ثم بالغَ في قطع طمعهم من العود إلى ملّتهم كما يطلبون ، فقال : إننا نكون كاذبين مفترين على الله إنْ عُدنا إلى ملتكم بعد أن هدانا الله .
ولا ينبغي لنا أن نفعل ذلك بمحض اختيارنا ورغبتنا ، إلا أن يشاء الله وهيهات ذلك ! لأنه ربُّنا ، عليم بمصلحتنا وخيرنا ، ولن يشاء رجوعنا إلى باطلكم . لقد وَسِع كل شيء عِلما ، ومن عِلمه أنَّهُ يهدينا إلى ما يحفظ علينا إيماننا . لقد سلّمنا أمرنا إليه ، وتوكّلنا عليه ، وهو الذي سيحكم بيننا وبين قومنا وهو خير الحاكمين .
قوله تعالى : " قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها " إياس من العود إلى ملتهم . " وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا " قال أبو إسحاق الزجاج : أي إلا بمشيئة الله عز وجل ، قال : وهذا قول أهل السنة ، أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلا أن يشاء الله ذلك . فالاستثناء منقطع . وقيل : الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل ، كما قال : " وما توفيقي إلا بالله{[7262]} " [ هود : 88 ] . والدليل على هذا أن بعده " وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا " . وقيل : هو كقولك ألا أكلمك حتى يبيض الغراب ، وحتى يلج الجمل في سم الخياط . والغراب لا يبيض أبدا ، والجمل لا يلج في سم الخياط{[7263]} .
قوله تعالى : " وسع ربنا كل شيء علما " أي علم ما كان وما يكون . " علما " نصب على التمييز . " وما يكون لنا أن نعود فيها " أي في القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا ، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها . " إلا أن يشاء الله " ردنا إليها . وفيه بعد ؛ لأنه يقال : عاد للقرية ولا يقال عاد في القرية .
قوله تعالى : " على الله توكلنا " أي اعتمدنا . وقد تقدم في غير موضع{[7264]} . " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق " قال قتادة : بعثه الله إلى أمتين : أهل مدين ، وأصحاب الأيكة{[7265]} . قال ابن عباس : وكان شعيب كثير الصلاة ، فلما طال{[7266]} تمادي قومه في كفرهم وغيهم ، ويئس من صلاحهم ، دعا عليهم فقال : " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق " وأنت خير الفاتحين{[7267]} " فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة .
قوله : { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } الافتراء ، الاختلاق والكذب{[1471]} والملة ، معناها الدين والشريعة{[1472]} .
ذلك إقرار كامل من شعيب عليه الصلاة والسلام ببطلان ما سوى ملة الإسلام حيث التوحيد واليقين وتصديق النبين أجمعين ، ومجانبة الشرك والمشركين . إقرار كامل بأن العود إلى ملة الكفر بعد التنجية منها سقوط في ظلام الكفر والضلال وانتكاس إلى ردة الجحد والباطل بعد أن من الله بالتنحية والإنقاذ من هذه الوهدة المظلمة السحيقة .
قوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } أي ما يستقيم لنا وما ينبغي أن نعود في ملتكم –ملة الكفر والباطل- إلا حال مشيئة الله . فإن يشأ الله إضلال أحد أضله . على أن إيراد هذا الاستثناء قد جيء به على سبيل الإيمان المطلق بقدر الله فإن كان قد سبق في علم الله وتقديره العود في ملتهم ؛ فإن حكم الله في ذلك نافذ . ومع ذلك فإن المؤمن المدكر الحريص ، له في كل الأحوال والأوقات بالغ الرجاء والضراعة إلى الله أن يكتبه في زمرة الناجين الآمنين مكره وعذابه .
قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } علما منصوب على التمييز ؛ أي أحاط علم الله بكل شيء فلا يند عن علمه شيء من المعلومات ؛ فهو عليم بما هو كائن وما سيكون سواء في ذلك هداية الناس وضلالهم ، أو ما هم صائرون إليه في كل حال .
قوله : { على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } أي اعتمدنا على الله دون أحد سواه في أن يثبتنا على الحق والإيمان ، وأن يحول بيننا وبين الباطل وأهله ، وأن يدرأ عنا شر الفتن ويعصمنا من البلايا والنقم ، وأن يدفع عنا كذلك ما توعدتمونا به من ظلم الإخراج وفظاعة الإضلال والفتنة .
وبعد أن أيس شعيب من استجابة قومه وأيقن أنهم لا محالة سادرون في الغي والضلال دون انثناء أو رجوع ، عندئذ دعا ربه أن { افتح بيننا وبين قومك بالحق وأنت خير الفاتحين } أي اقض بيننا وبين قومنا المشركين بالحق وهو نصر المحقين وإهلاك المبطلين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.