، أميرهم العاقب ، واسمه عبد المسيح ، وهو صاحب مشورتهم الذي لا يصُدرون إلا عن رأيه . وكان منهم أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، أسقفهم وحبرهم وإمامهم . ولقد قدموا إلى المدينة ، فدخلوا مسجد الرسول حين صلى العصر . وحانت صلاتهم فقاموا يصلّون في مسجد النبي ، فقال لأصحابه دعوهم . فصلّوا إلى المشرق . فقام رؤساؤهم وكلّموا رسول الله في شأن المسيح ، وأنه هو الله ، وابن الله ، وثالث ثلاثة . فقال لهم النبي : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ قالوا بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت ، وأن عيسى عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه . قالوا : بلى ، قال : فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . قالوا : بلى ، قال : فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما عُلِّم ؟ قالوا : لا ، قال : فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون ذلك ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعملون أن ربنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب ولا يُحدث الحدث ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غُذي كما يغذّى الصبي ، ثم كان يَطعم الطعام ، ويشرب الشراب ، ويُحدث الحدث ؟ قالوا : بلى ، قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ قال : فعرفوا ثم أبَوا إلا جحودا . فأنزل الله عز وجل { الم الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } إلى بضع وثمانين آية كما سيأتي .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة آل عمران

مدنية وآياتها 200 نزلت بعد الأنفال

نزل صدرها إلى نيف وثمانين آية لما قدم نصارى نجران المدينة المنورة يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام .

{ الم } تقدم الكلام على حروف الهجاء وقرأ الجمهور بفتح الميم هنا في الوصل لالتقاء الساكنين نحو من الناس ، وقال الزمخشري : هي حركة الهمزة نقلت إلى الميم وهذا ضعيف لأنها ألف وصل تسقط في الدرج .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

سورة آل عمران {[14332]}

{ بسم الله } الواحد المتفرد{[14333]} بالإحاطة بالكمال { الرحمن } الذي وسعت{[14334]} رحمة إيجاده {[14335]} كل مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة { الرحيم }{[14336]} الذي اختار أهل التوحيد{[14337]} لمحل أنسه وموطن{[14338]} جمعه وقدسه

{ الم * } المقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى ، والإخبار{[14339]} بأن رئاسة الدنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن ما أعد للمتقين من الجنة والرضوان هو الذي ينبغي الإقبال عليه والمسارعة إليه وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق{[14340]} والاستغفار ما{[14341]} يتعطف عليه{[14342]} كثير{[14343]} من أفانين أساليب هذه السورة هذا ما كان ظهر{[14344]} لي أولاً ، وأحسن منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد{[14345]} فيها فإن الأمرين الآخرين يرجعان{[14346]} إليه ، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة ، فالقيام يكون على كل نفس ، والاستقامة العدل كما قال :{ قائماً بالقسط }{[14347]}[ آل عمران : 18 ] أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك العصيان ولزوم الطاعة ؛ وهذا الوجه أوفق للترتيب ، لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين{[14348]} إجمالاً جاء{[14349]} ما به التفصيل محاذياً{[14350]} لذلك ، فابتداء بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين ، ثم بسورة التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة ، لأن التوحيد هو الأمر{[14351]} الذي لا يقوم بناء إلا عليه ، ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها داعية إلى الاجتماع على ذلك ؛ وأيضاً{[14352]} فلما ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله سبحانه وتعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم }{[14353]} [ البقرة : 21 ] فأثبت الوحدانيه له بإبطال إلهيه{[14354]} غيره بإثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره{[14355]} بطريق الأولى ، فلما ثبت أن الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه ؛ ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها{[14356]} بآل عمران ، فإن{[14357]} لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه ، فهو التاج الذي هو خاصة{[14358]} الملك المحسوسة ، كما أن التوحيد خاصته المعقولة ، والتوحيد موجب لزهرة{[14359]} المتحلي{[14360]} به فلذلك سميت الزهراء .

