الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ} (42)

فيه خمس مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وقال للذي ظن " " ظن " هنا بمعنى أيقن ، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين ، قال : إنما ظن يوسف نجاته ؛ لأن العابر يظن ظنا وربك يخلق ما يشاء ، والأول أصح وأشبه بحال الأنبياء ، وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا كان عن وحي ، وإنما يكون ظنا في حكم الناس ، وأما في حق الأنبياء فإن حكمهم حق كيفما وقع . الثانية : قوله تعالى : " اذكرني عند ربك " أي سيدك ، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد رب ، قال الأعشى :

ربي كريمٌ لا يُكَدِّرُ نعمةً *** وإذا تُنُوشِدَ{[9123]} في المَهَارِقِ أَنْشَدَا

أي اذكر ما رأيته ، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك ، وأخبره أني مظلوم محبوس بلا ذنب . وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضئ ربك ، ولا يقل أحدكم ربي ، وليقل : سيدي مولاي ، ولا يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل : فتاي فتاتي غلامي ) . وفي القرآن : " اذكرني عند ربك " " إلى ربك " " إنه ربي أحسن مثواي " [ يوسف : 23 ] أي صاحبي ، يعني العزيز . ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه : قد ربه يربه ، فهو رب له . قال العلماء قول عليه السلام : ( لا يقل أحدكم ) ( وليقل ) من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى ، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم ، ولأنه قد جاء عنه عليه السلام ( أن تلد الأمة ربها ) أي مالكها وسيدها ، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن . وقد قيل : إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين : أحدهما : أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى ، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه ، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه ، وذلك غير جائز . والثاني : أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية ، فيحمله ذلك على سوء الطاعة . وقال ابن شعبان في " الزاهي " : ( لا يقل السيد عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربي ولا ربتي ) وهذا محمول على ما ذكرنا . وقيل : إنما قال صلى الله عليه وسلم ( لا يقل العبد ربي وليقل سيدي ) لأن الرب من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق ، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا ؟ فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح ؛ إذ لا التباس ولا إشكال ، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا الاستعمال كلفظ الرب ، فيحصل الفرق . وقال ابن العربي : يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف عليه السلام .

الثالثة : قوله تعالى : " فأنساه الشيطان ذكر ربه " الضمير في " فأنساه " فيه قولان : أحدهما : أنه عائد إلى يوسف عليه السلام ، أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل ، وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك - حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك - " اذكرني عند ربك " نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به ، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق ، فعقب باللبث . قال عبد العزيز بن عمير الكندي : دخل جبريل على يوسف النبي عليه السلام في السجن فعرفه يوسف ، فقال : يا أخا المنذرين ! مالي أراك بين الخاطئين ؟ ! فقال جبريل عليه السلام : يا طاهر ابن{[9124]} الطاهرين ! يقرئك السلام رب العالمين ويقول : أما استحيت إذ استغثت{[9125]} بالآدميين ؟ ! وعزتي ! لألبثنك في السجن بضع سنين ، فقال : يا جبريل ! أهو عني راض ؟ قال : نعم ! قال : لا أبالي الساعة . وروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطول سجنه ، وقال له : يا يوسف ! من خلصك من القتل من أيدي أخوتك ؟ ! قال : الله تعالى ، قال : فمن أخرجك من الجب ؟ قال : الله تعالى قال : فمن عصمك من الفاحشة ؟ قال : الله تعالى ، قال : فمن صرف عنك كيد النساء ؟ قال : الله تعالى ، قال : فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله ؟ ! قال : يا رب كلمة زلت مني ! أسألك يا إله إبراهيم وإسحاق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن{[9126]} ترحمني ، فقال له جبريل : فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين . وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال : " اذكرني عند ربك " ما لبث في السجن بضع سنين ) . وقال ابن عباس : عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما " اذكرني عند ربك " ولو ذكر يوسف ربه لخلصه . وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا كلمة يوسف - يعني قوله : " اذكرني عند ربك " - ما لبث في السجن ما لبث ) قال : ثم يبكي الحسن ويقول : نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس . وقيل : إن الهاء تعود على الناجي ، فهو الناسي ، أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه ، أي لسيده ، وفيه حذف ، أي أنساه الشيطان ذكره لربه ، وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال : لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن ؛ إذ الناسي غير مؤاخذ . وأجاب أهل القول الأول بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك ، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب ، رد عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى : " وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة " [ يوسف : 45 ] فدل على أن الناسي هو{[9127]} الساقي لا يوسف ، مع قوله تعالى : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان{[9128]} " [ الحجر : 42 ] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان ، وليس له على الأنبياء سلطنة ؟ ! قيل : أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد ، وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلغونه ، فإنهم معصومون فيه ، وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقا ، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم ، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( نسي آدم فنسيت ذريته ) . وقال : ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ) . وقد تقدم .

