الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا} (93)

فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ومن يقتل " " من " شرط ، وجوابه " فجزاؤه " وسيأتي . واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل ، فقال عطاء والنخعي وغيرهما : هو من قتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ{[4774]} المعد للقطع{[4775]} أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها . وقالت فرقة : المتعمد كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك ، وهذا قول الجمهور .

الثانية : ذكر الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد اختلف العلماء في القول به ، فقال ابن المنذر : أنكر ذلك مالك ، وقال : ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ . وذكره الخطابي أيضا عن مالك وزاد : وأما شبه العمد فلا نعرفه .

قال أبو عمر : أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد ، فمن قتل عندهما بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود . قال أبو عمر : وقال بقولهما جماعة من الصحابة والتابعين . وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله شبه العمد . وقد ذكر عن مالك وقال ابن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين . قال ابن المنذر : وشبه العمد يعمل به عندنا . وممن أثبت شبه العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان الثري وأهل العراق والشافعي ، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما . قلت : وهو الصحيح ؛ فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها{[4776]} ، فلا تستباح إلا بأمرين لا إشكال فيه ، وهذا فيه إشكال ؛ لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد ، فالضرب مقصود والقتل غير مقصود ، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود وتغلظ الدية . وبمثل هذا جاءت السنة ، روى أبو داود من حديث عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها ) . وروى الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العمد قود اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل في عمية{[4777]} بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل ) . وروي أيضا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عقل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه ) . وهذا نص . وقال طاوس في الرجل يصاب في ماء الرميا{[4778]} في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة يودي ولا يقتل به من أجل أنه لا يدرك ، من قاتله . وقال أحمد بن حنبل : العميا هو الأمر الأعمى{[4779]} للعصبية لا تستبين ما وجهه . وقال إسحاق : هذا في تحارج{[4780]} القوم وقتل . بعضهم بعضا . فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس ، ذكره الدارقطني .

مسألة : واختلف القائلون بشبه العمد في الدية المغلظة ، فقال عطاء والشافعي : هي ثلاثون حقة{[4781]} وثلاثون جذعة وأربعون خلفة . وقد روي هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري ، وهو مذهب مالك حيث يقول بشبه العمد ، ومشهور مذهبه أنه لم يقل به إلا في مثل قصة المدلجي بابنه حيث ضربه بالسيف . وقيل : هي مربعة ربع بنات لبون ، وربع حقاق ، وربع جذاع ، وربع بنات مخاض . هذا قول النعمان ويعقوب ، وذكره أبو داود عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي . وقيل : هي مخمسة : عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة ، هذا قول أبي ثور . وقيل : أربعون جذعة إلى بازل عامها وثلاثون حقة ، وثلاثون بنات لبون . وروي عن عثمان بن عفان وبه قال الحسن البصري وطاوس والزهري . وقيل : أربع وثلاثون خلفة إلى بازل عامها ، وثلاث وثلاثون حقة ، وثلاث وثلاثون جذعة ، وبه قال الشعبي والنخعي ، وذكره أبو داود عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي .

الثالثة : واختلفوا فيمن تلزمه دية شبه العمد ، فقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور : هو عليه في ماله . وقال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : هو على العاقلة . قال ابن المنذر : قول الشعبي أصح ؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة .

الرابعة : أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد وأنها في مال الجاني ؛ وقد تقدم ذكرها في " البقرة " {[4782]} . وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة ، واختلفوا فيها في قتل العمد ؛ فكان مالك والشافعي يريان على قاتل العمد الكفارة كما في الخطأ . قال الشافعي : إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى . وقال : إذا شرع السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى ، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ . وقد قيل : إن القاتل عمدا إنما تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل ، فأما إذا قتل قودا فلا كفارة عليه تؤخذ من ماله . وقيل تجب . ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله . وقال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي : لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى . قال ابن المنذر : وكذلك نقول ؛ لأن الكفارات عبادات ولا يجوز التمثيل . وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضا يلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو إجماع ، وليس مع من فرض على القاتل عمدا كفارة حجة من حيث ذكرت .

الخامسة : واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأ ؛ فقالت طائفة : على كل واحد منهم الكفارة ، كذلك قال الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي . وقالت طائفة : عليهم كلهم كفارة واحدة ، هكذا قال أبو ثور ، وحكي ذلك عن الأوزاعي . وفرق الزهري بين العتق والصوم ، فقال في الجماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلا : عليهم كلهم عتق رقبة ، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين .

السادسة : روى النسائي : أخبرنا الحسن بن إسحاق المروزي - ثقة قال : حدثنا خالد بن خداش قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ) . وروي عن عبدالله قال : قال رسول الله : ( أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء ) . وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبدالله بن عباس أنه سأل سائل فقال : يا أبا العباس ، هل للقاتل توبة ؟ فقال له ابن عباس كالمتعجب من مسألته : ماذا تقول ! مرتين أو ثلاثا . ثم قال ابن عباس : ويحك ! أنى{[4783]} له توبة ! سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : ( يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل : تعست ويذهب به إلى النار ) . وعن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما نازلت ربي في شيء ما نازلته{[4784]} في قتل المؤمن فلم يجبني ) .

السابعة : واختلف العلماء في قاتل العمد هل له من توبة ؟ فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال : اختلف فيها أهل الكوفة ، فرحلت فيها إلى ابن عباس ، فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم " هي آخر ما نزل وما نسخها شيء . وروى النسائي عنه قال : سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال : لا . وقرأت عليه الآية التي في الفرقان : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر{[4785]} " [ الفرقان : 68 ] قال : هذه آية مكية نسختها آية مدنية " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزائه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه " .

وروي عن زيد بن ثابت نحوه ، وإن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر ، وفي رواية بثمانية أشهر ، ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت . وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا : هذا مخصص عموم قوله تعالى : " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [ النساء : 48 ] ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل ، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا : التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا . وذهب جماعة من العلماء منهم . عبدالله بن عمر - وهو أيضا مروي عن زيد وابن عباس - إلى أن له توبة . روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة ؟ قال : لا ، إلا النار ، قال : فلما ذهب قال له جلساؤه : أهكذا كنت تفتينا ؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة ، قال : إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا . قال : فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك . وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح ، وإن هذه الآية مخصوصة ، ودليل التخصيص آيات وأخبار . وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن ضبابة{[4786]} ؛ وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة ، فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر ، فقال بنو النجار : والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية ، فأعطوه مائة من الإبل ، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا ؛ وجعل ينشد :

قتلت به فِهرا وحملت عقله *** سُراة بني النجار أرباب فارع{[4787]}

حللتُ به وَتْرِي وأدركت ثورتي *** وكنت إلى الأوثان أول راجع

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أؤمنه في حل ولا حرم ) . وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة . وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين ، ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله : " إن الحسنات يذهبن السيئات{[4788]} " [ هود : 114 ] وقوله تعالى : " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده{[4789]} " [ الشورى : 25 ] وقوله : " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [ النساء : 48 ] . والأخذ بالظاهرين تناقض فلا بد من التخصيص . ثم إن الجمع بين آية " الفرقان " وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض ، وذلك أن يحمل مطلق آية " النساء " على مقيد آية " الفرقان " فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا من تاب ، لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب . وأما الأخبار فكثيرة كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه : ( تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ){[4790]} . رواه الأئمة أخرجه الصحيحان . وكحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي قتل مائة نفس . أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجة في سننه وغيرهما إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة . ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل ، ويقر بأنه قتل عمدا ، ويأتي السلطان الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قودا ، فهذا غير متبع في الآخرة ، والوعيد غير نافذ عليه إجماعا على مقتضى حديث عبادة ، فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى : " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم " ودخله التخصيص بما ذكرنا ، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بينا ، أو تكون محمولة على ما حكي عن ابن عباس أنه قال : متعمدا معناه{[4791]} مستحلا لقتله ، فهذا أيضا يؤول إلى الكفر إجماعا . وقالت جماعة : إن القاتل في المشيئة تاب أو لم يتب ، قاله أبو حنيفة وأصحابه . فإن قيل : إن قوله تعالى : " فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه " دليل على كفره ؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من الإيمان . قلنا : هذا وعيد ، والخلف في الوعيد كرم ؛ كما قال :

وإني متى أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

وقد تقدم . جواب ثان : إن جازاه بذلك ، أي هو أهل لذلك ومستحقه لعظيم ذنبه . نص على هذا أبو مجلز لاحق بن حميد وأبو صالح وغيرهما . وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا وعد الله لعبد ثوابا فهو منجزه وإن أوعد له العقوبة فله المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ) . وفي هذين التأويلين دخل ، أما الأول - فقال القشيري : وفي هذا نظر ؛ لأن كلام الرب لا يقبل الخلف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام ، فهو إذا جائز في الكلام . وأما الثاني : وإن روي أنه مرفوع فقال النحاس : وهذا الوجه الغلط فيه بين ، وقد قال الله عز وجل : " ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا{[4792]} " [ الكهف : 106 ] ولم يقل أحد : إن جازاهم ، وهو خطأ في العربية لأن بعده " وغضب الله عليه " وهو محمول على معنى جازاه . وجواب ثالث : فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصر على الذنب حتى وافى ربه على الكفر بشؤم المعاصي . وذكر هبة الله في كتاب " الناسخ والمنسوخ " أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [ النساء : 48 ] ، وقال : هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا هي محكمة . وفي هذا الذي قال نظر ؛ لأنه موضع عموم وتخصيص لا موضع نسخ ، قاله ابن عطية .