القصد الأول التوحيد

ومناسبه هذا الأول بالإبتدائية لآخر ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة في الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان ، لأنها أوضحت أمر الدين بحيث لم يبق وراءها مرمى لمتنعت{[14361]} ، أو تعجب{[14362]} من حال من جادل في الإلهية أو استبعد شيئاً من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدلة مع وضوحه ، أو إشارة إلى الاستدلال على البعث بأمر السنابل{[14363]} في قالب الإرشاد إلى ما ينفع في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة{[14364]} من النفقات ، وبيان بعض ما يتعلق بذلك ، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات و الأرض ، والإخبار بإيمان الرسول وأتباعه بذلك ، وبأنهم{[14365]} لا يفرقون بين أحد من الرسل المشار إليهم في السورة ، وبصدقهم{[14366]} في التضرع برفع الأثقال التي كانت على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم{[14367]} ، وبالنصرة على عامة الكافرين ؛ لما كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غاية المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع الإيمان به{[14368]} سبحانه وتعالى ووجهت{[14369]} الرغبات آخر تلك إليه ؛ وأحسن منه أنه لما نزل{[14370]} إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحة على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ثم شرع في تفصيل ما جمعه في الفاتحة ، فأرشد في أول البقرة إلى أن الهدايه في هذا الكتاب ، وبيّن ذلك بحقية{[14371]} المعنى والنظم كما تقدم إلى أن ختم البقرة بالإخبار عن خلص عباده{[14372]} بالإيمان بالمنزل{[14373]} بالسمع والطاعة ، وأفهم ذلك مع التوجه بالدعاء إلى المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده النصر ، علم{[14374]} أنه{[14375]} واحد لا شريك له حي لا يموت{[14376]} قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق ، فصرح أول هذه بما أفهمه آخر تلك ، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال : { الله }{[14377]} أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه لأن له الإحاطة بجميع أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص{[14378]} .

وقال الحرالي مشيراً إلى القول الصحيح في ترتيب السور{[14379]} من أنه باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقراراً لله سبحانه وتعالى لهذا الانتظام والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب : هو ما رضيه{[14380]} الله سبحانه وتعالى فأقره ؛ فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى فيما يرجع إليه ، وفيما يرجع إلى عبده ، وفيما بينه وبين عبده ، فكانت أم القرآن وأم الكتاب ؛ جعل مثنى{[14381]} تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في الفاتحة مضمناً{[14382]} سورة البقرة إلى ما أعلن به ، لألأ نور{[14383]} آية الكرسي فيها ، وكأن منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله سبحانه وتعالى في الفاتحة ، فكأن منزلة سورة آل عمران منزلة تاج الراكب{[14384]} وكأن منزلة سورة البقرة منزلة سنام المطية ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة ، لكل شيء تاج وتاج القرآن سورة آل عمران " وإنما بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي علن أمر الله ، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته سورة آل عمران{[14385]} ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظاً وبتلقيه على اللقن{[14386]} منزل الكتاب بما أبداه علنه{[14387]} في هذه السورة ؛