الرابعة : قوله تعالى : " فلبث في السجن بضع سنين " البضع قطعة من الدهر مختلف فيها ، قال يعقوب عن أبي{[9129]} زيد : يقال بضع وبضع بفتح الباء وكسرها ، قال أكثرهم : ولا يقال بضع ومائة ، وإنما هو إلى التسعين . وقال الهروي : العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع . والبضع والبضعة واحد ، ومعناهما القطعة من العدد . وحكى أبو عبيدة أنه قال : البضع ما دون نصف العقد ، يريد ما بين الواحد إلى أربعة ، وهذا ليس بشيء . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه : ( وكم البضع ) فقال : ما بين الثلاث إلى السبع . فقال : ( اذهب فزائد في الخَطَر ){[9130]} . وعلى هذا أكثر المفسرين ، أن البضع سبع ، حكاه الثعلبي . قال الماوردي : وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقطرب . وقال مجاهد : من ثلاث إلى تسع ، وقاله الأصمعي . ابن عباس : من ثلاث إلى عشرة . وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس . قال الفراء : والبضع لا يذكر العشرة والعشرين إلى التسعين ، ولا يذكر بعد المائة . وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجونا ثلاثة أقاويل : أحدها : سبع سنين ، قاله ابن جريج وقتادة ووهب بن منبه ، قال وهب : أقام أيوب في البلاء سبع سنين ، وأقام يوسف في السجن سبع سنين . الثاني : - اثنتا عشرة سنة ، قاله ابن عباس . الثالث : أربع عشرة سنة ، قاله الضحاك . وقال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس قال : مكث يوسف في السجن خمسا وبضعا . واشتقاقه من بضعت الشيء أي قطعته ، فهو قطعة من العدد ، فعاقب الله يوسف بأن حبس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت ، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله . قال وهب بن منبه : حبس يوسف في السجن سبع سنين ، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين ، وعذب بختنصر بالمسخ سبع سنين . وقال عبدالله بن راشد البصري عن سعيد بن أبي عروبة : إن البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرة سنة .

الخامسة : في هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلا فإن الأمور بيد مسببها ، ولكنه جعلها سلسلة ، وركب بعضها على بعض ، فتحريكها سنة ، والتعويل على المنتهى يقين . والذي يدل على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر ، وهذا بين فتأملوه .


[9123]:ويروى: (يناشد بالمهارق) يقول: إذا نوشد بما في الكتب أجاب، أي إذا سئل أعطى. والمهرق: الصحيفة.
[9124]:من ع.
[9125]:فاستشفعت.
[9126]:في ع و ي: إلا رحمتني.
[9127]:من ع.
[9128]:راجع ج 10 ص 28.
[9129]:كذا في ع و ك. وهو الذي عليه اللسان. وفي ا و ي: ابن زيد.
[9130]:الخطر (بالتحريك): الرهن والحظ والحديث في شأن مراهنة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لقريش على غلبة الروم، وكان المسلمون يحبون غلبة الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وكانت قريش لا تحب ذلك؛ لأنهم وفارس ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، وقد جعل أبو بكر الأجل بينه وبينهم ست سنين على رواية، وثلاث سنين على أخرى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اذهب فزائد في الخطر ومادد في الأجل" وكان ذلك قبل تحريم الرهان. راجع صحيح الترمذي في تفسير أول سورة الروم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ} (42)

ولما كان كل علم بالنسبة إلى علم الله عدماً ، {[41393]} عبر عن{[41394]} علمه بالظن ، {[41395]} ويمكن أن يكون الظن على بابه{[41396]} لكونه قال ما مضى اجتهاداً بقرائن فيؤخذ{[41397]} منه أنه يسوغ الجزم بما أدى إلى ظن ، فقال : { وقال } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { للذي ظن } مع الجزم بأنه أراد به العلم لقوله : { قضى الأمر } ، ويجوز{[41398]} أن يكون ضمير{[41399]} " ظن " للساقي ، فهو حينئذ على بابه { أنه ناج منهما } وهو الساقي { اذكرني عند ربك } أي سيدك ملك مصر ، بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على بعدي مما رُميت{[41400]} به ، والمراد بالرب{[41401]} هنا غير المراد به في قوله :