قلت : هذا حسن ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه . وقال النحاس في " معاني القرآن " له : القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه محكم وأنه يجازيه إذا لم يتب ، فإن تاب فقد بين أمره بقوله : " وإني لغفار لمن تاب{[4793]} " [ طه : 82 ] فهذا لا يخرج عنه ، والخلود لا يقتضي الدوام ، قال الله تعالى : " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد{[4794]} " [ الأنبياء : 34 ] الآية . وقال تعالى : " يحسب أن ماله أخلده{[4795]} " [ الهمزة : 3 ] . وقال زهير : ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا{[4796]}

وهذا كله يدل على أن الخلد يطلق على غير معنى التأبيد ، فإن هذا يزول بزوال الدنيا . وكذلك العرب تقول : لأخلدن فلانا في السجن ، والسجن ينقطع ويفنى ، وكذلك المسجون . ومثله قولهم في الدعاء : خلد الله ملكه وأبد أيامه . وقد تقدم{[4797]} هذا كله لفظا ومعنى . والحمد لله .


[4774]:في ط: المحدد.
[4775]:زيادة عن ابن عطية.
[4776]:الأهب (بضمتين جمه الإهاب): الجلد.
[4777]:العمية (بكسر العين والميم وتشديد الياء) أي في حال يعمى أمره ولا يتبين قاتله ولا حال قتله.
[4778]:الرميا: بكسر وتشديد وقصر، بوزن الهجيري من الرمى، مصدر يراد به المبالغة.
[4779]:في ج: العمى.
[4780]:كذا في ج، ط: أي وقعوا في حرج . وفي ي: تخارج.
[4781]:قال أبو داود في صحيحه: "قال أبو عبيدة وغير واحد: إذا دخلت الناقة في السنة الرابعة فهو حق والأنثى حقة، لأنه يستحق أن يحمل عليه ويركب، فإذا دخل في الخامسة فهو جذع وجذعة، فإذا دخل في السادسة وألقى ثنيته فهو ثني، فإذا دخل في السابعة فهو رباع ورباعية، فإذا دخل في الثامنة وألقى السن الذي بعد الرباعية فهو سديس وسدس، فإذا دخل في التاسعة فطرنا به وطلع فهو بازل، فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، ثم ليس له اسم ولكن يقال: بازل عام وبازل عامين، ومخلف عام ومخلف عامين إلى ما زاد. وقال النضر بن شميل: ابنة مخاض لسنة وابنة لبون لسنتين، وحقة لثلاث وجذعة لأربع والثني لخمس ورباع لست وسديس لسبع وبازل لثمان.
[4782]:راجع ج 2 ص 252.
[4783]:في ز: أله توبة؟.
[4784]:نازلت ربي: راجعته وسألته مرة بعد أخرى.
[4785]:راجع ج 13 ص 75.
[4786]:كذا في ج والطبري والعسقلاني. وفي أ، ط، ز، ي وابن عطية: صبابة. وفي القاموس وشرحه: حبابة بالحاء.
[4787]:فارع: حصن بالمدينة.
[4788]:راجع ج 9 ص 108.
[4789]:راجع ج 16 ص 25 و ج 8 ص 250.
[4790]:الحديث أثبتناه كما في صحيح مسلم.
[4791]:من ج، ط، ي، ز.
[4792]:راجع ج 11 ص 64، و ص 229، وص 287.
[4793]:راجع ج 11 ص 64، و ص 229، وص 287.
[4794]:راجع ج 11 ص 64، و ص 229، وص 287.
[4795]:راجع ج 20 ص 184.
[4796]:هذا عجز بيت وصدره: ألا لا أرى على الحوادث باقيا
[4797]:راجع ج 1 ص 241.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا} (93)

قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) وهذه إحدى الجرائم الفظيعة التي يشدد عليها الإسلام ؛ لأنها غاية في البشاعة والنكر ، ولأنها من القواصم الفادحة التي تضطرب بسببها أوضاع الناس فضلا عن إزهاق أرواحهم بغير حق .

