الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (58)

فيه تسع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وإذ قلنا ادخلوا " حذفت الألف من " قلنا " لسكونها وسكون الدال بعدها والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل لأنه من يدخل .

الثانية : قوله تعالى : " هذه القرية " أي المدينة سميت بذلك ؛ لأنها تقرت أي اجتمعت ، ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته ، واسم ذلك الماء قرى ( بكسر القاف ) مقصور ، وكذلك ما قري به الضيف قال الجوهري : والمقراة للحوض ، والقري لمسيل الماء ، والقرا للظهر ومنه قوله{[785]} :

لاحقُ بطنٍ بِقِراً سَمِينِ

والمقاري : الجفان الكبار . قال :

عظامُ المقاري ضيفهم لا يُفَزَّعُ

وواحد المقاري مقراة ، وكله بمعنى الجمع غير مهموز ، والقرية ( بكسر القاف ) لغة اليمن ، واختلف في تعيينها فقال الجمهور : هي بيت المقدس وقيل : أريحاء من بيت المقدس . قال عمر بن شبة : كانت قاعدة ومسكن ملوك . ابن كيسان الشام : الضحاك : الرملة والأردن وفلسطين وتدمر . وهذه نعمة أخرى ، وهى أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه .

الثالثة : قوله تعالى : " فكلوا منها حيث شئتم " إباحة .

قوله تعالى : " رغدا " كثيرا واسعا ، وهو نعت لمصدر محذوف أي أكلاً رغداً ، ويجوز أن يكون في موضع الحال على ما تقدم وكانت أرضا مباركة عظيمة الغلة فلذلك قال " رغدا "

الرابعة : قوله تعالى : " وادخلوا الباب سجدا " الباب يجمع أبوابا وقد قالوا : أبوبة للازدواج قال الشاعر{[786]} :

هتَّاكُ أخْبِيَةٍ ولاَّج أبوبةٍ *** يخلط بالبر منه الجِدَّ واللِّينا

ولو أفرده لم يجز . ومثله قول عليه السلام : ( مرحبا بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا ولا ندامى ) وتبوبت بوابا اتخذته . وأبواب مبوبة كما قالوا : أصناف مصنفة . وهذا شيء من بابتك أي يصلح لك . وقد تقدم معنى السجود{[787]} فلا معنى لإعادته والحمد لله .

والباب الذي أمروا بدخول هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم ب " باب حطه " عن مجاهد وغيره . وقيل : باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل و " سجدا " قال ابن عباس : منحنين ركوعا . وقيل : متواضعين خشوعا لا على هيئة متعينة .

الخامسة : قوله تعالى : " وقولوا " عطف على أدخلوا .

قوله تعالى : " حطة " بالرفع قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ أي مسألتنا حطة أو يكون حكاية . قال الأخفش : وقرئت " حطة " بالنصب على معنى احطط عنا ذنوبنا حطة . قال النحاس : الحديث{[788]} عن ابن عباس أنه قيل لهم : قولوا لا إله إلا الله وفي حديث آخر عنه قيل لهم قولوا مغفرة - تفسير للنصب ، أي قولوا شيئا يحط ذنوبكم كما يقال : قل خيرا ، والأئمة من القراء على الرفع . وهو أولى في اللغة لما حكي عن العرب في معنى بدل . قال أحمد بن يحيى : يقال بدلته ، أي غيرته ولم أزل عينه . وأبدلته أزلت عينه وشخصه كما قال :{[789]}

عزل الأمير للأمير المُبْدَلِ

وقال الله عز وجل : " قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله " [ يونس : 15 ] وحديث{[790]} ابن مسعود قالوا " حطة " تفسير على الرفع ، هذا كله قول النحاس وقال الحسن وعكرمة : " حطه " بمعنى حط ذنوبنا ، أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله ليحط بها ذنوبهم . وقال ابن جبير : معناه الاستغفار أبان بن تغلب : التوبة قال الشاعر :

فاز بالحطة التي جعل الل *** ه بها ذنب عبده مغفورا

وقال ابن فارس في المجمل : " حطة " كلمة أمر بها بنو إسرائيل لو قالوها لحطت أوزارهم ، وقاله الجوهري أيضا في الصحاح .

