الأولى : قوله تعالى : " أما أحدكما فيسقي ربه خمرا " أي قال للساقي : إنك ترد على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام ، وقال للآخر : وأما أنت فتدعى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك ، قال : والله ما رأيت شيئا ، قال : رأيت أو لم تر " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " . وحكى أهل اللغة أن سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد ، كما قال الشاعر{[9118]} :
سَقَى قَوْمِي بني مَجْدٍ وأسْقَى *** نُمَيْراً والقَبَائِلَ من هِلاَلِ
قال النحاس : الذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب ، أو صب الماء في حلقه ومعنى أسقاه جعل له سقيا ، قال الله تعالى : " وأسقيناكم ماء فراتا{[9119]} " [ المرسلات : 27 ]
الثانية : قال علماؤنا : إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حكمها ؟ قلنا : لا يلزمه ، وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي ، وتعبير النبي حكم ، وقد قال : إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته ، فإن قيل : فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال : إني رأيت كأني أعْشَبْتُ ثم أجْدَبْتُ ثم أعْشَبْتُ ثم أجْدَبْتُ ، فقال له عمر : أنت رجل تؤمن ثم تكفر ، ثم تؤمن ثم تكفر ، ثم تموت كافرا ، فقال الرجل : ما رأيت شيئا ، فقال له عمر : قد قضى لك ما قضى لصاحب يوسف ، قلنا : ليست لأحد بعد عمر ؛ لأن عمر كان محدثا{[9120]} ، وكان إذا ظن{[9121]} ظنا كان وإذا تكلم به وقع ، على ما ورد في أخباره ، وهي كثيرة ، منها : أنه دخل عليه رجل فقال له : أظنك كاهنا فكان كما ظن ، خرجه البخاري . ومنها : أنه سأل رجلا عن اسمه فقال له فيه أسماء النار كلها ، فقال له : أدرك أهلك فقد احترقوا ، فكان كما قال : خرجه الموطأ . وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " الحجر{[9122]} " إن شاء الله تعالى .
ولما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهمّ لهما لو علما لمآله إلى الحياة الأبدية والرفعة السرمدية . أقبل على{[41371]} حاجتهما تمكيناً لما ذكره وتأكيداً للذي قرره ، فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له موقع عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير ، فقال : { ياصاحبي السجن } أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في القلب فتتخلص{[41372]} فيه المودة .
ولما كان في الجواب ما يسوء{[41373]} الخباز ، أبهم{[41374]} ليجوّز كل واحد أنه الفائز ، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذراً له في الخروج عن الأليق فقال : { أما أحدكما } وهو الساقي{[41375]} فيخلص ويقرب{[41376]} { فيسقي ربه } أي سيده الذي في خدمته { خمراً } كما كان { وأما الآخر } وهو الخباز .
ولما كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك ، بنى للمفعول قوله : { فيصلب }{[41377]} ويعطب{[41378]} { فتأكل } أي فيتسبب عن صلبه أنه{[41379]} تأكل { الطير من رأسه }{[41380]} والآية من الاحتباك : ذكر ملزوم السلامة والقرب أولاً دليلاً{[41381]} على العطب ثانياً ، وملزوم العطب ثانياً دليلاً على السلامة أولاً ، وسيأتي شرح تعبيره من التوراة ، فكأنه قيل : انظر جيداً ما الذي تقول ! وروى{[41382]} أنهما{[41383]} قالا : ما رأينا شيئاً ، إنما كنا نلعب ، فقال مشيراً بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة الله وسهولة الأمور عليه : { قضي الأمر } وبينه بقوله : { الذي فيه } أي{[41384]} {[41385]} لا في غيره{[41386]} { تستفتيان * } أي تطلبان الإفتاء فيه عملاً بالفتوة ، فسألتما عن تأويله ، وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما ، لم أقله عن جهل ولا غلط . وما أحسن إيلاء هذا العلم الثابت لختم الآية السالفة بنفي العلم عن الأكثر ، والأحد : المختص من المضاف إليه بمبهم له{[41387]} مثل{[41388]} صفة المضاف ، ولا كذلك " البعض {[41389]} " فلا يصدق{[41390]} : رأيت أحد الرجلين - إلا برجل منهما ، بخلاف " بعض " والفتيا : الجواب بحكم المعنى ، وهو غير الجواب بعلته - ذكره الرماني . ولعل رؤيتيهما تشيران{[41391]} إلى ما تشير{[41392]} إليه رؤيا الملك ، فالعصير يشير إلى السنابل الخضر والبقر السمان ، لأنه لا يكون إلا عن فضل ، والخبز - الذي طارت به الأطيار ، وسارت بروح صاحبه الأقدار -يشير إلى اليابسة والعجاف - والله أعلم .
قوله تعالى : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } هذا تأويل رؤيا كل واحد منهما ، قد بينه يوسف عليه السلام . أما الأول وهو الساقي الذي رأى أنه يعصر الخمر : فغنه يرد إلى عمله الذي كان عليه وهو سقي الملك . وأما الآخر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا : فإنه صائر إلى القتل ثم تأكل الطير من رأسه وهو مصلوب { قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } أعملهما يوسف عقب هذا التفسير أنه فرغ من تأويل رؤياهما ، وأن ذلك واقع لا محالة ؛ لأن ( الرؤيا على رجل طائر{[2245]} ما لم تعبر{[2246]} ، فإذا عبرت وقعت ) وهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن معاوية بن حيدة . وفي مسند أبي يعلي عن أنس مرفوعا ( الرؤيا لأول عابر ) {[2247]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.