" أو يأخذهم على تخوف " قال ابن عباس ومجاهد وغيرهم : أي على تنقص من أموالهم ومواشيهم وزروعهم . وكذا قال ابن الأعرابي : أي على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم كلهم . وقال الضحاك : هو من الخوف ، المعنى : يأخذ طائفة ويدع طائفة ، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها . وقال الحسن : " على تخوف " أن يأخذ القرية فتخافه القرية الأخرى ، وهذا هو معنى القول الذي قبله بعينه ، وهما راجعان إلى المعنى الأول ، وأن التخوف التنقص ، تخوفه تنقصه ، وتخوفه الدهر وتخونه - بالفاء والنون – بمعنى ، يقال : تخونني فلان حقي إذا تنقصك . قال ذو الرمة :
لا ، بل هو الشوقُ من دارٍ تخَوَّنها *** مَرًّا سحابٌ ومرًّا بارحٌ تَرِبُ{[9876]}
تخَوَّنَها نزولي وارتحالي{[9877]}
أي تنقص لحمها وشحمها . وقال الهيثم بن عدي : التخوف " بالفاء " التنقص ، لغة لأزد شنوءة . وأنشد :
تخوَّف غدرُهم مالي وأهدى*** سلاسلَ في الحلوق لها صليل
وقال سعيد بن المسيب : بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : يا أيها الناس ، ما تقولون في قول الله عز وجل : " أو يأخذهم على تخوف " فسكت الناس ، فقال شيخ من بني هذيل : هي لغتنا يا أمير المؤمنين ، التخوف التنقص . فخرج رجل فقال : يا فلان ، ما فعل دينك ؟ قال : تخوفته ، أي تنقصته ، فرجع فأخبر عمر فقال عمر : أتعرف العرب ذلك في أشعارهم ؟ قال نعم ، قال شاعرنا أبو كبير{[9878]} الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تَمْكه واكتنازه :
تخوّف الرحلُ منها تامِكًا قَرِدًا *** كما تخوَّف عودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ{[9879]}
فقال عمر : يا أيها الناس ، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم . تَمَك السنام يَتْمِكُ تَمْكًا ، أي طال وارتفع ، فهو تامك . والسفن والمسفن ما يُنجر به الخشب . وقال الليث بن سعد : " على تخوف " على عجل . وقال : على تقريع بما قدموه من ذنوبهم ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا . وقال قتادة : " على تخوف " أن يعاقب أو يتجاوز . " فإن ربكم لرؤوف رحيم " أي لا يعاجل بل يمهل .
فقال تعالى : { أو يأخذهم } أي الله أخذ غضب { على تخوف } منهم من العذاب وتحفظ من أن يقع بهم ما وقع بمن قبلهم من عذاب الاستئصال ، ويجوز أن يراد بما مضى عذاب الاستئصال ، وبهذا الأخذ شيئاً فشيئاً ، فإن التخوف التنقص عند هذيل ، روي أن عمر رضي الله عنه سأل الناس عنها فسكتوا فأجابه شيخ من هذيل بأنه التنقص ، فقال عمر رضي الله عنه : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم ! قال شاعرنا أبو كثير الهذلي يصف ناقة :
تخوف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر رضي الله عنه : أيها الناس ! عليكم بديوانكم لا تضلوا ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهلية ، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم .
ولما كان التقدير : لم يأمنوا ذلك في نفس الأمر ، ولكن جهلهم بالله - لطول أناته وحلمه - غرهم سبب عنه قوله التفاتاً إلى الخطاب استعطافاً : { فإن ربكم } أي المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد { لرءوف } أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة ، وكذا لمن قاطعه أتم مقاطعة ، وإليه أشار بقوله تعالى : { رحيم * } أي فتسبب عن إمهاله لهم في كفرهم وطغيانهم مع القدرة عليهم العلم بأن تركه لمعاجلتهم ما هو إلا لرأفته ورحمته .
ورابعها : ( أو يأخذهم على تخوف ) التخوف من الخوف . وكيفية ذلك : أن لا يأخذهم الله بالعذاب مرة واحدة . بل يخفيهم أولا ، ثم يأخذهم بالعذاب . وذلك أن يأخذ طائفة فتخاف التي تليها ، ثم تظل زمانا طويلا في الخوف والوحشة تنتظر الهلاك .
وقيل : التخوف معناه التنقص . تخوفت الشيء وتخيفته إذا تنقصته . والمراد به هنا : ما يقع في أطراف بلادهم من النقص في الأموال والأنفس والثمرات . ويأخذهم على تخوف أي على تنقص من أنفسهم وأموالهم وأرضهم . كقوله تعالى : ( أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) أي أن الله لا يعاجلهم بالعذاب ؛ بل ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التي تجاورهم حتى يخلص الأمر إليهم فحينئذ يهلكهم{[2537]} .
قوله : ( فإن ربكم لرؤوف رحيم ) ويدل على رحمة الله ورأفته بالعباد : إمهاله إياهم ؛ إذ لا يعاجلهم بالعذاب فيبعث فيهم النبيين هداة مبلغين ليعظوهم ويحذروهم ويبينوا لهم سبيل الهداية والحق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.