قلت : يحتمل أن يكونوا تعبدوا بهذا اللفظ بعينه ، وهو الظاهر من الحديث . روى مسلم عن أبي هريرة : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قيل لبني إسرائيل أدخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة ) وأخرجه البخاري وقال : ( فبدلوا{[791]} وقالوا حطة حبة في شعرة ) في غير الصحيحين : " حنطة في شعر " وقيل : قالوا : هطا سمهاثا وهي لفظة عبرانية ، تفسيرها : حنطة حمراء ، حكاها ابن قتيبة ، وحكاه الهروي عن السدي ومجاهد ، وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به فعصوا وتمردوا واستهزؤوا فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب . وقال ابن زيد : كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا . وروي أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركعا فدخلوه متوركين على أستاههم والله أعلم .

السادسة : استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها ، فإن كان التعبد وقع بلفظها ، فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه .

وقد اختلف العلماء في هذا المعنى ، فحكي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى ، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله ، وهو قول الجمهور . ومنع ذلك جمع كثير من العلماء منهم ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة . وقال مجاهد : انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه . وكان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التاء والياء ونحو هذا ، وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونا ويعلمون ذلك ولا يغيرونه . وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد قال : قال عمر بن الخطاب من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم . وروى نحوه عن عبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم . وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان ، فإن منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد باللفظ ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق اللفظ .

وذلك هو الأحوط في الدين والأتقى والأولى ، ولكن أكثر العلماء على خلافه . والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة ، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كتبها . وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال : ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم حسبكم المعنى . وقال قتادة عن زرارة بن أوفى : لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فاختلفوا علي في اللفظ واجتمعوا في المعنى ، وكان النخعي والحسن والشعبي رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني . وقال الحسن : إذا أصبت المعنى أجزأك . وقال سفيان الثوري رحمه الله : إذا قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى . وقال وكيع رحمه الله : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس . واتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم ، وذلك هو النقل بالمعنى . وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلقة والمعنى واحد ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي ، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والإلغاء والزيادة والنقصان . وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز بالعربية أولى . احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي وهو الصحيح في الباب .

فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها ) وذكر الحديث . وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه : ( آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ) فقال الرجل : ورسولك الذي أرسلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ونبيك الذي أرسلت ) قالوا : أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال : ( فأداها كما سمعها ) قيل لهم : أما قوله ( فأداها كما سمعها ) فالمراد حكمها لا لفظها لأن اللفظ غير معتد به . ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله : ( فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة ، لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة وذلك أدل على الجواز وأما رده عليه السلام الرجل من قوله : ( ورسولك - إلى قوله - ونبيك ) لأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أمدح ولكل نعت من هذين النعتين موضع . ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي صلى الله عليه وسلم يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام ، وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة . فلما قال : ( ونبيك ) جاء بالنعت الأمدح ثم قيده بالرسالة بقوله : ( الذي أرسلت ) وأيضا فإن نقله من قوله : ( ورسولك - إلى قوله - ونبيك ) ليجمع بين النبوة والرسالة . ومستقبح في الكلام أن تقول : هذا رسول فلان الذي أرسله وهذا قتيل زيد الذي قتله لأنك تجتزئ بقولك : رسول فلان وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول . وإنما يحسن أن تقول : هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أوفي وقعة كذا والله ولي التوفيق .

فإن قيل : إذا جاز للراوي الأول تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأول ويؤدي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق وخفائها . قيل له : الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا فإن عدمت لم يجز . قال ابن العربي : الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية ، وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع قد تغيرت والفهوم قد تباينت والعوائد قد اختلفت وهذا هو الحق والله أعلم .

قال بعض علمائنا : لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله فإن الجواز إذا كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ؛ ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل . نعم ، لو قال : المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب والله أعلم .

السابعة : قوله تعالى : " نغفر لكم خطاياكم " قراءة نافع بالياء مع ضمها وابن عامر بالتاء مع ضمها وهي قراءة مجاهد وقرأها الباقون بالنون مع نصبها وهي أبينها لأن قبلها " وإذ قلنا ادخلوا " فجرى " نغفر " على الأخبار عن الله تعالى ، والتقدير وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر ، ولأن بعده " وسنزيد " بالنون . و " خطاياكم " اتباعا للسواد وأنه على بابه . ووجه من قرأ بالتاء أنه أثبت لتأنيث لفظ الخطايا لأنها جمع خطيئة على التكسير . ووجه القراءة بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين فعله على ما تقدم في قوله : " فتلقى آدم من ربه كلمات " [ البقرة : 37 ] وحسن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن الله تعالى في قوله " وإذ قلنا " لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله تعالى فاستغنى عن النون ورد الفعل إلى الخطايا المغفورة .

