قوله تعالى : " لكن الراسخون في العلم منهم " استثنى مؤمني أهل الكتاب ، وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا : إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلها ولم تكن حرمت بظلمنا ؛ فنزل " لكن الراسخون في العلم " والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه ، والرسوخ الثبوت ؛ وقد تقدم في " آل عمران{[5129]} " والمراد عبدالله بن سلام وكعب الأحبار ونظراؤهما . " والمؤمنون " أي من المهاجرين والأنصار ، أصحاب محمد عليه السلام . " والمقيمين الصلاة " وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة : " والمقيمون " على العطف ، وكذا هو في حرف عبدالله ، وأما حرف أبي فهو فيه " والمقيمين " كما في المصاحف . واختلف في نصبه على أقوال ستة ، أصحها قول سيبويه بأنه نصب على المدح ، أي وأعني المقيمين ، قال سيبويه : هذا باب ما ينتصب على التعظيم ، ومن ذلك " والمقيمين الصلاة " وأنشد :
وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم *** إلا نُمَيرا أطاعت أمر غاويها
الظاعنين{[5130]} ولما يظعنوا أحدا *** والقائلون لمن دارٌ نُخَلِّيها
وأنشد{[5131]} :
لا يبعدن قومي الذين هم *** سُمُّ العُداة وآفة الجُزْرِ
النازلين بكل معترك *** والطيبون معاقد الأُزْرِ
قال النحاس : وهذا أصح ما قيل في " المقيمين " . وقال الكسائي : " والمقيمين " معطوف على " ما " . قال النحاس قال الأخفش : وهذا بعيد ؛ لأن المعنى يكون ويؤمنون بالمقيمين . وحكى محمد بن جرير{[5132]} أنه قيل له : إن المقيمين ههنا الملائكة عليهم السلام ؛ لدوامهم على الصلاة والتسبيح والاستغفار ، واختار هذا القول ، وحكى أن النصب على المدح بعيد ؛ لأن المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر ، وخبر الراسخين في " أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما " فلا ينتصب " المقيمين " على المدح . قال النحاس : ومذهب سيبويه في قوله : " والمؤتون " رفع بالابتداء . وقال غيره : هو مرفوع على إضمار مبتدأ ، أي هم المؤتون الزكاة . وقيل : " والمقيمين " عطف على الكاف التي في " قبلك " . أي من قبلك ومن قبل المقيمين . وقيل : " المقيمين " عطف على الكاف التي في " إليك " . وقيل : هو عطف على الهاء والميم ، أي منهم ومن المقيمين ، وهذه الأجوبة الثلاثة لا تجوز ؛ لأن فيها عطف مظهر على مضمر مخفوض . والجواب السادس : ما روي أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن هذه الآية وعن قوله : " إن هذان لساحران{[5133]} " [ طه : 63 ] ، وقوله : " والصابئون{[5134]} " في " المائدة : 69 ] ، فقالت للسائل : يا ابن أخي{[5135]} الكتاب أخطؤوا . وقال أبان بن عثمان : كان الكاتب يملى عليه فيكتب فكتب " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون " ثم قال له : ما أكتب ؟ فقيل له : اكتب " والمقيمين الصلاة " فمن ثم وقع هذا .
قال القشيري : وهذا المسلك باطل ؛ لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في اللغة ، فلا يظن بهم أنهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل . وأصح هذه الأقوال قول سيبويه وهو قول الخليل ، وقول الكسائي هو اختيار القفال والطبري ، والله أعلم{[5136]} .
ولما بين تعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب ، بين ما لنّيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال : { لكن الراسخون في العلم منهم } أي {[23761]}الذي هيئت{[23762]} قلوبهم في أصل الخلقة لقبول العلم{[23763]} فأبعد عنها الطبع ، وجلت{[23764]} الحكمة ، ورسخت{[23765]} بالرحمة ، فامتلأت من نور العلم{[23766]} ، وتمكنت بأنس الإيمان .
ولما ذكر نعت العلم المفيد لجميع الفضائل أبتعه ما نشأ عنه فقال : { والمؤمنون } أي الذين هيئوا للإيمان{[23767]} ودخلوا فيه ، فصار لهم خلقاً لازماً ، منهم ومن غيرهم { يؤمنون } أي{[23768]} يجددون الإيمان في{[23769]} كل لحظة { بما أنزل إليك } لأنهم أعرف الناس بأنه حق { وما أنزل من قبلك } أي على موسى عليه الصلاة والسلام ، وبسبب إيمانهم الخالص أمنوا بما أنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام ، ثم بما أنزل إليك .
