الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا} (11)

قوله تعالى : " ويدع الإنسان بالشر " قال ابن عباس وغيره : هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له : اللهم أهلكه ، ونحوه . " دعاءه بالخير " أي كدعائه ربه أن يهب له العافية ، فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك . نظيره : " ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير " [ يونس : 11 ] وقد تقدم{[10146]} . وقيل : نزلت في النضر بن الحارث ، كان يدعو ويقول : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم{[10147]} " [ الأنفال : 32 ] . وقيل : هو أن يدعو في طلب المحظور كما يدعو في طلب المباح ، قال الشاعر وهو ابن جامع :

أطوف بالبيت فيمن يطوف *** وارفع من مِئْزري المُسْبَلِ

وأسجد بالليل حتى الصباح *** وأتلو من المحكم المنزلِ

عسى فارجُ الهم عن يوسف *** يسخِّرْ لي رَبَّةَ المحملِ

قال الجوهري : يقال ما على فلان محمل مثال مجلس أي معتمد . والمحمل أيضا : واحد محامل الحاج . والمحمل مثال المرجل : علاقة السيف . وحذفت الواو من " ويدع الإنسان " في اللفظ والحظ ولم تحذف في المعنى ؛ لأن موضعها رفع فحذفت لاستقبالها اللام الساكنة ، كقوله تعالى : " سندع الزبانية{[10148]} " [ العلق : 18 ] " ويمح الله الباطل{[10149]} " [ الشورى : 24 ] " وسوف يؤت الله المؤمنين{[10150]} " [ النساء : 146 ] " يناد المناد{[10151]} " [ ق : 41 ] " فما تغن النذر{[10152]} " [ القمر : 5 ] . " وكان الإنسان عجولا " أي طبعه العجلة ، فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير . وقيل : أشار به إلى آدم عليه السلام حين نهض قبل أن يركب فيه الروح على الكمال . قال سلمان : أول ما خلق الله تعالى من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق جسده ، فلما كان عند العصر بقيت رجلاه لم ينفخ فيهما الروح فقال : يا رب عجل قبل الليل ، فذلك قوله : " وكان الإنسان عجولا " . وقال ابن عباس : لما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فذهب لينهض فلم يقدر ، فذلك قوله : " وكان الإنسان عجولا " . وقال ابن مسعود : لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول : " خلق الإنسان من عجل " ذكره البيهقي . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لما صور الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ) وقد تقدم{[10153]} . وقيل : سلم عليه السلام أسيرا إلى سودة فبات يئن فسألته فقال : أنيني لشدة القِدّ والأسر ، فأرخت من كتافه فلما نامت هرب ، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( قطع الله يديك ) فلما أصبحت كانت تتوقع الآفة ، فقال عليه السلام : ( إني سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي لأني بشر أغضب كما يغضب البشر ) ونزلت الآية ؛ ذكره القشيري أبو نصر رحمه الله . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفينه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ) . وفي الباب عن عائشة وجابر . وقيل : معنى " وكان الإنسان عجولا " أي يؤثر العاجل وإن قل ، على الآجل وإن جل .


[10146]:راجع ج 8 ص 314.
[10147]:راجع ج 7 ص 398 و ج 8 ص 315.
[10148]:راجع ج 20 ص 126.
[10149]:راجع ج 16 ص 24.
[10150]:راجع ج 5 ص 425.
[10151]:راجع ج 17 ص 27 و ص 128.
[10152]:راجع ج 11 ص 288.
[10153]:راجع ج 1 ص 281.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا} (11)

ولما ذكر سبحانه ما لكلامه من الدعاء إلى الأقوام ، أتبعه ما عليه الإنسان من العوج الداعي له إلى العدول عن التمسك بشرائعه القويمة والإقدام على ما لا فائدة فيه ، تنبيهاً على ما يجب عليه من التأني للنظر فيما يدعو إليه نفسه ووزنِه بمعيار الشرع ، فقال تعالى : { ويدع } حذف واوه - الذي هو لام الفعل - خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفه لفظاً في العربية - مشير إلى أنه يدعو بالشر لسفهه وقلة عقله ، وهو لا يريد علو الشر عليه - بما أشير إليه بحذف ما معناه عند أهل الله الرفعة والعلو ، وإلى أن غاية فعله الهلاك إلى أن يتداركه الله ، وقد ذكرت حكم الوقف عليه وعلى أمثاله في سورة القمر { الإنسان } أي عند الغضب ونحوه على نفسه وعلى من يحبه ، لما له من الأنس بنفسه والنسيان لما يصلحه { بالشر } أي ينادي ربه ويتضرع إليه بسبب إيقاع الشر به { دعاءه } أي مثل دعائه { بالخير } أي بحصول الخير له ولمن يحبه ؛ ثم نبه على الطبع الذي هو منبع ذلك ، فقال تعالى : { وكان الإنسان } أي هذا النوع بما له من قلة التدبر لاشتغاله بالنظر في عطفيته والأنس بنفسه ، كوناً هو مجبول عليه { عجولاً * } أي مبالغاً في العجلة يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله من غير أن يتأنى فيه تأني المتبصر الذي لا يريد أن يوقع شيئاً إلا في أتم مواقعه ، ولذلك يستعجل العذاب لنفسه استهزاء ، ولغيره استشفاء ؛ والعجلة : طلب الشيء في غير وقته الذي لا يجوز تقديمه عليه ، وأما السرعة فهي عمله في أول وقته الذي هو أولى به .