الثامنة : واختلف في أصل خطايا جمع خطية بالهمزة فقال الخليل : الأصل في خطايا أن يقول : خطايئ ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول : خطائىء ولا تجتمع همزتان في كلمة ، فأبدلت من الثانية ياء فقلت : خطائي ثم عملت كما عملت في الأول . وقال الفراء : خطايا جمع خطية بلا همزة كما تقول : هدية وهدايا . قال الفراء : ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت خطاءا وقال الكسائي : لو جمعتها مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة كما قلت : دواب .

التاسعة : قوله تعالى : " وسنزيد المحسنين " أي في إحسان من لم يعبد العجل . ويقال : يغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد وسنزيد في إحسان من لم يرفع للغد . ويقال : يغفر خطايا من هو عاص وسيزيد في إحسان من هو محسن أي نزيدهم إحسانا على الإحسان المتقدم عندهم . وهو اسم فاعل من أحسن . والمحسن من صحح عقد توحيده وأحسن سياسة نفسه وأقبل على أداء فرائضه وكفى المسلمين شره . وفي حديث جبريل عليه السلام : ( ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت . . . ) وذكر الحديث . خرجه مسلم .


[785]:هو حميد الأرقط. وصف فرسا بضمور البطن ثم نفى أن يكون ضمره من هزال، فقال: "بقرا سمين". واللاحق الضامر. (عن شرح الشواهد).
[786]:وهو القلاح بن جناب. وقيل: هو ابن مقبل. (عن اللسان)
[787]:راجع ص 345
[788]:في الأصول: 'قال النحاس: جاء الحديث..." والتصويب عن إعراب القرآن للنحاس. و"الحديث" مبتدأ وخبره "تفسير".
[789]:هو أبو النجم. (عن إعراب القرآن للنحاس).
[790]:في الأصل: "والحديث ابن مسعود" والتصويب عن النحاس.
[791]:الزيادة عن صحيح مسلم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (58)

ولما كان كل من ظل{[2512]} الغمام{[2513]} ولزوم طعام واحد غير مألوف لهم {[2514]}مع كونه نعمة دنيوية{[2515]} ، وكان المألوف أحب إلى النفوس تلاه بالتذكير بنعمة مألوفة من الاستظلال بالأبنية والأكل مما يشتهى {[2516]}مقرونة بنعمة دينية{[2517]} . وقال الحرالي : لما ذكر تعالى عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وهو مبتدأ{[2518]} أمر تيههم حين أبوا أن يقاتلوا الجبارين نظم به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام حين دخولهم مع يوشع عليه السلام وما أمروا به من دخول البلد المقدس متذللين بالسجود الذي هو أخص رتب العبادة وكمال عمل العامل ودنو من الحق - انتهى .

فقال تعالى { وإذ قلنا } أي لكم { ادخلوا هذه القرية } إشارة إلى نعمة النصر . قال الحرالي : الدخول الولوج في الشيء بالكلية حساً بالجسم ومعنى بالنظر والرأي ، والقرية{[2519]} من القرى وهو الجمع للمصالح التي بها{[2520]} يحصل قوام الدنيا لقرى أهل الدنيا والتي تجمع مصالح أهل الآخرة ، لقرى أهل الآخرة ، قال عليه السلام : " أُمرت بقرية تأكل القرى{[2521]} " باستيطانها كأنها تستقري القرى تجمعها إليها ، وقد تناوبت الياء والهمزة والواو مع القاف والراء على عام هذا المعنى - انتهى .

وناسب سياق النعم الدلالة على تعقيب نعمة الدخول بالفاء في قوله : { فكلوا منها حيث شئتم } وأتمّ النعمة بقوله { رغداً } {[2522]}موسعاً عليكم طيباً{[2523]} . قال الحرالي{[2524]} : وفيه أي هذا الخطاب تثنية{[2525]} في ذكر الأرض لما تقدم من نحوه لآدم في السماء ، فكان تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان كما كان أمر آدم عليه السلام ، فكأنهم اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي كان من الجن ففسق عن أمر ربه ، فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو أبيهم - انتهى . وأمرهم{[2526]} بالشكر على نعم النصر والإيواء وإدرار الرزق{[2527]} بأمر يسير من القول والفعل ، وقدم الدخول السار للنفوس والسجود الذي هو أقرب مقرب للحضرة الشريفة لأنه في سياق عد النعم{[2528]} على القول المشعر بالذنب فقال { وادخلوا الباب } {[2529]}وهو كما قال الحرالي أول مستفتح الأشياء والأمور المستغلقة حساً أو معنى حال كونكم { سجداً وقولوا }{[2530]}جامعين إلى ندم القلب وخضوع الجوارح الاستغفار باللسان ، ولما كان القول تحكى به الجمل فتكون مفعولاً بها ويعمل في المفرد إذا كان مصدراً أو صفة لمصدر كقلت حقاً أو معبراً به عن جملة كقلت شعراً وما كان على غير هذا كان إسناداً لفظياً لا فائدة فيه{[2531]} غير مجرد الامتثال رفع قوله { حطة }{[2532]} أي عظيمة لذنوبنا .

