الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

هذه السورة مكية ، إلا ثلاث آيات : قوله عز وجل ( وإن كادوا ليستفزونك ){[1]} [ الإسراء : 76 ] ، حين جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفدُ ثقيف ، وحين قالت اليهود : ليست هذه بأرض الأنبياء . وقوله عز وجل : ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) [ الإسراء : 80 ] ، وقوله تعالى : ( إن ربك أحاط بالناس ) [ الإسراء : 60 ] الآية . وقال مقاتل : وقوله عز وجل : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله ) [ الإسراء : 107 ] الآية . وقال ابن مسعود رضي الله عنه في بني إسرائيل والكهف ومريم : إنهن من العِتاق الأُوَل ، وهن من تِلادي ، يريد : من قديم كسبه .

فيه ثمان{[10107]} مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " سبحان " ( سبحان ) اسم موضوع موضع المصدر ، وهو غير متمكن ؛ لأنه لا يجرى بوجوه الإعراب ، ولا تدخل عليه الألف واللام ، ولم يجر منه فعل ، ولم ينصرف ؛ لأن في آخره زائدتين ، تقول : سبحت تسبيحا وسبحانا ، مثل كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا . ومعناه التنزيه والبراءة لله عز وجل من كل نقص . فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره ، فأما قول ا لشاعر :

أقولُ لما جاءني فخرُه *** سبحان مِنْ علقَمَةَ الفاخِرِ{[10108]}

فإنما ذكره على طريق النادر . وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما معنى سبحان الله ؟ فقال : ( تنزيه الله من كل سوء ) . والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه ، إذ لم يجر من لفظه فعل ، وذلك مثل قعد القرفصاء ، واشتمل الصماء{[10109]} ، فالتقدير عنده : أنزه الله تنزيها ، فوقع ( سبحان الله ) مكان قولك تنزيها .

الثانية : قوله تعالى : " أسرى بعبده " " أسرى " فيه لغتان : سرى وأسرى ، كسقى وأسقى ، كما تقدم{[10110]} . قال :

أَسْرَتْ عليه من الجوزاء سَارِيةٌ *** تُزْجِي الشَّمال عليه جَامِدَ البَرد{[10111]}

وقال آخر :

حَيِّ النضيرةَ ربَّةَ الخِدر*** أَسْرَتْ إليّ ولم تكن تَسْرِي{[10112]}

فجمع بين اللغتين في البيتين . والإسراء : سير الليل ، يقال : سريت مسرى وسرى ، وأسريت إسراء ، قال الشاعر :

وليلة ذات ندىً سريتُ*** ولم يَلِتْنِي من سُراها لَيْتُ

وقيل : أسرى سار من أول الليل ، وسرى سار من آخره ، والأول أعرف .

الثالثة : قوله تعالى : " بعبده " قال العلماء : لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية . وفي معناه أنشدوا :

يا قومِ قلبي عند زهراءِ *** يعرفه السامع والرائي

لا تدعُنِي إلا بيا عبدها *** فإنه أشرف أسمائي

وقد تقدم{[10113]} . قال القشيري : لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية ، وأرقاه فوق الكواكب العلوية{[10114]} ، ألزمه اسم العبودية تواضعا للأمة .