ولما كانت الصلاة أعظم دعائم{[23770]} الدين ، ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر ، نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهاراً لفضلها{[23771]} فقال تعالى : { والمقيمين الصلاة } أي بفعلها بجميع حدودها ، ويجوز على بُعد أن يكون المقتضي لنصبها{[23772]} جعل " لكن " بالنسبة إليها بمعنى " إلا " وتضمينها{[23773]} لفظها ، لما بينهما من التآخي ، فيكون المعنى أنهم مستثنون ممن{[23774]} أعد لهم{[23775]} العذاب الأليم على معنى أن الله سبحانه وتعالى - و{[23776]}هو الفاعل المختار - سبق علمه بأن مقيم الصلاة بجميع حدودها لا يموت {[23777]}كما يموت{[23778]} كافر{[23779]} ، بل تناله بركتها فيسلم ، وهذا أعظم مدح لها ، والحاصل أن ( لكن ) استعيرت لمعنى ( إلا ) بجامع أن ما بعد كل منهما مخالف في الحكم لما قبله ، كما استعيرت " إلا " لمعنى " لكن " في الاستثناء المنقطع .
ولما كان الرجوع بما بعدها إلى الأسلوب الماضي أبين في مدحها قال{[23780]} : { والمؤتون الزكاة } ولما ذكر أنهم جمعوا إلى صلة{[23781]} الخالق الإحسان إلى الخلائق {[23782]}ذكر الإيمان بانياً على عظمته مفصلاً له بعض التفصيل ومشيراً غلأآ أن نفعه{[23783]} كما{[23784]} يشترط أن يكون فاتحاً{[23785]} يشترط أن يكون خاتماً فقال : { والمؤمنون بالله } أي مستحضرين ما له من صفات الكمال ، وضم إليه الحامل{[23786]} على كل خير والمقعد عن{[23787]} كل شر ترغيباً وترهيباً فقال : { واليوم الآخر } فصار الإيمان مذكوراً خمس مرات ، فإن هذه الأوصاف لموصوف واحد عطفت بالواو{[23788]} تفخيماً لها وإشارة إلى أن وصف الرسوخ في العلم مقتض لأنهم في الذروة من كل وصف منها ، والاتصافُ بكل منها يتضمن الإيمان بيوم الدين ، فإنه لا يمدح أحد اتصف بشيء منها عرياً عن الإيمان به ، لا جرم نبه على فخامة أمرهم وعلو شأنهم بأداة البعد فقال : { أولئك } أي العالو الرتبة و{[23789]}الهمم ، ولكون{[23790]} السياق في الراسخين العاملين أنهى{[23791]} في التأكيد بالسين لأن المكر{[23792]} هنا أقل منه في الأولى ، ولم يعرف الأجر ، ووصفه بالعظم فقال : { سنؤتيهم } أي بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف{[23793]} فيه { أجراً عظيماً } .
وقوله : ( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) لكن حرف استدراك . والراسخون مرفوع على الابتداء ، والخبر قوله : ( أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ) والراسخون من الرسوخ وهو الثبوت . والمقصود العلماء ذوو القدم الراسخة في العلم من بني إسرائيل مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار وآخرين من أحبار اليهود . أما المؤمنون فهم أتباع النبي محمد ( ص ) ، وهؤلاء جميعا ( يؤمنون بما أنزل إليك ) أي يصدقون القرآن الذي أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة كيما يتنزل عليك بالتالي منجما . إنهم يصدقون القرآن وما حواه من أخبار اليهود وما كان من تضييق عليهم بتحريم كثير من الطيبات بعد أن كانت حلالا ، وذلك من باب العقاب لهم الذي يستحقونه في الدنيا . وهم كذلك يؤمنون بما ( أنزل من قبلك ) من كتب مثل التوراة ، ذلك الكتاب المقدس الذي حوى من الشريعة والحكمة ما يصلح به بنو إسرائيل لو استقاموا وصلحت نفوسهم ، ولو لم يحرفوا ويبدلوا تبعا لهواهم .
قوله : ( والمقيمين الصلاة ) ثمة خلاف بين المفسرين وأهل البيان في إعراب ( المقيمين ) وسبب نصبها . وقد ورد في ذلك عدة أقوال ، لعل أصحها ما ذكره سيبويه وهو النصب على المدح أو التعظيم . وذلك كقوله تعالى في آية أخرى : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) وذلك في كلام العرب كما قال الإمام المفسر ابن كثير رحمه الله . والصلاة مفعول به منصوب لاسم الفاعل . ( المؤتون الزكاة ) من الإيتاء أي الإعطاء ، مرفوعة للعطف على ( الراسخون ) و ( المؤمنون ) قبلها{[855]} والزكاة تعني في اللغة الطهارة والنمو : وفي اصطلاح الشرع تعني قدرا من المال معلوما يؤديه مالك النصاب للمستحقين الثمانية أو بعضهم على الخلاف بعد أن يحول عليه الحول . والزكاة مفعول به منصوب لاسم الفاعل قبلها . وكذلك قوله : ( والمؤمنون بالله واليوم الآخر ) فهؤلاء جميعا سيجعل الله لهم أجرا عظيما يتلقونه يوم القيامة{[856]} .