قال الكشاف : والأصل النصب أي حط عنا ذنوبنا إلاّ أنه رفع ليعطي معنى الثبات{[2533]} . قال الحرالي : من الحط{[2534]} وهو وضع الحمل الثقيل بمُنّة وجمام قوة يكون{[2535]} في الجسم ، والمعنى أمروا بقول ما يحط عنهم ذنوبهم التي عوّقتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من معه من المهاجرين والأنصار بشعب من الشعاب متردداً بين الحرمين الشريفين - يعني في عمرة الحديبية - فقال قولوا : " لا إله إلاّ الله " وعند ذلك دخول الشعب الذي هو باب المدخل من نجد الأرض إلى سهلها " فقالوها{[2536]} ، فقال : والذي نفسي بيده ! إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها فبدلوها " انتهى .

وعبر بنون العظمة في قوله { نغفر لكم } إشارة إلى أنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم كاتخاذ العجل إذا جُبّ بالتوبة ، وفي قراءة من قرأ بالتحتانية والفوقانية مبنياً للمجهول{[2537]} إشارة إلى تحقير الذنوب إذا أراد غفرانها بحيث إنه{[2538]} بأدنى أمر وأدق إشارة بمحوها وهي أقل من أن يباشرها بنفسه المقدسة ، كل ذلك استعطاف إلى التوبة . . والغفر قال الحرالي : ستر الذنب أن يظهر منه{[2539]} أثر{[2540]} على المذنب لا عقوبة ولا ذكر - ثم قال : ففي قراءة { نغفر }{[2541]} تول من الحق ومن هو من حزبه من الملائكة والرسل ، وفي قراءة : تغفر ، إبلاغ أمر خطابهم{[2542]} بما يفهمه التأنيث من نزول القدر ، وفي قراءة الياء توسط بين طرفي ما يفهمه علو قراءة النون ونزول قراءة التاء ، ففي ذلك بجملته إشعار بأن خطاياهم كانت في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم وأحوال أنفسهم ومعاملتهم مع غيرهم من أنبيائهم وأمثالهم حتى جمعت خطاياهم جميع جهات الخطايا الثلاث ، فكأنهم ثلاثة أصناف : صنف بدلوا ، وصنف اقتصدوا{[2543]} ، وصنف أحسنوا فيزيدهم الله ما لا يسعه القول و{ هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان }[ الرحمن : 60 ] انتهى

ولما كان السياق هنا لتعداد النعم حسن أن يعبر عن ذنوبهم بجمع الكثرة فقال { خطاياكم }{[2544]} إشارة إلى أنهم أصروا عليها بحيث كادوا{[2545]} أن يجعلوا بإزاء كل نعمة ذنباً ، والخطايا جمع خطيئة من الخطأ وهو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم{[2546]} الإصابة أو وَدِّ أن لا يخطىء - هكذا قال الحرالي ، والظاهر أن المراد هنا ما كان عن عمد{[2547]} كائناً ما كان ، لأن ذلك أولى بسياق الامتنان والعقوبة بالعصيان .

قال في القاموس : والخطيئة الذنب أو ما{[2548]} تعمد منه والخطأ ما لم يتعمد ، جمعه خطايا ، وقرىء شاذاً : خطيئاتكم ، بالجمع السالم الدال على القلة إشارة إلى أنّها وإن تكاثرت فهي في جنب عفوه قليل ، وهذا بخلاف الأعراف فإن السياق هناك{[2549]} لبيان إسراعهم في الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وناسب عدّ النعم العطف على ما تقدم منها بقوله : { وسنزيد المحسنين * } أي بعد غفران ذنوبهم{[2550]} . قال الحرالي : جمع محسن من الإحسان وهو البلوغ إلى الغاية في حسن العمل ، فيكون مع الخلق رؤية المرء نفسه في غيره فيوصل له من البر ما يجب أن يفعل معه ، ورؤية العبد ربّه في عبادته ، فالإحسان فيما بين العبد وربّه أن يغيب عن نفسه{[2551]} ويرى ربه ، والإحسان فيما بين العبد وغيره أن يغيب عن غيره{[2552]} ويرى نفسه ، فمن رأى نفسه في حاجة الغير ولم ير نفسه في عبادة الرب فهو محسن ، وذلك بلوغ في الطرفين إلى غاية الحسن في العمل بمنزلة الحسن في الصورة - انتهى .


