الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

قوله تعالى : " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن " " كم " في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله " ألم يروا " لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، وإنما يعمل فيه ما بعده من أجل أن له صدر الكلام . والمعنى : ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك والقرن الأمة من الناس . والجمع القرون ، قال الشاعر :

إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم *** وخلفت في قرن فأنت غريب

فالقرن كله عالم في عصره ، مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن به بعضهم إلى بعض ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير الناس{[6246]} قرني يعني أصحابي{[6247]} ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) هذا أصح ما قيل فيه . وقيل : المعنى من أهل قرن ، فحذف كقوله : " واسأل القرية " [ يوسف : 82 ] . فالقرن على هذا مدة من الزمان ، قيل : ستون عاما وقيل سبعون ، وقيل : ثمانون ، وقيل : مائة ؛ وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة ، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن بسر : " تعيش قرنا " فعاش مائة سنة ، ذكره النحاس . وأصل القرن الشيء الطالع كقرن ما له قرن من الحيوان . " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " خروج من الغيبة إلى الخطاب ، عكسه " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ؛ بهم بريح طيبة{[6248]} " [ يونس : 22 ] . وقال أهل البصرة أخبر عنهم بقوله " ألم يروا " وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه ، ثم خاطبهم معهم ، والعرب تقول : قلت لعبدالله ما أكرمه : وقلت لعبدالله ما أكرمك ، ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال : ما لم نمكن لهم . ويجوز مكنه ومكن له ، فجاء باللغتين جميعا ، أي أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا . " وأرسلنا السماء عليهم مدرارا " يريد المطر الكثير ؛ عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل ، ومنه قوله الشاعر{[6249]} :

إذا سقط السماء بأرض قوم

و " مدرارا " بناء دال على التكثير ، كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ، ومئناث للمرأة التي تلد الإناث ، يقال : در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة . وانتصب " مدارا " على الحال . " وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم " أي من تحت أشجارهم ومنازلهم ، ومنه قوله فرعون : " وهذه الأنهار تجري من تحتي{[6250]} " [ الزخرف : 51 ] والمعنى : وسعنا عليهم النعم فكفروها . " فأهلكناهم بذنوبهم " أي بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم . " وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " أي أوجدنا ، فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضا .


[6246]:في ع: خيركم. وهي رواية في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي.
[6247]:في ك: الصحابة.
[6248]:راجع ج 8 ص 324.
[6249]:هو معود الحكماء – معاوية بن مالك- وفي ك: نزل السماء. وهي رواية : وهذا صدر بيت له، وتمامه: رعيناه وإن كانوا غضابا وسمي معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة: أعود مثلها الحكماء بعدي *** إذا ما الحق في الحدثان نابا
[6250]:راجع ج 16 ص 98 (اللسان).
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

قوله : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } كم ، اسم للعدد في موضع نصب على المفعولية بأهلكنا وليس { يروا } لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما بعده{[1119]} والقرن ، يراد به هنا الجيل من الناس{[1120]} . وهذا تخويف وموعظة من الله للناس عسى أن يكفوا عن الإدبار والجحود ، فتصيخ قلوبهم للحق أو يلينوا لسماع القرآن الحكيم . فقد وعظهم الله وذكرهم بما حل بالأمم السالفة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم من الأمم السابقة الذين أعرضوا عن ملة التوحيد واستكبروا في الأرض بغير الحق فأصابهم من الوبال والخسران ما أصابهم فكانوا عبرة خالدة ماثلة لمن يعتبر .

قوله : { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } أي جعلنا لهم فيها مكانا وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والقدرات ما لم نجعل مثله لكم . أو أعطيناهم وجعلنا لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعل لكم يا أهل مكة .

قوله : { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } المراد بالسماء هنا المطر . وقيل : السحاب . والمدرار على وزن مفعال ، للمبالغة ومعناه المغزار ، كثير الصب .

قوله : { وجعلنا الأنهر تجري من تحتهم } أي من تحت مساكنهم وأشجارهم . والمعنى أن هؤلاء الأقوام السابقين عاشوا في خصب وسعة ورخاء ؛ إذ كانوا في بيوتهم الآمنة المكينة وهم تحف بهم الأنهار والأشجار والثمار فعاشوا آمنين منعمين .

لكنهم لفسقهم وعتوهم وتكذيبهم لرسل الله أخذهم الله بالعذاب البئيس . فحقيق بكم أنتم يا أهل مكة ، وأنتم الأقل منهم حظا والأضعف منهم في الكثرة والسعة في الأموال والأجساد ، أن تتعضوا وترعووا لتثوبوا إلى الحق والامتثال لأمر الله .

قوله : { فأهلكناهم بذنوبهم } الفاء للتعقيب . أي فكفروا فأهلكناهم . والباء للسببية . أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب عتوهم واستكبارهم وما قارفوه من الذنوب والخطايا في حق النبيين والمرسلين ، إذ آذوهم وكذبوهم . فالذنوب سبب لزوال النعم وغير ذلك من وجوه الانتقام .

قوله : { وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين } بعد أن أهلك الله أولئك الظالمين المكذبين أوجد بدلا منهم قوما آخرين . فالله تعالى لا يعجزه أن يهلك مثل هؤلاء المكذبين الجاحدين . وإنما يهلكهم إهلاكا ليأتي بآخرين بدلا منهم ، فاحذروا أنتم يا مشركي مكة أن يحل عليكم من الهلاك ما حاق بالسابقين من قبلكم بسبب جحودهم وتكذيبهم{[1121]} .


[1119]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 314.
[1120]:- المصباح المنير ج 2 ص 158.
[1121]:- روح المعاني ج 7 ص 92-95 وتفسير البيضاوي ص 169 والكشاف ج 2 ص 5.