تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (152)

تحُسونهم : تستأصلونهم بالقتل .

فشلتم : ضعفتم .

ليبتليكم : ليختبركم .

في هذه الآية الكريمة والتي بعدها تصوير للمعركة ، وعرض كامل لمشهدها ، ولتداول النصر والهزيمة فيها ، ثم ما تبعها من فرار . ومع ذلك التصوير توجيهات قرآنية ، وتربية وتعليم بأسلوب قرآني حكيم .

« { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } . ما زال الكلام والخطاب مع الأصحاب الذين كانوا في أُحد . . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) قد وعدهم النصر يومئذ إن امتثلوا أمره . وقد وفى الله لهم بما قاله على لسان نبيه ، ذلك أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أقام الرماة عند الجبل صيانة لمؤخرة المسلمين ، وأوصاهم أن لا يبرحوا مكانهم ، حتى ولو رأوا العدو تتخطفه الطير ، ووعدهم النصر بهذا الشرط . وكان الرماة خمسين رجلاً .

ولما ابتدأت المعركة شرع الرماة يرشقون المشركين ، وبقية الأصحاب يضربونهم بالسيوف ، وقتلوهم قتلاً ذريعاً ، حتى انهزموا ، وهذا معنى { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } ، أي : تقتلونهم بأمر الله . وفي تفسير ابن جرير الطبري والمراغي وغيرهما أن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين المعروف بكبش الكتيبة قام فقال : يا معشر أصحاب محمد ، إنكم تزعمون أن الله يعجّلنا بسيوفكم إلى النار ، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة ، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة ، أو يعجلني بسيفه إلى النار ؟ . فقام إليه علي بن أبي طالب ( ع ) وضربه فقطع رِجله . وسقط ، فانكشفت عورته ، فقال طلحة لعلي : أنشدك الله والرحم يا ابن عم . . فتركه علي ( ع ) وكبّر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال لعلي أصحابُه : ما منعك أن تجهز عليه ؟ . قال : ناشدني الله والرحم . . هذا هو عليٌّ في خلقه ، يفيض قلبه بالحنان والرحمة ، حتى على أعدى أعدائه الذي برز له شاهراً السيف في وجهه مصمماً على قتاله وقتله .

{ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } . بعد أن ولى المشركون الدبر- وكانوا ثلاثة آلاف مشرك- امتلأ الوادي بما خلفوه من الغنائم . وحين رآها الرماة ، وإخوانهم المسلمون ينتهبونها دونهم عصَف بهم ريح الطمع ، واختلفوا فيما بينهم ، وقال بعضهم : ما بقاؤنا هنا ؟ وتجاهلوا وصية النبي وتشديده عليهم بالبقاء . فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير : امكثوا ولا تخالفوا أمر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . . ولكن أكثرهم غادروا مواقعهم هابطين إلى انتهاب الأسلاب والأموال ، وتركوا أميرهم عبد الله في نفر دون العشرة ، وإلى هذا التنازع والعصيان يشير قوله تعالى : { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ } . أما قوله : { مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } فيشير إلى انهزام المشركين وغنائمهم .

وكان خالد بن الوليد يحارب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع أبي سفيان ، وحين رأى مؤخرة المسلمين مكشوفة بعد أن أخلاها الرماة اغتنم الفرصة ، وانقضّ مع جماعة من المشركين على البقية الباقية من الرماة ، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة ، حتى استشهدوا جميعاً ، وخلا ظهر المسلمين ، ورجع المشركون إلى الميدان ، وأحاطوا بالمسلمين من الخلف والأمام ، وأكثروا فيهم القتل والجراح ، ودارت الدائرة عليهم بعد أن كانت لهم . . وهذه النتيجة الحتمية للتنازع والتخاصم .

{ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } . وهم الرماة الذين تركوا مقاعدهم طمعاً بالغنيمة . { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة } . وهم الذين ثبتوا مكانهم مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى نالوا الشهادة . { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } . أي ردكم عن الكفار بعد أن نصركم عليهم بسبب تنازعكم وعصيانكم . { لِيَبْتَلِيَكُمْ } . أي : عاملكم معاملة من يمتحنكم ليظهر ثباتكم على الإيمان ، وصبركم على الشدائد ، ويميز بين المخلصين والمنافقين . { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } . وكثيراً ما يخطئ الإنسان عن طيش ، ثم يؤوب إلى رشده ، فيعفو الله عما سلف منه ، أما من عاد فينتقم الله منه .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (152)

{ ولقد صدقكم الله وعده } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المسلمين عن الله بالنصر فنصرهم الله أولا ، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد أمر الرماة أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا فلما رأوا المشركين قد انهزموا طمعوا في الغنيمة وأتبعوهم وخالفوا ما أمروا به من الثبوت في مكانهم فانقلبت الهزيمة على المسلمين .

{ إذ تحسونهم } أي : تقتلونهم قتلا ذريعا يعني في أول الأمر .

{ وتنازعتم } وقع النزاع بين الرماة فثبت بعضهم كما أمروا ولم يثبت بعضهم .

{ وعصيتم } أي : خالفتم ما أمرتم به من الثبوت ، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين وإن كان المخالف بعضهم وعظا للجميع ، وسترا على من فعل ذلك وجواب إذ محذوف تقديره : لانهزمتم .

{ منكم من يريد الدنيا } الذين حرصوا على الغنيمة معه .

