روى الترمذي : حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال : لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك ، إلا بدرا ، ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحدا تخلف عن بدر إنما خرج يريد العير فخرجت قريش مغوثين لعيرهم فالتقوا عن غير موعد{[8340]} كما قال الله تعالى ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبدر وما أحب{[8341]} أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، ثم لم أتخلف بعد عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها وآذن النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل فذكر الحديث بطوله قال :( فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر وكان إذا سر بالأمر استنار فجئت فجلست بين يديه فقال : ( أبشر يا كعب بن مالك بخير يوم أتي عليك منذ ولدتك أمك ) فقلت : يا نبي الله أمن عند الله أم من عندك ؟ قال : ( بل من عند الله - ثم تلا هذه الآية - " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة - حتى بلغ - إن الله هو التواب الرحيم " قال : وفينا أنزلت أيضا " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " [ التوبة : 119 ] . . . ) وذكر الحديث . وسيأتي بكمال من صحيح مسلم في قصة الثلاثة إن شاء الله تعالى . واختلف العلماء في هذه التوبة التي تابها الله على النبي والمهاجرين والأنصار على أقوال فقال ابن عباس : كانت التوبة على النبي لأجل إذنه للمنافقين في القعود دليله قوله : " عفا الله عنك لم أذنت لهم " [ التوبة : 43 ] وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه . وقيل : توبة الله عليهم استنقاذهم من شدة العسرة . وقيل : خلاصهم من نكاية العدو ، وعبر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه وهو الرجوع إلى الحال الأولى . وقال أهل المعاني : إنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في التوبة ؛ لأنه لما كان سبب توبتهم ذكر معهم كقوله : " فأن لله خمسه وللرسول{[8342]} " [ الأنفال : 41 ] .
قوله تعالى : " الذين اتبعوه في ساعة العسرة " أي في وقت العسرة ، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها . وقيل : ساعة العسرة أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة . والعسرة صعوبة الأمر . قال جابر : اجتمع عليهم عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة الماء . قال الحسن : كانت العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة{[8343]} المنتنة وكان النفر يخرجون ما معهم - إلا التمرات - بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلا النواة ، فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم . وقال عمر رضي الله عنه وقد سئل عن ساعة العسرة :( خرجنا في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش ، وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه{[8344]} فيشربه ويجعل ما بقي على كبده . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا . قال : ( أتحب ذلك ) ؟ قال : نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت ، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر ) . وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأصاب الناس مجاعة وقالوا : يا رسول الله ، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا{[8345]} فأكلنا وادهنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( افعلوا ) فجاء عمر وقال{[8346]} : يا رسول الله إن فعلوا قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة{[8347]} . قال : ( نعم ) ثم دعا بنطع{[8348]} فبسط ثم دعا بفضل الأزواد ، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكف تمر ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير . قال أبو هريرة : فحزرته فإذا هو قدر ربضة العنز{[8349]} فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة . ثم قال : ( خذوا في أوعيتكم ) فأخذوا في أوعيتهم حتى - والذي لا إله إلا هو - ما بقي في العسكر وعاء إلا ملؤوه ، وأكل القوم حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد شاك فيهما فيحجب عن الجنة ) . خرجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه ، والحمد لله . وقال ابن عرفة : سمي جيش تبوك جيش العسرة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى الغزو في حمارة القيظ ، فغلظ عليهم وعسر ، وكان إبان ابتياع الثمرة . قال : وإنما ضرب المثل بجيش العسرة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغز قبله في عدد مثله ؛لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ويوم أحد سبعمائة ويوم خيبر ألفا وخمسمائة ويوم الفتح عشرة آلاف ويوم حنين اثني عشر ألفا وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفا وزيادة ، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم{[8350]} . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب وأقام بتبوك شعبان وأياما من رمضان وبث سراياه وصالح أقواما على الجزية . وفي هذه الغزاة خلف عليا على المدينة فقال المنافقون : خلفه بغضا له ، فخرج خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال عليه السلام : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) وبين أن قعوده بأمره عليه السلام يوازي في الأجر خروجه معه لأن المدار على أمر الشارع . وإنما قيل لها : غزوة تبوك لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما من أصحابه يبوكون حسي تبوك أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء ، فقال : ( ما زلتم تبوكونها بوكا ) فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك . الحسي بالكسر ما تنشفه الأرض من الرمل ، فإذا صار إلى صلابة أمسكته فتحفر عنه الرمل فتستخرجه وهو الاحتساء . قاله الجوهري .