[2512]:ليس في ظ.
[2513]:قال أبو حيان الأندلسي: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من ذكر بني إسرائيل فصولا: منها أمر موسى على نبينا وعليه السلام إياهم بالتوبة إلى الله من مقارفة هذا الذنب العظيم الذي هو عبادة العجل من دون الله وأن مثل هذا الذنب العظيم تقبل التوبة منه، والتلطف بهم في ندائهم بيا قوم، وتنبيههم على علة الظلم الذي كان وباله راجعا عليهم، والإعلام بأن توبتهم بقتل أنفسهم، ثم الإخبار بحصول توبة الله عليهم وأن ذلك كان بسباق رحمته. ثم التوبيخ لهم بسؤالهم ما كان لا ينبغي لهم أن يسألوه وهو رؤية الله عيانا لأنه كان سؤال تعنت؛ ثم ذكر ما ترتب على هذا السؤال من أخذ الصاعقة إياهم، ثم الإنعام عليهم بالبعث وهو من الخوارق العظيمة أن يحي الإنسان في الدنيا بعد أن مات ثم إسعافهم بما سألوه إذ وقعوا في التيه واحتاجوا إلى ما يزيل ضررهم وحاجتهم من لفح الشمس وتغذية أجسادهم بما يصلح لها فظلل عليهم الغمام وهذا من أعظم الأشياء وأكبر المعجزات حيث يسخر العالم العلوي للعالم السفلي على حسب اقتراحه فكان على ما قيل تظلهم بالنهار وتذهب بالليل حتى ينور عليهم القمر، وأنزل عليهم المن والسلوى وهذا من أشرف المأكول إذ جمع بين الغذاء والدواء بما في ذلك من الحلاوة التي في المن والدسم الذي في السلوى الذي في السلوى وهما مقمعا الحرارة ومثير القوة للبدن – وما بقي من الفصول لهذه الآية الكريمة ففي البحر المحيط 1 / 216 راجع إليه.
[2514]:ليست في ظ.
[2515]:ليست في ظ.
[2516]:ليست في ظ.
[2517]:ليست في ظ.
[2518]:في ظ: مبدأ – كذا.
[2519]:الألف واللام في القرية للحضور، وانتصاب القرية على النعت أو على عطف البيان، والقرية هنا بيت المقدس في قول الجمهور - قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة وغيرهم، وقيل أريحا وهو قول ابن عباس أيضا وهي بأرض المقدس وقيل الأردن وقيل فلسطين؛ وقد رجح القول الأول لقوله في المائدة: "ادخلوا الأرض المقدسة".
[2520]:في م: بهما.
[2521]:راجح الصحيح للبخاري 1 / 252.
[2522]:ليست في ظ.
[2523]:ليست في ظ
[2524]:قال أبو حيان: تقدم الكلام على نظير هذه الجملة في قصة آدم في قوله "وكلا منها رغدا حيث شئتما" إلا أن هناك العطف بالواو وهنا بالفاء،وهناك تقديم الرغد على الظرف وهنا تقديم الظرف على الرغد، والمعنى فيهما واحد إلا أن الواو هناك جاءت بمعنى الفاء ويدل عليه ما جاء في الأعراف من قوله "فكلا" بالفاء والقضية واحدة، وأما تقديم الرغد هناك فظاهر فإنه من صفات الأكل أو الآكل فناسب أن يكون قريبا من العامل فيه ولا يؤخر عنه ويفصل بينهما بظرف وإن لم يكن فاصلا مؤثرا المنع لاجتماعهما في المعمولية لعامل واحد، وأما هنا فإنه أخر لمناسبة الفاصلة بعده، ألا ترى أن قوله "فكلوا منها حيث شئتم رغدا" وقوله "وادخلوا الباب سجدا" فهما سجعتان متناسبتان فلهذا والله أعلم كان هذان التركيبان على هذين الوصفين – انتهى كلامه.
[2525]:في مد: تنبيه.
[2526]:فجاءت هذه الجمل في غاية الفصاحة لفظا والبلاغة معنى إذ جمعت الألفاظ المختارة والمعاني كثيرة متعلقا أوائل أواخرها بأواخر أوائلها مع لطف الإخبار عن نفسه، فحيث ذكر النعم صرح بأن ذلك من عنده فقال ثم "بعثناكم" وقال و "وظللنا" "وأنزلنا" وحيث ذكر النقم لم ينسبها إليه تعالى فقال "فأخذتكم الصاعقة" وسر ذلك أنه موضع تعداد النعم فناسب نسبة ذلك إليه يذكرهم آلاءه ولم ينسب النقم إليه وإن كانت منه حقيقة، لأن في نسبتها إليه تخويفا عظيما ربما عادل ذلك الفرح بالنعم، والمقصود انبساط نفوسهم بذكر ما أنعم الله به عليهم وإن كان الكلام قد انطوى على ترغيب وترهيب فالترغيب أغلب عليه.
[2527]:زيد في ظ: و
[2528]:ليس في م.
[2529]:والباب أحد أبواب بيت المقدس ويدعى الآن باب حطة – قاله ابن عباس، أو الثامن من أبواب بيت المقدس ويدعي باب التوبة – قاله مجاهد والسدي، سجدا نصب على الحال من الضمير في أدخلوا، قال ابن عباس: معناه ركعا، وعبر عن الركوع بالسجود كما يعبر عن السجود بالركوع، وقيل معناه خضعا متواضعين، وقيل معناه السجود المعروف من وضع الجبهة على الأرض والمعنى ادخلوا ساجدين شكرا لله تعالى إذ ردهم إليها، وهذا هو ظاهر اللفظ، وليس بمعتذر، لأنه لا يبعد أن أمروا بالدخول وهم ساجدون فيضعون جباههم على الأرض وهم داخلون وتصدق الحال المقارنة بوضع الجبهة على الأرض إذا دخلوا. وقال الزمخشري: أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا. وفي كيفية دخولهم الباب أقوال، قال ابن عباس وعكرمة: دخلوا من قبل أستاههم – من البحر المحيط، والذي ثبت في البخاري ومسلم أنهم دخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وهذا يؤيد تفسير السجود بالمعروف من وضع الجبهة على الأرض فخالفوا عنادا واستكبارا مثل ما كان دأبهم والله أعلم.
