تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (28)

يقوم الإسلام على أصول ثلاثة هي : توحيد الله بالعبادة ، والإقرار برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بالبعث والنشور . هذه هي أصول الدين عند الله ، بعث بها كلَّ نبي ، وطلبها في كل كتاب ، وأرسل محمداً عليه الصلاة والسلام يجدّدها في القلوب ، ويحييها في النفوس .

والعبادة الكاملة هي الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر .

على هذا درج القرآن يوقظ العقول ، وينبّه الناس إلى هذه الأصول . فهو يُوجّه الأنظار على الدوام إلى الأدلة الكونية الدالة على حقيقة الدعوة ، واستبعاد أن يكفر إنسان ذو عقل بها ، بعد ثبوتها في الأنفس والآفاق : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله . . } إن حالكم تثير العجب ! كيف تكفرون أيها المشركون والجاحدون ولا توجد شبهة تعتمدون عليها في كفركم ؟ إنكم لو نظرتم في أنفسكم ، وعرفتم كيف كنتم وإلى أين سترجعون ، لأفقتم من غفلتكم هذه .

لقد كنتم أمواتا في حالة العدم ، فخلقكم الله ووهبكم هذه الحياة ، جاعلاً إياكم في أحسن تقويم . ثم إنه تعالى يعيدكم أمواتا ، ثم يعيدكم أحياء للحساب والجزاء يوم القيامة ، إنّكم إليه لا إلى غيره تعودون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (28)

" كيف " سؤال عن الحال ، وهي اسم في موضع نصب ب " تكفرون " ، وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة ، لأن فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف ، واختير لها الفتح لخفته ، أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة .

فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله ؟ فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد أشركوا ، لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله . ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد . وقيل : " كيف " لفظه لفظ الاستفهام وليس به ، بل هو تقرير وتوبيخ ، أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه قال الواسطي : وبخهم بهذا غاية التوبيخ ، لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء ، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية .

قوله تعالى : " وكنتم أمواتا " هذه الواو واو الحال ، وقد مضمرة . قال الزجاج : التقدير وقد كنتم ، ثم حذفت قد . وقال الفراء : " أمواتا " خبر " كنتم " .

" فأحياكم ثم يميتكم " هذا وقف التمام ، كذا قال أبو حاتم . ثم قال : " ثم يحييكم " . واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين ، وكم من موتة وحياة للإنسان ؟ فقال ابن عباس وابن مسعود : أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم - أي خلقكم - ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم ، ثم يحييكم يوم القيامة . قال ابن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية ، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما ، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ، ثم للإحياء في الدنيا ، ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها . قال غيره : والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا . وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا . وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذر ، ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم . وقيل : كنتم أمواتا - أي نطفا - في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم ، ثم يميتكم بعده هذه الحياة ، ثم يحييكم في القبر للمسألة ، ثم يميتكم في القبر ، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر ، وهي الحياة التي ليس بعدها موت .

قلت : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات ، وثلاث إحياءات . وكونهم موتى في ظهر آدم ، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات . وقد قيل : إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم ، فيكون على هذا خمس موتات ، وخمس إحياءات . وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار ، لحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أهل النار الذي هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذِن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ) . فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية{[392]} . أخرجه مسلم .

قلت : فقوله ( فأماتهم الله ) حقيقة في الموت ؛ لأنه أكده بالمصدر ، وذلك تكريما لهم . وقيل : يجوز أن يكون ( أماتهم ) عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم ، ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة ، والأول أصح . وقد أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا ، وإنما هو على الحقيقة ، ومثله : " وكلم الله موسى تكليما " [ النساء : 164 ] على ما يأتي بيانه{[393]} إن شاء الله تعالى . وقيل : المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم ، ثم يميتكم فيموت ذكركم ، ثم يحييكم للبعث .