قوله تعالى : " من بعد ما كاد يزيغ{[8351]} قلوب فريق منهم " " قلوب " رفع ب " تزيغ " عند سيبويه . ويضمر في " كاد " الحديث تشبيها بكان ؛ لأن الخبر يلزمها كما يلزم كان . وإن شئت رفعتها بكاد ، ويكون التقدير : من بعد ما كان قلوب فريق منهم تزيغ . وقرأ الأعمش وحمزة وحفص " يزيغ " بالياء ، وزعم أبو حاتم أن من قرأ " يزيغ " بالياء فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد . قال النحاس : والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجميع . حكى الفراء رحب البلاد وأرحبت ، ورحبت لغة أهل الحجاز واختلف في معنى تزيغ ، فقيل : تتلف بالجهد والمشقة والشدة . وقال ابن عباس : تعدل - أي تميل - عن الحق في الممانعة والنصرة . وقيل : من بعد ما هم فريق منهم بالتخلف والعصيان ثم لحقوا به وقيل : هموا بالقفول فتاب الله عليهم وأمرهم به .
قوله تعالى : " ثم تاب عليهم " قيل : توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ ، وكذلك{[8352]} سنة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ، ووطنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم . وينشد :
منك أرجو ولست أعرف ربا*** يرتجى منه بعض ما منك أرجو
وإذا اشتدت الشدائد في الأرض*** على الخلق فاستغاثوا وعجُّوا
وابتليت العباد بالخوف والجوع*** وصروا{[8353]} على الذنوب ولجوا
لم يكن لي سواك ربي ملاذ*** فتيقنت أنني بك أنجو
وقال في حق الثلاثة : " ثم تاب عليهم ليتوبوا " فقيل : معنى " ثم تاب عليهم " أي وفقهم للتوبة ليتوبوا . وقيل : المعنى تاب عليهم ، أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم ليتوبوا . وقيل : تاب عليهم ليثبتوا على التوبة . وقيل : المعنى تاب عليهم ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم . وبالجملة فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا ، دليله قوله عليه السلام : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) .
ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ولي {[37305]}لهم غيره{[37306]} ، أقام الدليل على ذلك بقوله : { لقد تاب الله } أي الذي له الجلال والإكرام { على النبي } أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته ، فما من مقام يرقيه إليه إلا رأى أنه لمزيد {[37307]}علوه وتقربه{[37308]} للمقام الذي كان دونه ، فهو في كل لمحة في ارتقاء من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له .
ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي صلى الله عليه وسلم {[37309]}بترقيته في{[37310]} رتب الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل مؤمن على المبادرة إلى التوبة ، أكد ذلك بقوله : { والمهاجرين والأنصار } بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم { الذين اتبعوه } أي النبي صلى الله عليه وسلم { في ساعة العسرة } أي أزمنة غزوة تبوك ، كانوا في عسرة من الزمان بالجدب والضيقة الشديدة والحر الشديد ، وعسرة من الظهر " {[37311]}يعتقب العشرة " {[37312]} على بعير واحد . وعسرة من الزاد " تزودوا التمر المدوّد{[37313]} والشعير المسوّس{[37314]} والإهالة الزنخة " وبلغت بهم الشدة أن اقتسم التمرة اثنان ، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء ، وفي{[37315]} عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها ؛ وسماها ساعة تهويناً{[37316]} لأوقات{[37317]} الكروب وتشجيعاً على مواقعة المكاره فإن أمدها{[37318]} يسير وأجرها عظيم خطير ، فكانت حالهم باتباعه في هذه الغزوة أكمل من حالهم قبلها ، وأشار سبحانه إلى تفاوتهم في الثبات على مقامات عالية ، ترقوا بالتوبة{[37319]} إلى أعلى منها ، وفي قبول وساوس أبعدتهم التوبة عن قبولها بقوله : { من بعد ما كاد } أي قرب قرباً عظيماً { تزيغ }{[37320]} أي تزول عن أماكنها الموجبة لصلاحها ، وأشار ب " من " إلى تقارب{[37321]} ما بين كيدودة{[37322]} الزيغ والتدارك بالتوبة . ولما كان المقام للزلازل{[37323]} ، ناسب التعبير بما منه الانقلاب والفرقة فقال : { قلوب فريق } أي هم بحيث تحصل{[37324]} منهم الفرقة لما هناك من الزلازل المميلة{[37325]} { منهم } أي من{[37326]} عظيم ما نالهم من الشدائد فتميل{[37327]} لذلك عن الحق كأبي خيثمة ومن أحب الراحة وهاب السفر في ذلك الحر الشديد إلى بني الأصفر الملوك الصيد الأبطال الصناديد ، وهم ملء الأرض كثرة وقدر الحصى عدة ومثل الجبال شدة ، ثم عزم الله له فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل{[37328]} مقاربة الزيغ من مباعدته ، ولما صاروا كمن لم{[37329]} يقارب الزيغ .