[2530]:العبارة من هنا إلى "رفع قوله" ليست في ظ.
[2531]:زيد من م ومد.
[2532]:العبارة من هنا إلى "معنى الثبات" ليست في ظ.
[2533]:في الكشاف: وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله: صبر جميل فكلانا مبتلى والأصل: صبرا – انتهى كلامه.
[2534]:قال أبو حيان: واختلفت أقوال المفسرين في حطة، فقال الحسن: معناها حط عنا ذنوبنا وقال ابن عباس وابن جبير ووهب: أمروا أن يستغفروا وقال عكرمة: معناها لا إلاه إلا الله وقال الضحاك: معناها وقولوا هذا الأمر الحق، وقيل معناه نحن لا نزال تحت حكمك ممتثلون لأمرك كما يقال: قد حططت في فنائك رحلى، والأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولا دالا على التوبة والندم والخضوع حتى لو قالوا: اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان الخضوع حاصلا، لأن المقصود من التوبة إما بالقلب فبالندم وإما باللسان فيذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها؛ هذا موافق لما قال المصنف. قال أبو حيان: والحط الإزالة حططت عنه الخراج أزلته عنه، والنزول حططت – وحكي – بفناء زيد: نزلت به: والنقل من علو إلى سفل ومنه انحطاط القدر – انتهى.
[2535]:في م ومد: تكون.
[2536]:ليس في م.
[2537]:نافع بالياء مضمومة، ابن عامر بالتاء أبو بكر من طريق الجعفي، يغفر الباقون: تغفر فمن قرأ بالياء مضمومة فلأن الخطايا مؤنث ومن قرأ بالياء مفتوحة فالضمير عائد على الله تعالى ويكون من باب الالتفات لأن صدر الآية "وإذ قلنا" ثم قال : يغفر فانتقل من ضمير متكلم معظم نفسه إلى ضمير الغائب المفرد. فالغفر والغفران الستر، والغفيرة المغفرة والغفارة السحاب وما يلبس به سية القوس وخرقة تلبس تحت الخمار ومثله المغفر، والجماء الغفير أي جماعة يستر بعضها بعضا من الكثرة وقول عمر لمن قال له: لم حصبت المسجد؟ هو أغفر للنخامة كل هذا راجع لمعنى الستر والتغطية – البحر المحيط.
[2538]:في م: إنها.
[2539]:ليس في ظ.
[2540]:في م: أمر.
[2541]:في م: تغفر – كذا.
[2542]:من م ومد وظ، وفي الأصل: خطاءهم – خطأ.
[2543]:وفي ظ: اقتصروا.
[2544]:قال أبو حيان: تقدمت أوامر أربعة: ادخلوا، فكلوا، وادخلوا الباب، وقولوا حطة، والظاهر أنه لا يكون جوابا إلا للآخرين وعليه المعنى لأن ترتب الغفران لا يكون على دخول القرية ولا على الأكل منها وغنما يترتب على دخول الباب لتقييده بالحال هي عيادة وهي السجود وبقوله: ويدل على ترتب ذلك عليها ما في الأعراف من قوله تعالى "وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر" والقصة واحد الخطية فعلية من الخطأ والخطأ العدول عن القصد، يقال خطئ الشيء أصابه بغير قصد، وأخطأ إذا تعم وأما خطايا جمع خطية مشددة عند الفراء كهدية وهدايا وجمع خطيئة المهموز عند سيبويه والخليل.
[2545]:في م: نادوا.
[2546]:في ظ: عدم.
[2547]:في م: تعمد.
[2548]:ليس في ظ.
[2549]:في م: هنأ.
[2550]:قال أبو حيان: الإحسان والإنعام والإفضال نظائر، أحسن الرجل أتى بالحسن، وأحسن الشيء أتى به حسنا، وأحسن إلى عمرو أسدى إليه خيرا. والزيادة ارتفاع عن القدر المعلوم وضده النقص "المحسنين" قيل: الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة وقيل: المحسنين منهم، فقيل: معناه من أحسن منهم بعد ذلك زدناه ثوابا درجات، وقيل: من كان محسنا منهم زدنا في إحسانه ومن كان مسيئا مخطئا نغفر له خطيئة، وقيل: المحسنون من دخل كما أمر وقال: لا إله إلا الله. وقال أبو البركات النسفي: إن من كان محسنا منكم كانت تلك الكلمة سببا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة.
[2551]:ليست في م.
[2552]:ليست في م.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (58)