إن الاعتداء على الإنسان بإزهاق روحه لهو من أنكر الفوادح والموبقات التي تودي بالفاعل المجرم إلى الدركات السحيقة من عذاب الله ، وهو كذلك مجلبة لغضب الله ولعنته سبحانه ، ليحيقا بالقاتل الأًثيم الذي يتجاسر في اجتراء كنود ظالم على قتل امرئ مؤمن ، لا جرم أن ذلك غاية في النكر والفظاعة ولا غرو ، فقد أعدّ الله لهؤلاء القتلة السفّاحين نارا تلظّى تصطلي بلهيبها جلودهم ليذوقوا وبال أمرهم . وهو عذاب شنيع لا يطاق يتكبكب فيه من تجرأ في صلف وظلم فأودى بحياة امرئ وادع مطمئن .

روى النسائي في سننه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله ( ص ) : " قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وروى أبو داود عن النبي ( ص ) قول : " لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل لأكبّهم الله في النار " .

وأخرج النسائي أيضا بإسناده عن ابن عباس أنه سأله سائل فقال : يا أبا العبّاس هل للقاتل توبة ؟ فقال له ابن عباس كالمتعجّب من مسألته : ماذا تقول ! مرتين أو ثلاثا . ثم قال ابن عباس : ويحك ! وأنّى له توبة ! سمعت نبيّكم ( ص ) يقول : " يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى : رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل : تعست ويذهب به إلى النار " .

والقاتل عمدا فيما إذا كانت له توبة أم لا ، فثمة قولان في هذه المسألة . والقول الأول لجماعة منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وآخرون وهو أن الذي يقتل عمدا ليست له توبة أبدا وأنه خالد في النار . فقد ذكر عن ابن عباس قوله : نزلت هذه الآية ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ) وهي آخر ما نزل ( في حكم القتل ) وما نسخها شيء . وهو كذلك يذهب إلى أن عموم هذه الآية ينفي التوبة عن القاتل عمدا وهو مخصص لعموم قوله تعالى : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) الذي استند إليه المحتجون بإمكانية وقوع التوبة للقاتل عمدا . وقال ابن عباس كذلك أنه يمكن الجمع بين هاتين الآيتين على النحو التالي : التقدير هو : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا . أما القول الثاني فهو لجمهور أهل العلم وهو أن القاتل عمدا له توبة بدليل قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وقوله سبحانه : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) واستندوا أيضا لظاهر قوله تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله النبي ( ص ) : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " وفي مجموع هذه الأدلة ما يرجح القول الثاني وهو أن القاتل العمد إذا تاب وأناب ، وإذا أخلص التوبة في ندم شديد فإن الله جل وعلا يقبل التوبة وذلك الذي نميل إليه .

أما الخلود الوارد في الآية فأفضل التأويل فيه أن يطلق على غير التأييد وأن المقصود به طول المكث .

قوله : ( ومن يقتل ) اسم الشرط وفعله . وجواب الشرط في الجملة الاسمية من قوله تعالى : ( فجزاؤه جهنم ) والفاء مقترنة بجواب الشرط .

وخلاصة القول في صفة القتل العمد أنه ما استعملت فيه آلة وكان مثلها يقتل غالبا على أن يقترن ذلك بقصد القتل . يستوي في ذلك أن يكون القتل بالحديد كالسيف أو الخنجر أو الرمح أو السكّين مادام ذلك يقتل غالبا ، أو أن يكون بالمثقل كالضرب بالحجر الكبير أو إخماد سقف ونحوه وهو من شانه أن يقتل ، أو أن يكون القتل تحريقا بالنار أو تغريقا في الماء فذلك كله ضروب في القتل ؛ لأن من شأنه أن يقتل في الغالب . وهذا هو القتل العمد الذي يستوجب القود إلا أن يعفو ولي القتيل مطلقا أو يعفوا على الدية فقط .

أما إذا وقع القتل بآلة لا تقتل في الغالب كالقذف بحجر صغير أو الضرب بعصا خفية أو العضة أو اللطمة ونحو ذلك فإن القتل في مثل هذه الأحوال يسمّى شبه عمد . وهو أن تجتمع النية لدى القاتل على ضرب القتيل ولكن بآلة لا تقتل غالبا كالمعلم يضرب تلميذه بعصا خفيفة ليؤدّبه ثم يموت فما كان المعلم يقصد بذلك القتل ، وإن قصد أن يضرب تلميذه بالذات . وهذا النوع من القتل يأتي وسطا بين العمد والخطأ فلا هو بالعمد الذي يقع بآلة تقتل في الغالب مقترنا بالنية في قتل الشخص نفسه . وعلى هذا فشبه العمد هو ما كان القصد بضرب الشخص نفسه حاصلا إلا أن الآلة التي حصل بها القتل ليس من شأنها أن تقتل غالبا .

