الأولى : قوله تعالى : " ومن يطع الله والرسول " لما ذكر تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم ، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله . وهذه الآية تفسير قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم{[4607]} " [ الفاتحة :6 - 7 ] وهي المراد في قوله عليه السلام عند موته ( اللهم الرفيق الأعلى ) . وفي البخاري عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة ) كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة{[4608]} شديدة فسمعته يقول : ( مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) فعلمت أنه خير . وقالت طائفة : إنما نزلت هذه الآية لما قال عبدالله بن زيد بن عبدربه الأنصاري - الذي أري الأذان - : يا رسول الله ، إذا مت ومتنا كنت في عليين لا نراك ولا نجتمع بك ، وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية . وذكر مكي عن عبدالله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده ، فعمي مكانه{[4609]} . وحكاه القشري فقال : اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي ، فعمي مكانه . وحكى الثعلبي : أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه ، يعرف في وجهه الحزن ، فقال له : ( يا ثوبان ما غير لونك ) فقال : يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع ، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك ؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ذكره الواحدي عن الكلبي . وأسند عن مسروق قال : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا ، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا ، فأنزل الله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين " . وفي طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلى الله عليه وسلم وعلى آله . " فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم " أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم ، لا أنهم يساوونهم في الدرجة ، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء . وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله ، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول . قال الله تعالى : " ونزعنا ما في صدورهم من غل{[4610]} " [ الأعراف : 43 ] . والصديق فعيل ، المبالغ في الصدق أو في التصديق ، والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقول بلسانه . وقيل : هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق . وقد تقدم في البقرة اشتقاق الصديق{[4611]} ومعنى الشهيد . والمراد هنا بالشهداء عمر وعثمان وعلي ، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين . وقيل " الشهداء " القتلى في سبيل الله . " والصالحين " صالحي أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : واللفظ يعم كل صالح وشهيد ، والله أعلم . والرفق لين الجانب . وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته ، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض . ويجوز " وحسن أولئك رفقاء " . قال الأخفش : " رفيقا " منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء ؛ وقال : انتصب على التمييز فوحد لذلك ، فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا . كما قال تعالى : " ثم نخرجكم طفلا{[4612]} " [ الحج : 5 ] أي نخرج كل واحد منكم طفلا . وقال تعالى : " ينظرون من طرف خفي{[4613]} " [ الشورى :45 ] وينظر معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الرفقاء أربعة ) ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله .
الثانية : في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه ؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون ، ثم ثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة . وأجمع المسلمون على تسمية أبى بكر الصديق رضي الله عنه صديقا ، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا ، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يتقدم بعده أحد . والله أعلم .
قوله تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية عن عائشة قالت : جاء رجل إلى النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله ! إنك لأحب إليّ من نفسي ، وأحب إليّ من أهلي ، وأحب إليّ من ولدي ، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك ، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك . فلم يرد عليه النبي ( ص ) حتى نزلت هذه الآية .
وقيل : نزلت في ثوبان مولى رسول الله ( ص ) وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن فقال له : " يا ثوبان ما غيّر لونك ؟ " فقال : يا رسول الله ما بي ضرّ ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك ، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا فأنزل الله هذه الآية{[785]} . وهي مطمئنة للمؤمنين الذين يمضون في طاعة الله ورسوله الكريم ، فأولئك قد منّ الله عليهم إذ جعلهم في الجنة مع النبيين والصدّيقين والشهداء لا في الدرجة أو المنزلة ولكنهم معهم في دار واحدة ، وهي دار النعيم والخلود ، يستمتعون برؤيتهم وزيارتهم ، فأهل الجنة يتزاورون فيما بينهم بالرغم من تفاوت درجاتهم في الجنة . فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون أو ترون الكوكب الدري الغابر في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات " .
والنبيّون مفردها نبي من النبوة وأصلها النبوءة ثم حذفت الهمزة للتخفيف وهي تعني الإخبار عن طريق الوحي ، ولا يلزم أن يكون النبي رسولا بل يلزم أن يكون الرسول نبيا . فكل رسول نبي قد نيطت به وجيبة التبليغ ، أما النبي غير المكلف بالتبليغ فما أوتي رسالة يبلغها الناس ولكنه متعبد متحنث .
أما الصدّيقون ، فمفردها صدّيق على وزن فعّيل وهو يفيد المبالغة في الصدق والتصديق فضلا عن مزية التحقيق بالفعل لما يقال باللسان .
وأما الشهداء فمردها شهيد وهو من الشهادة بمعنى الحضور . وثمة أقوال في سبب التسمية بالشهيد . فقد قيل إن الملائكة تشهد مقتله ؛ إذ يصاب في المعركة أو غيرها . وقيل إن هذا القتيل لا يموت بل يظل حيا حاضرا على نحو لا نعلمه نحن . وفي قول آخر بأنه سمي بذلك لوقوعه على الشاهدة وهي الأرض وذلك حال إصابته ثم سقوطه عليها .
قوله : ( وحسن أولئك رفيقا ) الرفيق من الرفق وهو اللين . واسم الإشارة ( أولئك ) يعود على النبيين والصدّيقين والشهداء . وقد حسن كل واحد من هؤلاء المذكورين رفيقا فنعمت الصحبة والرفقة مع هؤلاء الأطهار الأبرار . أنها الصحبة المثالية الفضلى يترافق من خلالها المؤمنون المحظوظون مع هذه الفئة المكرمة الممتازة . الفئة التي بلغت من علو الدرجة وعطاء الرحمن ما لم تبلغه بقية البشر . لا جرم أن هؤلاء هم خير البرية ويسعد برفقتهم من كتبت له السعادة في الجنة مع هؤلاء الميامين .
وقوله ( رفيقا ) منصوب على التمييز . وقيل : منصوب على الحال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.