قوله تعالى : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ( .

بعد أن من الله على قوم موسى فأذهب عنهم محنة الضياع في التيه حيث الحيرة والتلجلج والاضطراب بعد ذلك أمرهم الله أن يدخلوا ( هذه القرية ( والقرية من الفعل قرى يقري أي جمع يجمع ، نقول قرى الماء في الحوض أي جمعه فيه ، والمقراة مكان يجتمع فيه الماء وجمعها مقاري وهي الجفان الكبار ومفردها جفنة وهي وعاء واسع لاستيعاب الماء .

وتطلق القرية ويراد بها المدينة ، وقد سميت بالقرية ، لأنها مكان يجتمع فيه الناس ، مثلما نقول قرية النمل مكان اجتماعها ، والقارية الحاضرة الجامعة . {[65]}

على أن المقصود بالقرية هنا موضع خلاف المفسرين ، فقد قيل إنها أريحا وقيل : هي مصر ، وفي قول ثالث : إنها بيت المقدس ، وهو ما يميل إليه أكثر العلماء ، وسواء كان المقصود هذه المدينة أو غيرها من المدن فإن مثل هذا الأمر يعتبر في حكم المنطق والشريعة قد مضى وانقضى ، فهو ليس جزءا من عقيدة التوحيد لا يقبل التغيير أو التطوير ولا هو قاعدة ثابتة في السلوك والأخلاق التي تعتمد القيم الراسخة الأصيلة والتي تظل على الدوام مستقرة لا تتحول . ليس هذا الأمر على شيء من ذلك ولكنه أمر مرحلي قابل للتغيير والتبديل وهو كذلك قابل للتحوير والتطوير بما تقتضيه ملابسات المجتمع ومقتضيات الأعراف والأوضاع والشرائع ، فإذا ما خول الله بني إسرائيل أن يدخلوا القدس في غابر الزمان تحت قيادة منقذهم موسى عليه السلام ، أو يوشع بن نون من بعده فإن مثل هذه المسألة ليس إلا أمرا مرحليا اقتضته ظروف معينة ، وتلك مرحلة من تاريخ بني إسرائيل ليس لها أن تتكرر بالضرورة ، لا بحكم المنطق السليم ، ولا بحكم النبوة الصادقة ، ولا بحكم الدين إذا لم يتخلله تحريف أو خلط أو تزييف ، إنه ليس لهذه المرحلة من تاريخ بني إسرائيل أن تتكرر لمجرد أنها حدثت مرة من زمان ، لأن حدوثها ما كان إلا تنفيذا لأمر من أوامر مرحلية يمكن أن يقع عليها التبديل أو النسخ لتصبح أثرا مسطورا في الكتب من غير مفعول أو تأثير ، فإن من الأولى أن تتغير مثل هذه الأوامر المرحلية التي لا ترتبط بالعقيدة أدنى ارتباط خصوصا إذا علمنا أن ديانة السماء لا تقوم على التعصب للعرق أو الجنس ، كليلا يدعي أحد وهو يتصور تصور الواهمين الحالمين ، أنه ذو انتماء لشعب مفضل مختار خير من شعوب الأرض طرا ، ذلك تصور خاطىء واهم ، وأصدق ما يجيء في هذه المسألة من عدم الاعتداد بالآباء والأجداد الذين مضوا إلى غير رجعة ما قاله الله بني إسرائيل : ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ) .

