تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (116)

كان الكلام قبل هذه الآيات في تعداد النعم التي أنعم الله بها على عيسى ، وفي إلهامه للحواريين بالإيمان به وبرسوله ، وفي طلب الحواريين من عيسى إنزال المائدة من السماء ، وبقية القصة ، أما فيه هذه الآيات فنحن أمام أحد مشاهد يوم القيامة ، ذلك اليوم العظيم الذي يُكشَف فيه كل شيء ، على مرأى من الناس جميعا . يومذاك يأتي جواب سيدنا عيسى الصريح بأنه بريء من كل ما افتروا عليه ، وأنه يفوّض الأمر لله العلي القدير .

أُذكر أيها النبي ، ما سيحدث يوم القيامة ، حين يقول الله مخاطبا عيسى ابن مريم على رؤوس الأشهاد : أأنتَ يا عيسى قلتَ للناس اجعلوني أنا وأمي إلَهين ، من دون الله ؟ فيقول عيسى : سبحانك . إنني أنزّهك تنزيهاً تاماً عن أن يكون لك شريك ، ولا يصح لي أن أطلب طلبا ليس لي أدنى حق فيه . ولو كنتُ يا ربّي قلتُ ذلك لعلمتَه سبحانك ، فأنت تعلم خفايا نفسي ، ولا أعلم مايحيط بكل شيء ، أما أنا فلا أعلم شيئاً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (116)

قوله تعالى : " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " اختلف في وقت هذه المقالة ، فقال قتادة وابن جريح وأكثر المفسرين : إنما يقال له هذا يوم القيامة وقال السدي وقطرب : قال له ذلك حين رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت ، واحتجوا بقوله : " إن تعذبهم فإنهم عبادك " [ المائدة : 118 ] فإن " إذ " في كلام العرب لما مضى . والأول أصح ، يدل عليه ما قبله من قوله : " يوم يجمع الله الرسل " [ المائدة : 109 ] الآية وما بعده " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " [ المائدة : 119 ] . وعلى هذا تكون " إذ " بمعنى " إذا " كقوله تعالى : " ولو ترى إذ فزعوا " {[6187]} [ سبأ : 51 ] أي إذا فزعوا وقال أبو النجم :

ثم جزاه الله عني إذ جزى *** جنات عدن في السماوات العلا

يعني إذا جزى وقال الأسود بن جعفر الأزدي :

فالآن إذ هازلتُهُنَّ فإنما *** يقلن ألا لم يَذْهَبِ الشيخُ مَذْهَبَا

يعني إذا هازلتهن فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي لأنه لتحقيق أمره وظهور برهانه كأنه قد وقع . وفي التنزيل " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة{[6188]} " [ الأعراف : 50 ] ومثله كثير وقد تقدم . واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين : أحدهما : أنه سأله عن ذلك توبيخا لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع .

الثاني : قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غيروا بعده ، وادعوا عليه ما لم يقل . فإن قيل : فالنصارى لم يتخذوا مريم إلها فكيف قال ذلك فيهم ؟ فقيل : لما كان من قولهم أنها لم تلد بشرا وإنما ولدت إلها لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضية بمثابة من ولدته ، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له .

قوله تعالى : " قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته " خرج الترمذي عن أبي هريرة قال : تلقى عيسى حجته ولقاه الله في قوله : " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : [ فلقاه الله ] " سبحانك ما يكون لي أن أقوم ما ليس لي بحق " الآية كلها قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين : أحدهما : تنزيها له عما أضيف إليه الثاني خضوعا لعزته وخوفا من سطوته ويقال : إن الله تعالى لما قال لعيسى : " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " أخذته الرعدة من ذلك القول حتى سمع صوت عظامه في نفسه فقال : " سبحانك " ثم قال : " ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " أي أن ادعى لنفسي ما ليس من حقها يعني أنني مربوب ولست برب وعابد ولست بمعبود ثم قال : " إن كنت قلته فقد علمته " فرد ذلك إلى علمه وقد كان الله عالما به أنه لم يقله ولكنه سأله عنه تقريعا لمن اتخذ عيسى إلها . ثم قال : " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك " أي تعلم ما في غبيي ولا أعلم ما في غيبك وقيل : المعنى تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم وقيل : تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه وقيل : تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد وقيل : تعلم سري ولا أعلم سرك لأن السر موضعه النفس وقيل : تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة .

قلت : والمعنى في هذه الأقوال متقارب أي تعلم سري وما انطوى عليه ضميري الذي خلقته ولا أعلم شيئا مما استأثرت به من غيبك وعلمك . " إنك أنت علام الغيوب " ما كان وما يكون وما لم يكن وما هو كائن .


[6187]:راجع ج 14ص 314.
[6188]:راجع ج 7 ص 209.