وبذلك يتضح أن إحاطة { الم } المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما{[14388]} هو قيامه وتمامه ، ووصلة{[14389]} ما بين قيامه وتمامه ، وأن إحاطة{[14390]} { الم } المنزلة في أول هذه السورة إحاطة إلهية حيايية قومية مما بين غيبة{[14391]} عظمة اسمه { الله } إلى تمام قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه { الحي القيوم } وما أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبىء عنه كلمة الإخلاص في قوله : { لا إله الا هو } فلذلك{[14392]} كان هذا المجموع في منزله{[14393]} قرآناً حرفياً وقرآناً كلمياً اسمياً وقرآناً كلامياً تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم : " اسم الله{[14394]} الأعظم في هاتين الآيتين : { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم }{[14395]} [ البقرة : 163 ] ، { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } " وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع به الإفصاح{[14396]} في سورة آل عمران كذلك{[14397]} وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة ليصير منزلاً واحداً بما أفصح مضمون كل سورة بإلاحة الأخرى ، فلذلك هما{[14398]} غمامتان وغيايتان{[14399]} على قارئهما يوم القيامة كما تقدم لا تفترقان{[14400]} ، فأعظم { الم } هو مضمون { الم } الذي افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت به سورة البقرة ، ويليه في الرتبة ما افتتحت به{[14401]} سور{[14402]} الآيات نحو قوله سبحانه وتعالى{ الم تلك آيات الكتاب الحكيم }{[14403]}[ لقمان : 2 ] فللكتاب الحكيم إحاطة قواماً وتماماً ووصلة ، ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك ، وإحاطة الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة{[14404]} افتتاح هذه السورة ؛ وكذلك أيضاً اللواميم{[14405]} محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم{[14406]} ، وإحاطة{[14407]} الحواميم من دون إحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما يتضح تراتبه{[14408]} وعلمه لمن{[14409]} آتاه الله فهماً بمنزلة قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة{[14410]} دون سائر الأمم{[14411]} ، الذي هو من العلم الأزلي العلوي ؛ ثم قال : ولما كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه " الله " الذي هو مسمى التسعة والتسعين أسماء التي أولها { إله } كان ما أفهمه أول الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى إحاطات الحروف على نحو إحاطة{[14412]} اسمه " الله " في الأسماء ، فكانت هذه الألف مسمى{[14413]} كل ألف كما كان اسمه{[14414]} { الله } سبحانه وتعالى مسمى{[14415]} كل اسم سواه حتى أنه مسمى{[14416]} سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع الألسن كلها مع أسماء العربية أسماء لمسمى{[14417]} هو هذا الاسم العظيم الذي هو { الله } الأحد{[14418]} الذي لم يتطرق إليه شرك ، كما تطرق{[14419]} إلى أسمائه من اسمه{[14420]} { إله } إلى غايه اسمه " الصبور " وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة حرفية وسائر الألفات أسماء لعظيم{[14421]} إحاطتة ؛ كذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى{[14422]} هذا الألف كذلك سائر الميمات اسم لمسمى{[14423]} هذا الميم ، كما أن اسمه { الحي القيوم } أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته ؛ وكذلك{[14424]} هذا اللام بمنزلة ألفه وميمه ، وهي لام الإلهية الذي{[14425]} أسراره لطيف{[14426]} التنزل إلى تمام ميم قيوميته ؛ فمن لم ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم في قوله : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ، فهو قرآن حرفي يفصله{[14427]} قرآن كلمي يفصله{[14428]} قرآن{[14429]} كلامي انتهى .

فقوله : { الله } أي الذي آمن به الرسول وأتباعه{[14430]} بما له من الإحاطة بصفات الكمال{[14431]} { لا إله إلا هو }{[14432]} أي متوحد لا كفوء له فقد فاز{[14433]} قصدكم إليه بالرغبة وتعويلكم{[14434]} عليه في المسألة . قال الحرالي : فما أعلن به هذا الاسم العظيم أي{[14435]} الله في هذه الفاتحة هو ما{[14436]} استعلن به في قوله تعالى :{ قل هو الله أحد }[ الإخلاص : 1 ] ، ولما كان إحاطة العظمة أمراً خاصاً لأن العظمة إزار الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة أهل العلم اسمه " الله الصمد " الذي يعنى اليه بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن عنه : أين الله ؟ فيقول : في السماء ، إلى حد{[14437]} علو أن يقول : فوق العرش ، فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه { إله } الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام ، فلذلك نضم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى{[14438]} هو من اسمه العظيم " الله " ، ورجع عليه باسم المضمر الذي{[14439]} هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيباً{[14440]} في بواطنها فتقول فيه : هو ، فكان هذا الخطاب مبدوءاً{[14441]} بالاسم العظيم المظهر منتهياً{[14442]} إلى الاسم المضمر ، كما كان خطاب{[14443]} { قل هو الله أحد }[ الإخلاص : 1 ] مبدوءاً بالاسم المضمر منتهياً إلى الاسم العظيم المظهر ، وكذلك أيضاً اسم الله الأعظم في سورة { قل هو الله أحد }{[14444]} [ الإخلاص : 1 ] كما هو في هذه{[14445]} الفاتحة .

ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام{[14446]} لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان القوام البادي آيته{[14447]} هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك ؛ انتهى ولما كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا يموت قال : { الحي } أي الحياة الحقيقية التي{[14448]} لا موت معها . ولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير{[14449]} لعجزه عن الكفاية{[14450]} بنفسه في جميع الأعمال قال : { القيوم * } إعلاماً بأن به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء . قال الحرالي : فكما أن الحياة{[14451]} بنفخة من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته انتهى .

وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه ، وحث على مراقبته{[14452]} بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة اليه . ولما كان من معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل{[14453]} به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك ، وهو الكتاب المذكور في قوله :{ بما أنزل إليه من ربه }[ البقرة : 285 ] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله :{ بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك }[ البقرة : 4 ] وفي آخرها بقوله{[14454]} { وكتبه ورسله }[ البقرة : 285 ] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار{[14455]} المرفوعة عنا ، ثم شرح بعده أمر{[14456]} التصوير في الأحشاء ، وذلك لأن المصالح قسمان : روحانية وجسمانية ، وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو للروح كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق{[14457]} ، وأشرف{[14458]} المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية{[14459]} في أحسن هيئة ، وقدم الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف .


[14332]:لم نظفر بنسخة م من هنا إلى آخر سورة الأنعام. ومن هذه السورة ابتدأ تصحيح زميلنا السيد محمد عمران العمرى الأعظمى حامل شهادة أفضل العلماء من جامعة مدارس بالهند، وقد انتهى تصحيح فضيلة الشيخ محمد عبد الحميد شيخ الجامعة النظامية إلى نهاية سورة البقرة.
[14333]:ن، وفي الأصل: المنفرد.
[14334]:من ظ، وفي الأصل: رحمته اتحاد.
[14335]:ن ظ، وفي الأصل: رحمته اتحاد.
[14336]:زيد بعده في ظ: أي.
[14337]:ي ظ: الإيمان.
[14338]:ن ظ، وفي الأصل: وطن.
[14339]:ن ظ، وفي الأصل: والاصار.
[14340]:العبارة المحجوزة زيدت من ظ.
[14341]:قع في الأصل: يتعطف إليه ـ كذا، والتصحيح من ظ.
[14342]:قع في الأصل: يتعطف إليه ـ كذا، والتصحيح من ظ.
[14343]:ن ظ، وفي الأصل: كثيرا.
[14344]:ن ظ، وفي الأصل: ظهرا.
[14345]:في ظ: المقصد.
[14346]:من ظ، وفي الأصل: مرجعان.
[14347]:ورة 3 آية 18.
[14348]:ن ظ، وفي الأصل: للذين.
[14349]:من ظ، وفي الأصل: حا.
[14350]:من ظ، وفي الأصل: مجازيا.
[14351]:زيد من ظ.
[14352]:وفي تفسير روح المعاني 1/515: ووجه مناسبتها (أي البقرة) لتلك السورة أن كثيرا من مجملاتها تشرح وفي بما في هذه بمنزلة إزالة الشبهة، ولهذا تكرر فيها ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب من إنزال الكتاب وتصديقه للكتب قبله والهدى إلى الصراط المستقيم ..... وألطف من ذلك أنه افتتح البقرة بقصة آدم وخلقه من تراب ولا أم وذكر في هذه نظيره في الخلق من غير أب وهو عيسى، ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور وهو أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل وهذه كالفرع والتتمة لها فاختصت بالأغرب.
[14353]:سورة 2 آية 21.
[14354]:من ظ، ووقع في الأصل: السنة ـ كذا مصحفا.
[14355]:في الأصل: فعبره، والتصحيح من ظ.
[14356]:في الأصل: فسميتها، والتصحيح من ظ.
[14357]:في ظ: فأنه.
[14358]:من ظ، وفي الأصل: خاصته.
[14359]:في الأصل وظ: لزهادة ـ كذا.
[14360]:من ظ، وفي الأصل: المتجلى.
[14361]:من ظ، وفي الأصل: لتغيب.
[14362]:ي ظ: تعجيب.
[14363]:من ظ، وفي الأصل: السايل.
[14364]:في الأصل: الشفعات، والتصحيح من ظ.
[14365]:ن ظ، وفي الأصل: وأنهم.
[14366]:من ظ، وفي الأصل: يصدقهم.
[14367]:في ظ: أو.
[14368]:سقط من ظ.
[14369]:في ظ: ووجه.
[14370]:ي ظ: انزل.