قوله : ( فكلوا منها حيث شئتم ) كلوا جملة فعلية تتألف من فعل وفاعله ، حيث ظرف مكان مبني على الضم مضاف إلى الجملة الفعلية بعده ، رغدا اسم مصدر منصوب نائب عن المفعول المطلق ( أكلا ) والرغد الرزق الكثير الواسع .

قوله : ( وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ( أمرهم الله لدى وصولهم المدينة أن يدخلوها سجدا ، والمقصود بالسجود هنا يحتمل أحد معنيين وهما : الركوع ، فعلا ، أو الخشوع الوجداني الغامر الذي يقترن بالتواضع عند الدخول ، وكلا الاحتمالين جيد وإن كنت أرجح الأول وهو أنهم أمروا أن يدخلوا باب المدينة ركعا وذلك على سبيل الأخذ بالظاهر والاعتماد على مفهوم السجود الذي يراد به هنا الانثناء على هيئة الركوع .

وفوق أمرهم بالدخول سجدا ، أمرهم الله أن يشفعوا ذلك بقولهم : ( حطة ) وهي خبر مرفوع لمبتدأ محذوف وتقديره : مسألتنا حطة ، وقد اختلف أهل التأويل في المراد بهذه الكلمة ، ويمكن أن نستخلص قولين في المراد بها ، أحدهما : أن الله عز وجل قد تعبد بني إسرائيل بحرفية هذه الكلمة ليغفر لهم خطاياهم ، فإنهم بذلك مأمورون أن يعبدوا ربهم بقولهم حطة ، ليكفر الله عنهم مات اقترفوه من المعاصي والذنوب وهم يخالفون عن أمر نبيهم موسى وأمر ربهم ذي الفضل والمنة عليهم .

ثانيهما : أن كلمة حطة تعني احطط عنا الذنوب فهي بذلك منصوبة باعتبارها اسم مصدر ، وفي تقديرنا أن القول الأول أقرب للصواب ، ذلك أن الله سبحانه قد تعبدهم بقولهم هذه الكلمة ليغفر لهم خطاياهم لولا أنهم بدلوا تبديلا ، ويعزز هذا القول ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم ، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاهم وقالوا : حبة في شعرة .

وأخرجه البخاري بلفظ آخر وقال : " فبدلوا وقالوا : حطة حبة في شعرة " {[66]} وقد ورد مثل هذا الحديث في غير البخاري ومسلم بلفظ : " حنطة في شعر " وذلك كله على سبيل السخرية والاستهزاء فكتبت عليهم خطيئة مضافة إلى خطاياهم التي قد حفل بها سجل أعمالهم من حيث التمرد والفسق عن أمر الله .

وقوله : ( وسنزيد المحسنين ) وعد الله بالتفكير عن سيئات العاصين الذين خالفوا عن أمر الله بعد أن يقولوا حطة ، وأنه سبحانه سيزيد في إحسان من ظل منهم مستقيما ، فلم يعبد العجل وصان نفسه ولسانه عن الخطايا والذنوب .


[65]:القاموس المحيط جـ 4 ص 379.
[66]:تفسير ابن كثير جـ 1 ص 98.