الأولى : قوله تعالى : " والله جعل لكم مما خلق ظلالا " ، الظلال : كل ما يستظل به من البيوت والشجر . وقوله : " مما خلق " ، يعم جميع الأشخاص المظلة .
الثانية : قوله تعالى : " أكنانا " ، الأكنان : جمح كن ، وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك ، وهي هنا الغيران في الجبال ، جعلها الله عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون به أو يعتزلون عن الخلق فيها . وفي الصحيح أنه عليه السلام كان في أول أمره يتعبد بغار حراء ويمكث فيه الليالي . . الحديث ، وفي صحيح البخاري ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا ، هاربا من قومه ، فارا بدينه مع صاحبه أبي بكر ، حتى لحقا بغار في جبل ثور ، فمكنا{[10011]} فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما فيه عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِفٌ{[10012]} لَقِنٌ ، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان{[10013]} به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، منحة{[10014]} من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رِسْل ، وهو لبن منحتهما ورَضِيفِهِمَا{[10015]} حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . . . وذكر الحديث . انفراد بإخراجه البخاري .
الثالثة : قوله تعالى : " وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر " ، يعني : القمص ، واحدها سربال . " وسرابيل تقيكم بأسكم " ، يعني : الدروع التي تقي الناس في الحرب ، ومنه قول كعب بن زهير :
شُمُّ العَرَانِينِ أبطالٌ لَبُوسُهُم *** من نسج داود في الهيجا سرابيلُ
الرابعة : إن قال قائل : كيف قال " وجعل لكم من الجبال أكنانا " ، ولم يذكر السهل ، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد ، فذكر لهم نعمه التي تختص بهم كما خصهم بذكر الصوف وغيره ، ولم يذكر القطن والكتان ولا الثلج – كما تقدم- ؛ فإنه لم يكن ببلادهم{[10016]} ، قال معناه عطاء الخراساني وغيره ، وأيضا : فذكر أحدهما يدل على الآخر ، ومنه قول الشاعر :
وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا *** أريدُ الخير أيهما يَليني
ألخير الذي أنا أبتغيه *** أم الشر الذي هو يبتغيني
الخامسة : قال العلماء : في قوله تعالى : " وسرابيل تقيكم بأسكم " ، دليل على اتخاذ العباد عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء ، وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم تقاة الجراحة وإن كان يطلب الشهادة ، وليس للعبد{[10017]} أن يطلبها بأن يستسلم للحتوف وللطعن بالسنان وللضرب بالسيوف ، ولكنه يلبس لأمة{[10018]} حرب لتكون له قوة على قتال عدوه ، ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ويفعل الله بعد ما يشاء .
السادسة : قوله تعالى : " كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون " ، قرأ ابن محيصن وحميد : " تتم " ، بتاءين ، " نعمته " ، رفعا على أنها الفاعل . الباقون : " يتم " ، بضم الياء على أن الله هو يتمها . و " تسلمون " ، قراءة ابن عباس وعكرمة . " تسلمون " ، بفتح التاء واللام ، أي : تسلمون من الجراح ، وإسناده ضعيف ، رواه عباد بن العوام عن حنظلة عن شهر عن ابن عباس . الباقون : بضم التاء ، ومعناه تستسلمون وتنقادون إلى معرفة الله وطاعته شكرا على نعمه . قال أبو عبيد : والاختيار قراءة العامة ؛ لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح .
ولما ذكر ما يخصهم ، أتبعه ما يشاركون فيه سائر الحيوانات ، فقال : { والله } ، أي : الذي له الجلال والإكرام ، { جعل لكم } ، أي : من غير حاجة منه سبحانه ، { مما خلق ظلالاً } ، من الأشجار والجبال وغيرها ، { وجعل لكم } ، أي : مع غناه المطلق ، { من الجبال أكناناً } ، جمع كن ، وهو : ما يستكن به - أي : يستتر - من الكهوف ونحوها ، ولو كان الخالق غير مختار لكانت على سنن واحد لا ظلال ولا أكنان ؛ ثم أتبع ذلك ما هداهم إليه عوضاً مما جعله لسائر الحيوان فقال : { وجعل لكم } ، أي : مَنّاً منه عليكم ، { سرابيل } ، أي : ثياباً ، { تقيكم الحر } ، وهي : كل ما لبس من قميص وغيره - كما قال الزجاج .
