في ذلك اليوم يتمنّى الّذين كفرو وعصَوا الرسول فلم يتّبعوا ما جاء به ، لو يُدفنون في الأرض كما تدفن الأموات ، وتسوّى بهم الأرض . وكما جاء في سورة النبأ { وَيَقُولُ الكافر يا ليتني كُنتُ تُرَاباً } .
{ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } فإنهم يتمنّون أن يكون ترابا ، ولا يكونوا قد كتموا الله وكذبوا أمامه على أنفسهم بإنكارهم شِركهم وضلالهم ، كما وضَح ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام . . { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ . }
قرأ حمزة والكسائي «تَسْوى » بفتح التاء والسين المخففة . وقرأ نافع وابن عامر «تسوى » بفتح التاء وتشديد السين والواو المفتوحتين . والباقون «تسوى » كما هو هنا بضم التاء .
ضمت الواو في " عصوا " . لالتقاء الساكنين ، ويجوز كسرها . وقرأ نافع وابن عامر " تسوى " بفتح التاء والتشديد في السين . وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما خففا السين . والباقون ضموا التاء وخففوا السين ، مبنيا للمفعول والفاعل غير مسمى . والمعنى لو يسوي الله بهم الأرض . أي يجعلهم والأرض سواء . ومعنى آخر : تمنوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم ؛ لأنهم من التراب نقلوا . وعلى القراءة الأولى والثانية فالأرض فاعلة ، والمعنى تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها ؛ قاله قتادة . وقيل : الباء بمعنى على ، أي لو تسوى عليهم أي تنشق فتسوى عليهم ، عن الحسن . فقراءة التشديد على الإدغام ، والتخفيف على حذف التاء . وقيل : إنما تمنوا هذا حين رأوا البهائم تصير ترابا وعلموا أنهم مخلدون في النار ، وهذا معنى قوله تعالى : " ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا " {[4417]} [ النبأ : 40 ] . وقيل : إنما تمنوا هذا حين شهدت هذه الأمة للأنبياء على ما تقدم في " البقرة " عند قوله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " {[4418]} [ البقرة : 143 ] الآية . فتقول الأمم الخالية : إن فيهم الزناة والسراق فلا تقبل شهادتهم فيزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول المشركون : " والله ربنا ما كنا مشركين{[4419]} " [ الأنعام : 23 ] فيختم على أفواههم وتشهد أرجلهم وأيديهم بما كانوا يكسبون ؛ فذلك قوله تعالى : " يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض " يعني تخسف بهم . والله أعلم .
قوله تعالى : " ولا يكتمون الله حديثا " قال الزجاج : قال بعضهم : " ولا يكتمون الله حديثا " مستأنف ؛ لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه . وقال بعضهم : هو معطوف ، والمعنى يود لو أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا ؛ لأنه ظهر كذبهم . وسئل ابن عباس عن هذه الآية ، وعن قوله تعالى : " والله ربنا ما كنا مشركين " فقال : لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا : " والله ربنا ما كنا مشركين " فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثا . وقال الحسن وقتادة : الآخرة مواطن يكون هذا في بعضها وهذا في بعضها . ومعناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا . وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأنعام " {[4420]} إن شاء الله تعالى .
قوله : ( يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ) في ذلك الموقف المخوف المزلزل يتمنى الكفرة والجاحدون لو تسوى بهم الأرض . أي أن يجعلهم الله والأرض سواء . وبعبارة أخرى تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فغاروا وانساحوا فيها . وهو تصوير تتكشف من خلاله حال المشركين والعصاة وهم يصارعون أشد ضروب الويل والمعاناة بدءا بهول الزحام والكربات في المحشر وانتهاء بالتكبكب والانقذاف في الجحيم وما يتخلل ذلك كله من فظاعة التحريق والاصطلاء وغير ذلك من أهوال القيامة وشدائدها{[749]}
قوله : ( ولا يكتمون الله حديثا ) في الواو هنا وجهان : أحدهما العطف على ( تسوى ) فتكون لا زائدة . والثاني : أنها واو الحال ، والجملة في محل نصب حال{[750]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.