أرباب متفرقون }[ يوسف :39 ] . فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق{[41402]} ما قال لهما يوسف عليه الصلاة والسلام { فأنساه } أي الساقي { الشيطان } أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة { ذكر } يوسف عليه الصلاة والسلام عند { ربه } أي بسبب اعتماده عليه في ذلك { فلبث } أي يوسف عليه الصلاة والسلام بسبب هذا النسيان { في السجن } من حين دخل إلى أن خرج { بضع سنين * } ليعلم أن جميع الأسباب إنما أثرها بالله تعالى ، وحقيقة البضع من الثلاث إلى التسع ، والمروي{[41403]} هنا أنه كان سبعاً .

ذكر ما مضى من هذه القصة من التوراة

قال بعد ما مضى{[41404]} : فأهبط المدينيون{[41405]} يوسف إلى مصر ، فاشتراه قوطيفر الأمير صاحب شرطة فرعون - رجل مصري - من يد الأعراب الذين أهبطوه إلى هناك{[41406]} ، فكان الرب{[41407]} {[41408]} سبحانه وتعالى{[41409]} بعونه مع{[41410]} يوسف ، وكان رجلاً منجحاً ، وأقام في منزل المصري سيده ، فرأى سيده أن الرب بعونه{[41411]} معه ، وأن الرب ينجح جميع{[41412]} أفعاله ، فظفر يوسف منه برحمة ورأفة فخدمه{[41413]} ، وسلطه على بيته ، وخوله جميع ما له ، ومن{[41414]} اليوم الذي سلطه على بيته وخوله جميع ما له بارك الرب في بيت المصري من أجل يوسف وفي سببه ، فحلَّت بركة الرب في جميع ما له في البيت والحقل ، فخول كل شيء له ، ولم يكن{[41415]} يعلم بشيء مما له في يده لثقته به ما خلا الخبز الذي كان يأكله ، وكان يوسف حسن{[41416]} المنظر صبيح الوجه .

فلما كان بعد هذه الأمور لمحت امرأة سيده{[41417]} بنظرها إلى يوسف فقالت له : ضاجعني : فأبى ذلك وقال لامرأة سيده : إن سيدي{[41418]} لثقته بي ليس يعلم ما في بيته ، وقد سلطني على جميع ما له ، وليس في هذا البيت أعظم مني ، ولم يمنعني شيئاً ما خلاك أنت لأنك امرأته ، فكيف أرتكب هذا الشر العظيم ، فأخطئي بين يدي الله ، وإذ{[41419]} كانت تراوده كل يوم{[41420]} لم يطعها ليضاجعها ويصير{[41421]} معها ، فبينا{[41422]} هو ذات يوم دخل يوسف إلى البيت ليعمل عملاً ، ولم يكن أحد من أهل البيت هناك ، فتعلقت بقميصه وقالت له : ضاجعني ، فترك قميصه في يدها و{[41423]} هرب ، فخرج إلى السوق ، فلما رأت أنه قد ترك قميصه في يدها{[41424]} وخرج هارباً إلى السوق ، دعت بأهل بيتها وقالت لهم : انظروا ، إنه أتانا رجل عبراني ليفضحنا ، لأنه دخل عليّ يريد مضاجعتي ، وهتفت{[41425]} بصوت عال{[41426]} ، فلما رآني قد رفعت صوتي وهتفت ، ترك قميصه في يدي وهرب إلى السوق .

فصيرت قميصه عندها حتى دخل سيدها البيت ، فقالت : له مثل هذه الأقاويل : دخل عليّ{[41427]} هذا العبد العبراني الذي جلبته{[41428]} علينا يريد يفضحني ، فلما رفعت صوتي فصحت ترك قميصه في يدي وهرب فخرج إلى السوق ؛ فلما سمع سيده كلام امرأته استشاط{[41429]} غيظاً ، فأمر به سيده فقذف في الحبس الذي كان أسرى{[41430]} الملك فيه محبوسين فمكث هناك في السجن ، وكان الرب يبصره ، ورزقه المحبة والرحمة ، وألقى له في قلب السجان رحمة ، فولى يوسف جميع المسجونين الذين{[41431]} في الحبس ، وكل فعل كانوا يفعلونه هناك كان عن أمره ، ولم يكن رئيس السجن يضرب على يديه في شيء ، لأن الرب كان بعونه معه ، وكل شيء كان يفعله ينجحه الرب .