ولما كانت السرابيل نوعاً واحداً ، لم يكرر " جعل " ، فقال تعالى : { وسرابيل } ، أي : دروعاً ومغافر وغيرها ، { تقيكم بأسكم } ، أضافه إليهم إفهاماً لأنه الحرب ، وذلك كما جعل لبقية الحيوان - من الأصواف ونحوها والأنياب والأظفار ونحوها - ما هو نحو ذلك يمنع من الحر والبرد ، ومن سلاح العدو ، ولم يذكر سبحانه هنا وقاية البرد لتقدمها في قوله تعالى :{ لكم فيها دفء }[ النحل :5 ] . ولما تم ذلك كان كأنه قيل : نبهنا سبحانه بهذا الكلام على تمام نعمة الإيجاد ، فهل بعدها من نعمة ؟ فقال : نعم ! { كذلك } ، أي : كما أتم نعمة الإيجاد عليكم هذا الإتمام العظيم بهذه الأمور ونبهكم عليها ، { يتم نعمته عليكم } في الدنيا والدين بالهداية والبيان لطريق النجاة والمنافع ، والتنبيه على دقائق ذلك بعد جلائله ، { لعلكم تسلمون * } ، أي : ليكون حالكم - بما ترون من كثرة إحسانه بما لا يقدر عليه غيره مع وضوح الأمر ، - حال من يرجى منه إسلام انقياده لربه ، فلا يسكن ولا يتحرك إلا في طاعته .
قوله : ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) ، الظلال ، جمع ظل : وهو كل ما يستظل به من شجرة ونحوها . وقد يستظل كذلك بالغمام أو السحاب{[2581]} .
والظل الرخي الرطيب بفيئة الوارف المرغوب يحتاجه المسافرون والراحلون من مكان إلى آخر في ساعات الهجير حيث استعار الشمس والحرور ، فيدركون عندئذ أن الظل نعمة أيما نعمة . على أن خلْق الظل في ذاته لا جرم دليل على قدرة الصانع ، الذي أوجد في مركبات الطبيعة خواصها ، فجعل فيها الحرارة والبرودة والظل الظليل .
قوله : ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) ، الأكنان ، والأكنة ، جمع ومفرده كنان بالكسر . وهو وقاء كل شيء وستره . واستكن ، استتر . كن الشيء ، أي : ستره وصانه من الشمس . وأكنه في نفسه ؛ أي : أسرّه . والكن بالضم ، بمعنى : الستر . والأكنة : الأغطية{[2582]} . والله يمن على عباده أن جعل لهم من الجبال أماكن يسكنون بها ويستترون ، وذلك كالغيران والكهوف والبيوت المنحوثة . جعلها الله عدة للناس عند الحاجة ، فيأوون إليها ويتحصنون بها من الرياح والمطر والحر ، ويعتزلون بداخلها عن الناس . وها هو رسول رب العالمين ، سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قد أوى إلى كهف في حراء للتحنث{[2583]} ، ثم من بعده في ثور في طريقه مهاجرا إلى مكة .
قوله : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) ، السرابيل ، جمع ومفرده السربال ، وهو القميص المتخذ من القطن أو الكتان أو الصوف . وقد اكتفى بذكر الحر في الآية ؛ لأن العلم بأحد الضدين وهو الحر ، يستلزم العلم بالضد الآخر وهو البرد .
قوله : ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) ، البأس معناه الشدة . والمراد بها ههنا : شدة الطعن والضرب والرمي . والسرابيل التي تدرأ أذى المعتدين عمن يلبسها ، يراد بها : الدروع من الحديد . وهذا يدل على اتخاذ العدة للجهاد للاستعانة بها على قتال الأعداء . ولا مساغ للمسلم أن يستسلم للهوان والطعن والضرب من غير أن يحتاط لنفسه تمام الحيطة ، وأن يتخذ لذلك عدته من لبس لأمة{[2584]} الحرب .
قوله : ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) ، الكاف في اسم الإشارة ، صفة لمصدر محذوف ؛ أي مثل ذلك الإتمام يتم الله نعمته عليكم . فمثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم ؛ فإنه يتم عليكم نعمة الدنيا والدين ، ( لعلكم تسلمون ) بضم التاء ، وهو قول أكثر المفسرين ؛ أي : تخلصون لله الربوبية ، وتستسلمون لأمره ، وتبادرون لطاعته شكرا لنعمه عليكم .