[14371]:ن ظ، وفي الأصل: مخفية.
[14372]:ي الأصل: عبادة، والتصحيح من ظ.
[14373]:ي الأصل: المنزل، والتصحيح من ظ، ولكن زيد فيه بعده: و.
[14374]:من ظ، وفي الأصل: على.
[14375]:يد في الأصل: حي، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفتها.
[14376]:زيد في الأصل "و" ولم تكن في ظ فحذفتها.
[14377]:قطت من ظ.
[14378]:قطت من ظ.
[14379]:ليس في ظ.
[14380]:ن ظ، وفي الأصل: رضى.
[14381]:من ظ، وفي الأصل: معنى.
[14382]:من ظ، وفي الأصل: مضنا.
[14383]:من ظ، وفي الأصل: نوار ـ كذا.
[14384]:من ظ، وفي الأصل: الكواكب.
[14385]:العبارة المحجوز ة زيدت من ظ.
[14386]:من ظ، وفي الأصل: اللفن.
[14387]:من ظ، وفي الأصل: علته.
[14388]:من ظ، وفي الأصل: لما.
[14389]:من ظ، وفي الأصل: ووصله.
[14390]:من ظ، وفي الأصل: حاطة.
[14391]:في ظ: غيب.
[14392]:ن ظ، وفي الأصل: فكذلك.
[14393]:ن ظ، وفي الأصل: منزلة.
[14394]:زيد من ظ.
[14395]:سورة 2 آية 163.
[14396]:من ظ، وفي الأصل: الافصاح ـ كذا.
[14397]:ن ظ، وفي الأصل: لذلك.
[14398]:في الأصل: عمامتان وعمامتان، والتصحيح من ظ ولكن فيه: غيابتان ـ مكان: غيايتان؛ راجع النهاية (غيا).
[14399]:ي الأصل: عمامتان وعمامتان، والتصحيح من ظ ولكن فيه: غيابتان ـ مكان: غيايتان؛ راجع النهاية (غيا).
[14400]:ن ظ، وفي الأصل: لا يفترقان.
[14401]:في ظ: غيب.
[14402]:ي ظ: سورة.
[14403]:سورة 31 آية 2.
[14404]:قط من ظ.
[14405]:من ظ، وفي الأصل: الحواميم.
[14406]:من ظ، وفي الأصل: الخواتيم.
[14407]:في ظ: إحاطات.
[14408]:في ظ: ترائية.
[14409]:من ظ، وفي الأصل: مما.
[14410]:من ظ، وفي الأصل: الآية.
[14411]:من ظ، وفي الأصل: الآي.
[14412]:يد من ظ.
[14413]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[14414]:من ظ، وفي الأصل: اسم.
[14415]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[14416]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[14417]:من ظ، وفي الأصل: المسمى.
[14418]:ن ظ، وفي الأصل: احد.
[14419]:في ظ: لأسمائه من أسماء.
[14420]:ي ظ: لأسمائه من أسماء.
[14421]:ن ظ، وفي الأصل: العظيم.
[14422]:ن ظ، وفي الأصل: لمنتهى.
[14423]:من ظ، وفي الأصل: لمنتهى.
[14424]:من ظ، وفي الأصل: ولذلك.
[14425]:في ظ: أسراه لطف.
[14426]:ي ظ: أسراه لطف.
[14427]:- من ظ، وفي الأصل: مفصلة
[14428]:في ظ: أسراه لطف.
[14429]:من ظ، وفي الأصل: قراة.
[14430]:قطت من ظ.
[14431]:سقطت من ظ.
[14432]:قطت من ظ.
[14433]:يد من ظ.
[14434]:ي الأصل وظ: تقويلكم.
[14435]:زيد من ظ.
[14436]:من ظ، وفي الأصل: مما.
[14437]:في ظ: عد.
[14438]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[14439]:من ظ. وفي الأصل: إليه.
[14440]:من ظ، وفي الأصل: عيبا.
[14441]:من ظ، وفي الأصل: مبداوه.
[14442]:من ظ، وفي الأصل: منبها.
[14443]:من ظ، وفي الأصل: الخطاب.
[14444]:زيد ما بين الحاحزين من ظ.
[14445]:زيد ما بين الحاحزين من ظ.
[14446]:. زيد ما بين الحاحزين من ظ
[14447]:من ظ، وفي الأصل: انيه ـ كذا.
[14448]:في الأصل: الذي، والتصحيح من ظ.
[14449]:من ظ، وفي الأصل: وزيره.
[14450]:في الأصل: الكتابة، والتصحيح من ظ.
[14451]:في ظ: الحيوان.
[14452]:من ظ، وفي الأصل: امرافينه ـ كذا.
[14453]:من ظ، وفي الأصل: وجارتها من ظ، وفي الأصل: أفضل.
[14454]:زيد من ظ.
[14455]:في ظ: الاذصار ـ كذا.
[14456]:من ظ، وفي الأصل: لهذا.
[14457]:من ظ، وفي الأصل: الخلائق.
[14458]:في ظ: ولشرف.
[14459]:من ظ، وفي الأصل: النيه ـ كذا.