الرابعة : ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث ، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه . وذكر النقاش : ممن رواه عشرين صحابيا . روى الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه - قال - فركبته حتى أتيت بيت المقدس - قال - فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء - قال - ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة - قال - ثم عرج بنا إلى السماء . . . ) وذكر الحديث . ومما ليس في الصحيحين ما خرجه الآجري والسمرقندي ، قال الآجري عن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " قال أبو سعيد : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتيت بدابة هي أشبه الدواب بالبغل له أذنان يضطربان{[10115]} ، وهو البراق الذي كانت الأنبياء تركبه قبل فركبته فانطلق تقع يداه عند منتهى بصره ، فسمعت نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه ثم سمعت نداء عن يساري يا محمد على رسلك ، فمضيت ولم أعرج عليه ، ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج ، ثم أتيت بيت المقدس الأقصى فنزلت عن الدابة فأوثقته في الحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها ، ثم دخلت المسجد وصليت فيه ، فقال لي جبريل عليه السلام : ما سمعت يا محمد ، فقلت نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج فقال : ذلك داعي اليهود ولو وقفت لتهودت أمتك - قال - ثم سمعت نداء عن يساري على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه فقال : ذلك داعي النصارى أما إنك لو وقفت لتنصرت أمتك - قال - ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك فمضيت ولم أعرج عليها فقال : تلك الدنيا لو وقفت لاخترت الدنيا على الآخرة - قال - ثم أتيت بإناءين أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر فقيل لي : خذ فاشرب أيهما شئت ؟ فأخذت اللبن فشربته فقال لي جبريل : أصبت الفطرة ولو أنك أخذت الخمر غوت أمتك ، ثم جاء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيت أو لم تروا إلى الميت كيف يحد بصره إليه ، فعرج بنا حتى أتينا باب السماء الدنيا ، فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، قالوا : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ففتحوا لي وسلموا علي وإذا ملك يحرس السماء يقال له : إسماعيل معه سبعون ألف ملك مع كل ملك مائة ألف - قال - وما يعلم جنود ربك إلا هو . . . ) وذكر الحديث إلى أن قال : ( ثم مضينا إلى السماء الخامسة وإذا أنا بهارون بن عمران المحب في قومه وحوله تبع كثير من أمته ، فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : طويل اللحية تكاد لحيته تضرب في سرته ثم مضينا إلى السماء السادسة ، فإذا أنا بموسى فسلم علي ورحب بي - فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال - رجل كثير الشعر ولو كان عليه قميصان خرج شعره منهما . . . ) الحديث .

وروى البزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بفرس فحمل عليه ، كل خطوة منه أقصى بصره . . . وذكر الحديث . وقد جاء في صفة البراق من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينا أنا نائم في الحجر إذ أتاني آت فحركني برجله فاتبعت الشخص فإذا هو جبريل عليه السلام قائم على باب المسجد معه دابة دون البغل وفوق الحمار وجهها وجه إنسان وخفها خف حافر وذنبها ذنب ثور وعرفها عرف الفرس ، فلما أدناها مني جبريل عليه السلام نفرت ونفشت عرفها فمسحها جبريل عليه السلام وقال : يا برقة لا تنفري من محمد ، فوالله ما ركبك ملك مقرب ولا نبي مرسل أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أكرم على الله منه قالت : قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وإني أحب أن أكون في شفاعته فقلت : أنت في شفاعتي إن شاء الله تعالى . . . ) الحديث . وذكر أبو سعيد عبدالملك بن محمد النيسابوري عن أبي سعيد الخدري قال : لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح الذي وعدنا أن نراه فلم نره إلا الليلة قال : فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصرا من لؤلؤ ولأم موسى بن عمران سبعون قصرا من مرجانة حمراء مكللة باللؤلؤ أبوابها وأسرتها من عرق واحد فلما عرج المعراج إلى السماء الخامسة وتسبيح أهلها سبحان من جمع بين الثلج والنار من قالها مرة واحدة كان له مثل ثوابهم ، استفتح الباب جبريل عليه السلام ففتح له فإذا هو بكهل لم يُرَ قَطُّ كهلٌ أجمل منه عظيم العينين تضرب لحيته قريبا من سرته قد كان أن تكون شَمْطَة{[10116]} وحوله قوم جلوس يقص عليهم فقلت : يا جبريل من هذا ؟ قال هارون المحب في قومه . . ) وذكر الحديث .

فهذه نبذة مختصرة من أحاديث الإسراء خارجة عن الصحيحين ، ذكرها أبو الربيع سليمان ابن سبع بكمالها في كتاب ( شفاء الصدور ) له . ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء . واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة ، وهل كان إسراء بروحه أو جسده ، فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية ، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها ، وهي أهم من سرد تلك الأحاديث ، وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى .

فأما المسألة الأولى : وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده ، اختلف في ذلك السلف والخلف ، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ، ولم يفارق شخصه مضجعه ، وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق ، ورؤيا الأنبياء حق . ذهب إلى هذا معاوية وعائشة ، وحكي عن الحسن وابن إسحاق . وقالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس ، وإلى السماء بالروح ؛ واحتجوا بقوله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء . قالوا : ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره ، فإنه كان يكون أبلغ في المدح . وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة ، وأنه ركب البراق بمكة ، ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسري بجسده . وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها والآية . وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، ولو كان مناما لقال : بروح عبده ولم يقل بعبده . وقوله " ما زاغ البصر وما طغى{[10117]} " [ النجم : 17 ] يدل على ذلك . ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ، ولما قالت له أم هانئ : لا تحدث الناس فيكذبوك ، والأفضل أبو بكر بالتصديق ، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب ، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا ، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر ، وقد قال له المشركون : إن كنت صادقا فخبرنا عن عيرنا أين لقيتها ؟ قال : ( بمكان كذا وكذا مررت عليها ففزع فلان ) فقيل له : ما رأيت يا فلان ، قال : ما رأيت شيئا ! غير أن الإبل قد نفرت . قالوا : فأخبرنا متى تأتينا العير ؟ قال : ( تأتيكم يوم كذا وكذا ) . قالوا : أية ساعة ؟ قال : ( ما أدري ، طلوع الشمس من ها هنا أسرع أم طلوع العير من ها هنا ) . فقال رجل : ذلك اليوم ؟ هذه الشمس قد طلعت . وقال رجل : هذه عيركم قد طلعت ، واستخبروا النبي صلى الله عليه وسلم عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك . روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أَثْبِتْها{[10118]} فكربت كربا ما كربت مثله قط - قال - فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به . . . ) الحديث . وقد اعترض قول عائشة ومعاوية ( إنما أسري بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ، ولا حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مستشهد للحال ، ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم . ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على ( كتاب الشفاء ) للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء . وقد احتج لعائشة بقوله تعالى : " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس " {[10119]} [ الإسراء : 60 ] فسماها رؤيا . وهذا يرده قوله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا " ولا يقال في النوم أسرى . وأيضا فقد يقال لرؤية العين : رؤيا ، على ما يأتي بيانه في هذه السورة . وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أن الإسراء كان بالبدن ، وإذا ورد الخبر بشيء هو مجوز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى الإنكار ، لا سيما في زمن خرق العوائد ، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم معارج ، فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا ، وعليه يحمل قوله عليه السلام في الصحيح : ( بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان . . . ) الحديث . ويحتمل أن يرد من الإسراء إلى نوم . والله أعلم .

المسألة{[10120]} الثانية : في تاريخ الإسراء ، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا ، واختلف في ذلك على ابن شهاب ، فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسري به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة . وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة . قال ابن شهاب : وذلك بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أعوام . وروي عن الوقاصي قال : أسري به بعد مبعثه بخمس سنين . قال ابن شهاب : وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر ، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة ، وحرمت الخمر بعد أحد . وقال ابن إسحاق : أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس ، وقد فشا الإسلام بمكة في القبائل . وروى عنه يونس بن بكير قال : صلت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم . وسيأتي . قال أبو عمر : وهذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام ؛ لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بثلاث وقيل بأربع . وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب ، على أن ابن شهاب قد اختلف عنه كما تقدم . وقال الحربي : أسري به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة . وقال أبو بكر محمد بن علي ابن القاسم الذهبي في تاريخه : أسري به من مكة إلى بيت المقدس ، وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا . قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبي ، ولم يسند قول إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم ، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم .

المسألة الثالثة{[10121]} : وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت ، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج به إلى السماء ، وذلك منصوص في الصحيح وغيره . وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت ، فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا ، وأقرت صلاة السفر على ركعتين . وبذلك قال الشعبي وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق . قال الشعبي : إلا المغرب . قال يونس بن بكير : وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم حين فرضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر عليهما السلام فوضَّأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه ، ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى ، فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة ، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء . وروي عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين . وكذلك قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو قول ابن جريج ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق ذلك . ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها . وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال : سمعت ميمون بن مهران يقول : كان أول الصلاة مثنى ، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا فصارت سنه ، وأقرت الصلاة للمسافر وهي تمام . قال أبو عمر : وهذا إسناد لا يحتج بمثله ، وقوله ( فصارت سنة ) قول منكر ، وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له . وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا ، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها .

الخامسة{[10122]} : قد مضى الكلام في الأذان في " المائدة{[10123]} " والحمد لله . ومضى في " آل عمران{[10124]} " أن أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام ، ثم المسجد الأقصى . وأن بينهما أربعين عاما من حديث أبي ذر ، وبناء سليمان عليه السلام المسجد الأقصى ودعاؤه له من حديث عبدالله بن عمرو ووجه الجمع في ذلك ، فتأمله هناك فلا معنى للإعادة . ونذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس ) . خرجه مالك من حديث أبي هريرة . وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد ؛ لهذا قال العلماء : من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة فلا يفعل ، ويصلي في مسجده ، إلا في الثلاثة المساجد المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها . وقد قال مالك وجماعة من أهل العلم فيمن نذر رباطا في ثغر يسده : فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط ؛ لأنه طاعة الله عز وجل . وقد زاد أبو البختري في هذا الحديث مسجد الجند ، ولا يصح وهو موضوع ، وقد تقدم في مقدمة الكتاب .

السادسة{[10125]} : قوله تعالى : " إلى المسجد الأقصى " سمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام ، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة ، ثم قال : " الذي باركنا حوله " قيل : بالثمار وبمجاري الأنهار . وقيل : بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين ، وبهذا جعله مقدسا . وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول الله تعالى يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي ) .

" لنريه من آياتنا " هذا من باب تلوين الخطاب . والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس ، وإسراؤه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة وهو مسيرة شهر ، وعروجه إلى السماء ووصفه الأنبياء واحدا واحدا ، حسبما ثبت في صحيح مسلم وغيره . " إنه هو السميع البصير " تقدم{[10126]} .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[10107]:كذا في جميع الأصول، ويلاحظ أن المسائل ست.
[10108]:البيت للأعشى. يقول هذا لعلقمة بن علاثة الجعفري في منافرته لعامر بن طفيل، وكان الأعشى قد فضل عامرا وتبرأ من علقمة وفخره على عامر (عن الشنتمري).
[10109]:القرفصاء: جلسة المحتبي بيديه. والصماء، ضرب من اشتمال. واشتمال الصماء: أن تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب بأكسيتهم. وهو أن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا.
[10110]:راجع ج 1 ص 417.
[10111]:البيت للنابغة الذبياني، من قصيدته التي مطلعها: يا دار مية بالعليا
[10112]:البيت لحسان بن ثابت.
[10113]:راجع ج 1 ص 232.
[10114]:في و: اسمه عبد الله.
[10115]:في الأصول: "يخطرفان" والتصويب عن الدر المنثور.
[10116]:الشمط في الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض.
[10117]:راجع ج 17 ص 92.
[10118]:أي لم أعرفها حق؛ يقال: أثبت الشيء وثابته إذا عرفه حق المعرفة.
[10119]:راجع ص 282 من هذا الجزء.
[10120]:في ج: المسألة الخامسة، والمسألة السادسة بدل المسألة الثانية والثالثة. فيكون الترقيم على ما قال المصنف أولا: ثمان مسائل.
[10121]:في ج: المسألة الخامسة، والمسألة السادسة بدل المسألة الثانية والثالثة. فيكون الترقيم على ما قال المصنف أولا: ثمان مسائل.
[10122]:في ج هذه المسألة السابعة.
[10123]:راجع ج 6 ص 224.
[10124]:ج 4 ص 137.
[10125]:في ج: المسألة الثامنة.
[10126]:راجع ج 5 ص 258.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