{[41432]} فلما كان بعد هذه الأمور ، أذنب صاحب شراب ملك مصر والخباز - وفي نسخة موضع الخباز : ورئيس الطباخين - بين يدي سيدهما ملك مصر ، فغضب فرعون على خادميه : على رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة : الطباخين - فأمر بحبسهما في سجن صاحب الشرط{[41433]} في الحبس الذي كان فيه يوسف ، فسلط صاحب السجن يوسف عليهما فخدمهما ، فلبثا في السجن أياماً ، فرأيا رؤيا جميعاً ، كل واحد{[41434]} منهما رئيا بكل{[41435]} في ليلة واحدة ، وكل واحد منهما أحب تعبير حلمه ، : الساقي وخباز - وفي نسخة : وطباخ - ملك مصر ، فدخل عليهما يوسف بالغداة ، فرآهما عابسين مكتئبين{[41436]} فسألهما وقال : ما بالكما يومكما هذا عابسين مكتئبين{[41437]} ؟ فقالا له : إنا رأينا رؤيا وليس لها معبر ، فقال لهما يوسف : إن علم التعبير عند{[41438]} الله ، قصا عليّ .

فقص رئيس أصحاب الشراب على يوسف وقال له : إني رأيت في الرؤيا كأن حبلة{[41439]} بين يدي ، في الحبلة{[41440]} ثلاثة{[41441]} قضبان ، فبينا هي كذلك إذ فرعت ونبت{[41442]} ورقها ، وأينعت عناقيدها ، فصارت عنباً ، وكأن كأس فرعون في يدي ، فتناولت من العنب ، فعصرته في كأس فرعون ، وناولت الكأس فرعون ، فقال له يوسف عليه السلام : هذا تفسير رؤياك : الثلاثة قضبان{[41443]} هي ثلاثة{[41444]} أيام ، ومن بعد ثلاثة أيام يذكرك فرعون فيردك{[41445]} على عملك ، وتناول فرعون الكأس في يده{[41446]} على العادة{[41447]} الأولى التي لم تزل تسقيه ، فاذكرني حينئذ إذا أنعم عليك ، وأنعم عليّ بالنعمة والقسط ، فاذكرني بين يدي فرعون ، وأخرجني من هذا الحبس ، لأني إنما سرقت من أرض العبرانين سرقة ، وحصلت في الحبس هاهنا أيضاً بلا جرم جاء مني . فرأى رئيس الخبازين - وفي نسخة : الطباخين - أنه قد فسر تفسيراً حسناً فقال ليوسف : رأيت أنا أيضاً في منامي كأن ثلاثة أطباق فيها خبز{[41448]} درمك{[41449]} على رأسي ، وفي الطبق الأعلى من كل مآكل فرعون مما يصنعه الخباز - وفي نسخة : عمل طباخ حاذق - وكان السباع{[41450]} والطير تأكلها من الطبق من فوق رأسي ؛ فأجاب يوسف وقال له : هذا تفسير رؤياك : ثلاثة أطباق هي ثلاثة أيام ، وبعد ثلاثة أيام يأمر فرعون بضرب عنقك وصلبك على خشبة ، ويأكل الطير لحمك .

فلما كان اليوم الثالث - وهو يوم ولاد فرعون - اتخذ فرعون وليمة ، فجمع عبيده وافتقد رئيس أصحاب الشراب{[41451]} ورئيس الخبازين - وفي نسخة : الطباخين - فأمر برد رئيس{[41452]} أصحاب الشراب على موضعه ، وسقى فرعون الكأس كعادته ، وأمر بصلب رئيس الخبازين كالذي فسر لهما يوسف عليهما الصلاة والسلام ، فلم يذكر رئيس{[41453]} أصحاب الشراب يوسف عليه الصلاة والسلام ونسيه .