وهذا الصنف من القتل ( شبه العمد ) ذهب إليه كثير من أهل العلم منهم الشعبي والنخعي وقتادة والثوري والحنفية والشافعية وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وقد أنكر ذلك جماعة آخرون منهم الإمام مالك والليث بن سعد . وقيل : إن ذلك قد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين وقد نقل عن الإمام مالك قوله : ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ وأما شبه العمد فلا نعرفه . وذكر عن مالك والليث أن من قتل بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود ( القصاص ) .

والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم وهو أن شبه العمد نوع من القتل متميز فلا هو بالعمد الذي يحققه قصد القتل أو النية المسبقة لذلك ، مع الضرب الذي يقع على شخص معيّن مقصود بآلة تقتل غالبا . ولا هو بالخطأ الذي تحقق فيه النية في القتل بآلة تقتل غالبا لكن القتيل ما كان مقصودا للقاتل بل غيره هو الذي كان مقصودا . وحقيقة شبه العمد ليست على أحد من هذين النوعين من القتل فهو بذلك أخرى أن يأخذ من التسمية ما يجعله مستقلا وذلك من حيث الصورة التي يجيء عليها ومن حيث الحكم الذي يجعله له الشرع .

فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ( ص ) قال : " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " .

وروى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله ( ص ) قال : " العمد قود اليد ، والخطأ عقل لا قود فيه ، ومن قتل في عمّية بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلّظة في أسنان الإبل " والعمية بكسر العين وتشديد الميم المكسورة والياء المفتوحة . ومعناه أن يقع القتل في حال يعمى فيه أمر المقتول فلا يعرف قاتله ولا كيف قتل .

وروى الدارقطني أيضا بإسناده عن عمرو بن شعب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله ( ص ) : " عقل شبه العمد مغلّظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه " .

تلك نصوص تحوي الدليل على صحة ما قاله الجمهور وهو قتل شبه العمد ، وهو قتل يشبه كلا من الخطأ والعمد بعض الشبه ولكنه لا يستوي مع احدهما تمام الاستواء من حيث الصورة والحكم .

أما الذي يتلزم بدفع دية شبه العمد فموضع خلاف . فقد قيل إن الذي يلتزم بذلك هو القائل نفسه فتجب الدية عليه في ماله ، وهو رأي بعض أهل العلم منهم ابن شبرمة وقتادة وأبو ثور . وثمة قول ثان وهو الراجح وهو مذهب الجمهور منهم الشعبي والنخعي والشافعي والثوري وأحمد بن حنبل والحنفية كلهم . فقد ذهب هؤلاء وغيرهم إلى أن دية القتل شبه العمد تجب على عاقلة القاتل وهم أولياؤه الورثة .

وفي تعزيز هذا الرأي وترجيحه ما رواه أبو هريرة عن النبي ( ص ) أنه جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة . وذلك حديث المرأتين اللتين اقتتلتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها ومن في بطنها فقضي النبي فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة وبذلك فإن الدية في قتل الخطأ والديه المغلظة في شبه العمد إنما تجب كل واحدة منهما في مال العاقلة . وذلك على سبيل العون وبذلك المساعدة للقاتل ما دامت فعلته لم تقترن بسوء النية أو القصد المبيت . وعلى هذا فإن النية من حيث وجودها وعدمه لهي الأساس الركين الذي تقوم عليه الأحكام والمقاييس الشرعية ، وهي كذلك الأصل الذي تفترق به القضايا والمسائل لتأخذ أحكاما متفاوتة شتى .

والنية شأنها عظيم فإن ما يتميز الحرام من الحلال أو الخبيث من الطيّب مثلما يتميز الطيبون في مقارفات تساورها البراءة من قصد الأذى والبائقة ، من الأشرار الذين تختلط قلوبهم بالشر المبيّت قبل الفعل أو القول . وليس للطيب عندئذ إلا أن تتحقق له المعاذير لينجو من عقاب الآخرة الشديد ، لكن الخبيث الشرير هو الذي يوجب الشرع أن يحيق به عقاب ملائم في الآخرة جزاء ما قارفت يداه عن سوء في النية والمقصود . وأعظم ما يجيء في هذا الصدد من شواهد السنة الطاهرة هو حديث النبي ( ص ) : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " {[813]} .


[813]:- المبسوط جـ 26 ص 64 والمغني جـ 7 ص 650 والام جـ 8 ص 330 والمحلى جـ 10 ص 384 والنهاية للطوسي ص 734.