قوله تعالى : " ثم إليه ترجعون " أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم . وقيل : إلى الحياة وإلى المسألة ، كما قال تعالى : " كما بدأنا أول خلق نعيده{[394]} " [ الأنبياء : 104 ] فإعادتهم كابتدائهم ، فهو رجوع . و " تُرجَعون " قراءة الجماعة . ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وابن محيصن وسلام بن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت .


[392]:الذي في صحيح مسلم: ".. قد كان بالبادية". والضبائر: هم الجماعات في تفرقة، واحدتها ضبارة، مثل عمارة وعمائر، وكل مجتمع ضبارة. والحبة (بالكسر): بذور البقل: وقيل وهو نبت صغير ينبت في الحشيش؛ فأما الحبة (بالفتح) فهي الحنطة والشعير ونحوهما. وحميل السيل: هو ما يجيء به السيل من الغثاء.
[393]:راجع ج 6 ص 18.
[394]:مراجع ج 11 ص 348.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (28)

أما إعراب قوله تعالى : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ( يتضمن السؤال في قوله ( كيف ( توبيخا للكافرين وتقريعا لهم جزاء كفرهم بالله ، أما الكفر بالله المذكور في هذه الآية فهو يشمل النكران لوجوده سبحانه ، وكذلك الجحود لأنعمه والجنوح عن صراطه إلى المحارم والموبقات ، فليس بالضرورة أن يكون الكافر منكرا لوجود الله ، مع أن ذلك يشكل غاية الكفران والجحد ، وإنما يكون كافرا من عرف الله ومال عن صراطه ودينه ، واتبع شرائع البشر أيا كانت هذه الشرائع لما يتصوره هذا المائل الجاحد أن شرائع الإسلام لا تصلح ، أو نحو ذلك من وجوه الكفر ، فإن معرفة الله متجردة وحدها لا تغني صاحبها شيئا إذا لم تقترن هذه المعرفة باليقين القاطع بصدق شريعة الله وبصلوحها للعالمين مع الإعراض عن الخطايا والموبقات والمحظورات .

قوله : ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ( ورد في بيان هذا الجزء من الآية جملة أقوال لعل أصولها : أن يكون المقصود هو الأمانة مرتين والإحياء مرتين ، أما الموتة الأولى : فهي حين كان الناس غير مخلوقين بعد ، فإن أي إنسان من قبل أن يخلق لهو في عداد الموتى الذين لا يملكون حياة ولا انتشارا ولا تأثيرا ، قال سبحانه في مثل هذا المعنى : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ( وقوله كذلك في آية أخرى : ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ( هذه هي الموتة الأولى .

أما الموتة الثانية فهي معلومة ذاتها التي تحيق بالإنسان بعد حياة فإذا هو ميت وهي عاقبة محتومة سيفضي إليها كل كائن ، طال الأجل أم قصر ، ( إنك ميت وإنهم ميتون ( فتلكما موتتان .

أما الإحياء مرتين ، فإن أولاهما : هذه التي يحياها الإنسان بعد أن يخلق ليدب على الأرض كادحا فترة من زمان إلى أن يقضي ، وبعدها يظل برفاته حبيس الرمس راكدا لا يريم إلى فترة لا يدري سوى الله كم من السنين تبلغ ، وبعدها بأذن الله للساعة أن تقوم ، ليبعث الموتى من قبورهم إلى حيث النشر والحساب .

وثانيهما : تلك التي يكون عليها الإنسان بعد بعثه من قبره ليعود حيا على التمام وليلاقي حظه الحساب المسطور .

فتلكما موتتان : وذلكما إحياءان اثنان ، وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ( .

وقوله : ( ثم إليه ترجعون ( بعد الإحياء الثاني الذي يعقب الموت يساق الناس إلى الله ليروا أعمالهم ، وأصدق ما يجيء في هذا الصدد قوله سبحانه في سورة الزلزلة التي تزلزل لوقعها وشدة تأثيرها النفوس والمشاعر والأبدان وهي تتصور فداحة الموقف العصيب الرهيب في يوم مجلجل مشهود : ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( .