الرابعة عشرة : قوله تعالى : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والعبيد للسادة ، كما أشار إليه سعيد بن المسيب . وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده . والذل : هو اللين . وقراءة الجمهور بضم الذال ، من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذال وذليل . وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير " الذل " بكسر الذال ، ورويت عن عاصم ، من قولهم : دابة ذلول بينة الذل . والذل في الدواب المنقاد السهل دون الصعب . فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة ، في أقواله وسكناته ونظره ، ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب .
الخامسة عشرة : الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته ؛ إذ لم يكن له عليه السلام في ذلك الوقت أبوان . ولم يذكر الذل في قوله تعالى : " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين{[10193]} " [ الشعراء : 215 ] وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده . و " من " في قوله : " من الرحمة " لبيان الجنس ، أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس ، لا بأن يكون ذلك استعمالا . ويصح أن يكون لانتهاء الغاية .
ثم أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم ، وأن ترحمهما كما رحماك وترفق بهما كما رفقا بك ؛ إذ ولِياك صغيرا جاهلا محتاجا فآثراك على أنفسهما ، وأسهرا ليلهما ، وجاعا وأشبعاك ، وتعريا وكسواك ، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت فيه من الصغر ، فتلي منهما ما وليا منك ، ويكون لهما حينئذ فضل التقدم . قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) . وسيأتي في سورة [ مريم ]{[10194]} الكلام على هذا الحديث .
السادسة عشرة : قوله تعالى : " كما ربياني " خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتبعهما في التربية ، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما ، وهذا كله في الأبوين المؤمنين . وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى ، كما تقدم{[10195]} . وذكر عن ابن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - إلى قوله - أصحاب الجحيم " [ التوبة : 113 ] فإذا كان والدا المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا ، إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر ؛ لأن هذا وحده نسخ بالآية المذكورة . وقيل : ليس هذا موضع نسخ ، فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين ، كما تقدم . أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك ، لا رحمة الآخرة ، لا سيما وقد قيل إن قوله : " وقل رب ارحمهما " نزلت في سعد بن أبي وقاص ، فإنه أسلم ، فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة ، فذكر ذلك لسعد فقال : لَتِمْتُ ، فنزلت الآية . وقيل : الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين . والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا ، وقال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح ، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة وإن واحدا فواحدا ، ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه ، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحدا فواحدا ) فقال رجل : يا رسول الله ، وإن ظلماه ؟ قال : ( وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه ) . وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أبي أخذ مالي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل : ( فأتني بأبيك ) فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك : إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه ) فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله ) ؟ فقال : سله يا رسول الله ، هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إيه{[10196]} ، دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك ) ؟ فقال الشيخ : والله يا رسول الله ، ما زال الله عز وجل يزيدنا بك يقينا ، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي . قال : ( قل وأنا أسمع ) قال قلت :
غَذَوْتُكَ{[10197]} مولودا ومُنْتُك{[10198]} يافعًا *** تُعَلّ بما أجني عليك وتنهلُ
إذا ليلة ضافتك{[10199]} بالسقم لم أبت *** لسقمك إلا ساهرا أتَمَلْمَلُ
كأني أنا المطروق دونك بالذي *** طُرِقْتَ به دوني فعيني تَهْمُلُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنها *** لتعلم أن الموت وقت مؤجلُ
فلما بلغت السن والغاية التي *** إليها مدى ما كنت فيك أؤملُ
جعلت جزائي غلظة وفظاظة *** كأنك أنت المنعم المتفضلُ
فليتك إذ لم تَرْعَ حق أبوتي *** فعلت كما الجار المصاقب يفعلُ
فأوليتني حق الجوار ولم تكن *** *** علي بمال دون مالك تبخلُ
قال : فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال : ( أنت ومالك لأبيك ) . قال الطبراني : اللخمي لا يروي - يعني هذا الحديث - عن ابن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد ، وتفرد به عبيد الله بن خلصة . والله أعلم .
{ واخفض لهما } ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل ، استعار لتعطفه عليهما رعياً لحقوقهما قوله تعالى : { جناح الذل } أي جناح ذلّك ، وبين المراد بقوله تعالى : { من الرحمة } أي لا من أجل امتثال الأمر وخوف العار فقط ، بل من أجل الرحمة لهما ، بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وما تقدم لهما من من أجل الرحمة لهما ، بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وما تقدم لهما من الإحسان إليك ، فصارا مفتقرين إليك وقد كنت أفقر خلق الله إليهما ، حتى يصير ذلك خلقاً لازماً لك فإن النفس لأمارة بالسوء ، وإن لم تقد إلى الخير بأنواع الإرغاب والإرهاب والإمعان في النظر في حقائق الأمور وعجائب المقدور ، ولذلك أتبعه قوله تعالى آمراً بأن لا يكتفي برحمته التي لا بقاء لها ، فإن ذلك لا يكافىء حقهما بل يطلب لهما الرحمة الباقية : { وقل رب } أي أيها المحسن إليّ بعطفهما عليّ حتى ربياني وكانا يقدماني على أنفسهما { ارحمهما } بكرمك برحمتك الباقية وجودك كما رحمتهما أنا برحمتي القاصرة مع بخلي وما فيّ من طبع اللوم { كما ربياني } برحمتهما لي { صغيراً * } وهذا مخصوص بالمسلمين بآية { ما كان للنبي } لا منسوخ ، ولقد أبلغ سبحانه في الإيصاء بهما حيث بدأه بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمه في سلكه ، وختمه بالتضرع في نجاتهما ، جزاء على فعلهما وشكراً لهما ، وضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى شيء من امتهانهما ، مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يدخل الصبر إليها في حد الاستطاعة إلا بتدريب كبير .
قوله : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) أما ( الذل ) فالمراد به ههنا السهولة وفرط اللين ؛ أي ابسط لهما جناحك الذليل من فرط رحمتك بهما وعطفك عليهما . والمقصود من ذلك كله المبالغة في التواضع للوالدين ، والشفقة عليهما ، والترفق بهما .
قوله : ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) لم يقتصر على إيجاب البر بالوالدين والإحسان إليهما والنهي عن الإساءة إليهما بأدنى مراتب الإساءة كالتأفيف ؛ بل أمر الوالد أن يدعو لهما في الحياة وفي الممات بالرحمة . وهو قوله : ( ارحمهما ) ولفظ الرحمة جامع لكل أصناف الخير والفضيلة ؛ فالولد مأمور أن يترحم على أبويه وأن يدعو لهما بالخير والغفران والرحمة في حياتها وبعد موتهما . وذلك جزاء ترحمهما وترفقهما به وحدبهما عليه وهو صغير ؛ إذ ربياه في صغره ، وكابدا من صنوف التعب والنصب والإرهاق ما يبدد العافية والأعصاب تبديدا ، وذلك من أجله كيما يكبر ويترعرع فيصير في عداد الأقوياء والنشطاء والمعافين{[2669]} .