[41393]:في ظ: غير من.
[41394]:في ظ: غير من.
[41395]:العبارة من هنا إلى "إلى ظن" سقطة من م.
[41396]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما به.
[41397]:في مد: فيوجد.
[41398]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[41399]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الضمير.
[41400]:من م ومد، وفي الأصل: ربيما، وفي ظ: رميتا.
[41401]:في مد: بالحرب- كذا.
[41402]:في ظ: وقف.
[41403]:من أكثر المفسرين- كما في لباب التأويل 3/233.
[41404]:في الأصحاح التاسع والثلاثين من نسخة التوراة التي نداولها.
[41405]:في ظ: المدنيون.
[41406]:في م ومد: هنالك.
[41407]:زيد من ظ و م ومد والتوراة.
[41408]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م ومد والتوراة.
[41409]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م ومد والتوراة.
[41410]:سقط من مد.
[41411]:سقط من مد والتوراة.
[41412]:سقط من مد.
[41413]:في ظ: فخدمة.
[41414]:في مد: في.
[41415]:زيد من ظ و م ومد والتوراة.
[41416]:زيد بعده في الأصل: المنزلة و، وزيد في ظ "و"، ولم تكن الزيادة في م ومد والتوراة فحذفناها.
[41417]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[41418]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[41419]:من م والتوراة، وفي الأصل و ظ ومد: إذا.
[41420]:من م ومد ونص التوراة، وفي الأصل: ولم يضاجعها فيصير، وفي ظ: لم يطاوعها ويصير- كذا.
[41421]:من م ومد ونص التوراة، وفي الأصل: ولم يضاجعها فيصير، وفي ظ: لم يطاوعها ويصير- كذا.
[41422]:في ظ: فبينما.
[41423]:تكرر ما بين الرقمين في مد.
[41424]:تكرر ما بين الرقمين في مد.
[41425]:في مد: هتف.
[41426]:زيد من م ومد والتوراة.
[41427]:زيد بعده في الأصل: مثل، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد والتوراة فحذفناها.
[41428]:في الأصل: خليته على، وفي ظ و م ومد: خليته، وفي التوراة: جئت به.
[41429]:من م ومد، وفي الأصل: استاط، وفي ظ: استاظ؛ وفي التوراة ما يقاربه معنى.
[41430]:من م ومد والتوراة، وفي الأصل و ظ: أسر.
[41431]:و في ظ: الذي.
[41432]:هذه بداية الأصحاح الأربعين.
[41433]:في م ومد: الشرطة.
[41434]:سقط من ظ.
[41435]:زيد من م ومد، وفي التوراة: كل واحد حلمه كل واحد بحسب تعبير حلمه.
[41436]:في ظ: متكيين.
[41437]:في ظ: متكيين.
[41438]:في ظ: على.
[41439]:من البحر 5/308، وفي الأصل و ظ: حيلة، وفي م ومد: حلة، وفي التوراة: كرمة.
[41440]:من م والبحر، وفي الأصل: الحيلة، وفي ظ: الحلية، ولا يتضح في مد.
[41441]:من م ومد والتوراة، وفي الأصل و ظ: ثلاث.
[41442]:في ظ: نبتت.
[41443]:في التوراة: القضبان.
[41444]:في ظ: الثلاثة.
[41445]:زيد من م ومد والتوراة.
[41446]:في م والتوراة: كالعادة.
[41447]:في م والتوراة: كالعادة.
[41448]:زيد من م ومد.
[41449]:الدرمق والدرمك: الدقيق الأبيض.
[41450]:في ظ: السباح.
[41451]:العبارة من هنا إلى "أصحاب الشراب" ساقطة من مد.
[41452]:زيد من م والتوراة.
[41453]:زيد من م والتوراة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ} (42)

قوله تعالى : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } قال يوسف عليه السلام للفتى الذي أيقن ( يوسف ) أنه ناج وأنه سيسقي سيده الملك خمرا : { اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } أي اذكر رأيته هنا وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك ، وأخبره أني مظلوم وأن ما اتهمتموني به افتراء وباطل . { فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } أي أنسى الشيطان الناجي وهو الساقي أن يذكر يوسف لربه وهو سيده الملك ، وقيل : الضمير في { فأنساه } عائد إلى يوسف ؛ أي أنساه الشيطان ذكر ربه ، وهو أن يشكو إلى الله وحده ويتغبث به دون غيره ؛ ويطلب منه العون والفرج ، لكنه بدلا من ذلك استغاث بمخلوق ، ومن أجل زلته هذه عوقب بالبث في السجن بضع سنين . قال ابن عباس في ذلك : عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما : { اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } ولو ذكر يوسف ربه لخلصه .

والراجح القول الأول ، وهو عود الضمير على الناجي ؛ فهو الذي نسي أن يذكر للملك قصة يوسف . ويدل على صوب هذا القول : أن يوسف لا يستحق العقاب باللبث في السجن من أجل النسيان ، فغن الناسي غير مؤاخذ . ويستدل أيضا بقوله تعالى : { وقال الذي نج منهما وادكر بعد أمة } وهذا يدل على أن الناسي هو الساقي وليس يوسف . والله تعالى أعلم .

قوله : { فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } { بضع } ، في العدد ، بكسر الباء ، هو ما بين الثلاث إلى التسع . تقول : بضع سنين ، وبعضة عشر رجلا ، وبعض عشرة امرأة ، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البعض ، فلا تقول : بضع وعشرون{[2248]} .


[2248]:مختار الصحاح ص 54.