أعلاهم إلى مقام آخر عبرعن عظمته بأداة التراخي فقال : { ثم تاب عليهم } أي كلهم تكريراً للرفعة ، أو على من كاد يزيغ{[37330]} بالثبات على مباعدة الزلات وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات ؛ ونقل أبو حيان عن الحسن أن زيغها همها بالانصراف لما لقيت من المشقة ، قال وقيل : ساء ظنها بما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر{[37331]} وبعد الشقة وقوة العدو المقصود -انتهى . ويجوز أن يكون عبر ب { ثم } لوصولهم إلى حالة يبعد{[37332]} معها الثبات فضلاً عن مباعدة مواقع الزلات فثبتها حتى عادت كالحديد من غير سبب ظاهر من {[37333]} " جيش أو غيره " {[37334]} فثبت بذلك أنه{[37335]} مالك الملك متمكن من فعل كل ما يريده وأنه لا ولي لهم سواه : ثم علل لطفه بهم بقوله : { إنه بهم رؤوف رحيم* } والرأفة : شدة الرحمة ، فقدم الأبلغ فيقال فيه ما قيل في { الرحمن الرحيم }{[37336]} فالمعنى أنه يرحمهم أعلى الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم ، ويرحمهم{[37337]} أيضاً بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم ، وقيل : الرأفة : إزالة الضر ، والرحمة : إيصال النفع ، ومادة رأف تدور مع السعة{[37338]} على ما أُشير إليه في سورة سبحان على شدة الوصلة . فالرأفة{[37339]} - كما قال الحرالي في البقرة - عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم - انتهى . فتكون الرأفة حينئذ للثابتين{[37340]} والرحمة لمن قارب الزيغ . فيصير الثابت مرحوماً مرتين لأنه منظور إليه بالصفتين ، وتقدم عند الحزبين من البقرة ما ينفع هنا .
قوله تعالى : { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كان يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم } .
قيل في هذه الآية إنها نزلت في غزوة تبوك ؛ وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر ، وذلك في سنة مجدية ، وحر شديد ، وعسر من الزاد والماء . قال قتادة : خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد ، حتى لقد ذكر لنا إن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ، ثم يشرب عليها ، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها .
وذكر عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بت الخطاب في شأن العسرة ، فقال عمر ابن الخطاب : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، وحتى إذا كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه . فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا . فقال : ( تحب ذلك ؟ ) قال : نعم ، فرفع يديه فلم يرجعها حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت ، فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر{[1917]} .
قوله : { لقد تاب الله النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة } التوبة من الله على رسوله من أجل الذنب . وهو بالنسبة إلى رسول الله من باب خلاف الأولى . وفسره ابن عباس بالإذن للمنافقين في التخلف . أما الذنب بالنسبة إلى الصحابة : فيمكن أن يكون حقيقيا ؛ إذ لا عصمة لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وقيل : كان ذنبهم من باب خلاف الأولى كالميل إلى القعود عن عزوة تبوك إذ وقعت في فترة شديدة وعسيرة . وهي قوله : { في الساعة العسرة } والعسرة خلاف المسيرة . ويوم عسير ؛ أي شديد ، وتعسر الأمر واستعسر ؛ أي اشتد والتوى . وأعسر : افتقر . وجيش العسرة معناه جيش تبوك ؛ لأنهم ندبوا إليها في حمارة القيظ فعسر عليهم{[1918]} .
قوله : { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } كاد من أفعال القرب وفيه ضمير الشأن . وضمير الشأن اسم كاد . وقلوب فاعل يزيغ . والجملة في محل نصب خبر كاد{[1919]} ، والآية تبين مدى الشدة البالغة التي حاقت بالمسلمين في تبوك حتى كاد يميل بعضهم إلى التخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو يميل عن الثبات على الإيمان فحمله ذلك على مجرد الهم والوسوسة والارتياب في رسوله الله صلى الله عليه وسلم وفي دينه لفرط ما أصابهم من الشدة والكرب . وقيل : كان الميل من ضعافهم ومن حديثي العهد بالإسلام .
قوله : { ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم } ذلك تكرير للتأكيد على التوبة على المؤمنين لما ذكر أن فريقا منهم كادت تزيغ قلوبهم ؛ إذ ساورهم الشك وساء ظنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهموا بانصراف عنه . لكن الله جلت قدرته قد تجاوز لهم عن كل ذلك ؛ إذ تاب عليهم ، وسبب التوبة هي الرأفة من الله بهم ورحمته التي وسعت كل شيء{[1920]} .