{ ليبتليكم } معناه لينزل بكم ما نزل من القتل والتمحيص .

{ ولقد عفا عنكم } إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم لولا عفو الله عنهم ، فمعناه لقد أبقى عليكم ، وقيل : هو عفو عن الذنب .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (152)

ولما كانت السين في { سنلقي } مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى ، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة{[19419]} مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفاً على قوله :{ بلى إن تصبروا وتتقوا }[ آل عمران : 125 ] ، مصرحاً بما لوح إليه تقديراً قبل{ ولقد نصركم الله ببدر }[ آل عمران : 123 ] كما مضى - : { ولقد صدقكم الله وعده } أي{[19420]} في قوله{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم }[ آل عمران : 120 ] { إذ تحسونهم } أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم { بإذنه } فإن الحسن بالفتح{[19421]} : القتل والاستئصال - قاله في القاموس . ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون{[19422]} رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحس : { حتى إذا فشلتم } أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي ، فكيف{[19423]} بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي ! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم{[19424]} - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر :

هلا سألت الخيل{[19425]} يا ابنة مالك{[19426]} *** إن كنت جاهلة بما لم تعلمي

إذ لا أزال على رحالة{[19427]} سابح *** نهد تعاوره{[19428]} الكماة مكلم{[19429]}

طوراً يعرض للطعان وتارة *** يأوي إلى حصد القسي عرمرم

يخبرك من شهد الوقيعة أنني *** أغشى{[19430]} الوغى وأعفّ عند المغنم

وقال يفاخر{[19431]} بقومه كلهم :{[19432]}إنا إذا حمس{[19433]} الوغى نروي القنا *** ونعف{[19434]} عند مقاسم الأنفال

ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال : { وتنازعتم } أي بالاختلاف ، وأصله من نزع بعض{[19435]} شيئاً من يد بعض { في الأمر } أي أمر الثغر المأمور بحفظه { وعصيتم } أي وقع العصيان بينكم بتضييع الثغر . وأثبت الجار تصويراً للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء ، وتبشيراً{[19436]} بزوالها{[19437]} فقال : { من بعد ما أراكم ما تحبون } أي من حسهم بالسيوف وهزيمتهم .

ولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللاً للعصيان بقوله : { منكم من يريد الدنيا } أي قد أغضى{[19438]} عن معايبها{[19439]} التي أجلاها{[19440]} فناؤها . ولما كان حكم الباقين غير معين للفهم{[19441]} من هذه الجملة قال : { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الثابتون{[19442]} في مراكزهم ، لم يعرجوا على الدنيا .

ولما كان التقدير جواباً لإذا : سلطهم عليكم ، عطف عليه قوله : { ثم صرفكم عنهم } أي لاندهاشكم{[19443]} إتيانهم إليكم من ورائكم{[19444]} ، وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة بعد ما رأوا{[19445]} من النصرة { ليبتليكم } أي يفعل في ذلك فعل من{[19446]} يريد الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء . ولما كان اختباره تعالى بعصيانهم{[19447]} شديد الإزعاج للقلوب عطف على قوله { صرفكم } { ولقد عفا عنكم } أي تفضلاً عليكم لإيمانكم { والله } الذي له الكمال كله { ذو فضل على المؤمنين * } أي كافة ، وهو من الإظهار في موضع الإضمار للتعميم{[19448]} وتعليق الحكم بالوصف .


[19419]:في مد: الواقعة.
[19420]:سقط من مد.
[19421]:زيدت الواو بعده في الأصل وظ، ولم تكن في مد فحذفناها.
[19422]:من ظ ومد، وفي الًأصل: ليكونوا.
[19423]:من ظ ومد، وفي الًأصل: فيكف.
[19424]:من مد وديوانه، وفي الأصل وظ: بنت مالك.
[19425]:من مد وديوانه، وفي الأصل وظ: إذا.
[19426]:من مد وديوانه، وفي الأصل وظ: بنت.
[19427]:في ظ: راحاله ـ كذا.
[19428]:في ظ: يعاوره.
[19429]:من ظ ومد وديوانه، وفي الأًصل: تتكلم.
[19430]:من مد وديوانه، وفي الأصل: أغثى، وفي ظ: أعنى ـ كذا.
[19431]:في ظ: تفاخر.
[19432]:في ظ: إلا.
[19433]:في الأصول: خمس.
[19434]:من مد، وفي الأصل وظ: نغمر.
[19435]:سقط من ظ.
[19436]:من مد، وفي الأصل وظ: تيسيرا.
[19437]:في ظ: بزولها.
[19438]:في ظ: أعصى.
[19439]:من ظ ومد، وفي الًأصل: معاينها ـ كذا.
[19440]:زيد بعده في ظ: عضوا نفى ذلك معللا للعصيان بقوله.
[19441]:من مد، وفي الأصل وظ: الفهم,
[19442]:من ظ ومد، وفي الًأصل: التايبون.
[19443]:من مد، ولعله مطاوعة: أدهش، وفي الأصل: لاندهالكم، وفي ظ: لاندهامكم.
[19444]:زيد من مد.
[19445]:في ظ: أراد.
[19446]:من مد، وفي الأصل وظ: ما.
[19447]:من ظ ومد، وفي الأصل: بعصيانكم..
[19448]:في ظ: للتعظيم.