سورة الإسراء

لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص ، والاتصاف بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب ، وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليه السلام والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر أوليائه - مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم - على أعدائه على كثرتهم وقوتهم ، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقص المطردات ، وأمرهم بالتأني والإحسان ، افتتح هذه بتحقيق ما أشار ذلك الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء ، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك ، تنبيهاً على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت ، دفعاً لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر ، وبياناً لأنه مع المتقي المحسن ، وتنويهاً بأمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإعلاماً بأنه رأس المحسن ، وتنويها بأمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإعلاما بأنه رأيس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة ، بما آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود ، وتمثيلاً لما أخبر به من أمر الساعة فقال تعالى : { سبحان } وهو علم للتنزيه ، دال على أبلغ ما يكون من معناه ، منصوب بفعل متروك إظهاره ، فسد مسده { الذي أسرى } فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضفيها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل . كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها ، وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء ، وفيه مع ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه .

ولما كان حرف الجر مقصوراً على إفادة التعدية في " سرى " الذي بمعنى أسرى وكان أسرى يستعمل متعدياً وقاصراً عبر به ، واختير القاصر للدلالة على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى : { بعبده } أي الذي هو أشرف عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ولا غيرها .

ولما كان الإسراء هو السير في الليل ، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه بدلالة التضمن مجازاً مرسلاً ، نفي هذا بقوله تعالى : { ليلاً } وليدل بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل ، وعلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج - في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى - إلى رياضة بصيام ولا غيره ، بل كان مهيئاً لذلك متأهلاً له ، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش { من المسجد الحرام } أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيم عليه السلام ، قيل : كان نائماً في الحطيم ، وقيل : في الحجر ، وقيل : في بيت أم هانىء - وهو قول الجمهور ، فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد { إلى المسجد الأقصى } أي الذي هو أبعد المساجد حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقاً من مكة المشرفة ، بينهما أربعون ليلة ، فصلى بالأنبياء كلهم : إبراهيم وموسى ومن سواهما - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ، ورأى من آياتنا ما قدرناه له ، ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهراً ذهاباً وشهراً إياباً ، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى : { الذي باركنا } أي بما لنا من العظمة ، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات { حوله } أي لأجله فما ظنك به نفسه ! فهو أبلغ من " باركنا فيه " ثم منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً ؛ ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء ، فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك ، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج ؛ ثم ذكر سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال : { لنريه } بعينه وقلبه { من ءاياتنا } السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السلام ملكوت السماوات والأرض ، وجعل الالتفات لتعظيم الآيات والبركات ؛ روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن ، فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبرئيل عليه السلام : الحمد لله الذي هداك للفطرة ، لو أخذت الخمر غوت أمتك .

وعن جابر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : " لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه " .

ولما كان المعول عليه غالباً في إدراك الآيات حس السمع والبصر ، وكان تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم ، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدماً ، عبر عن ذلك كله بقوله تعالى : { إنه } أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء { هو } أي خاصة { السميع } أي أذناً وقلباً بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا { البصير * } بصراً وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات ، وصدقه من الدلالات ، حين نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا يطمعون فيه ، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس : أما النعت والله فقد أصاب ، أخبرنا عن عيرنا ، فأخبرهم بعدد جمالها ، وأحوالها وقال : تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق ، فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية يشتدون ، فقال قائل : هذه والله الشمس قد طلعت ، فقال آخر : وهذه والله العير قد أقبلت ، يقدمها جمل أورق كما قال محمد ، ثم لم يؤمنوا وقالوا : إن هذا إلا سحر مبين .

قال الإمام الرازي في اللوامع : وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبصر جميع ما في الملكوت بالعين المبصرة مشاهدة لم يسترب فيه حتى روي أنه قال : " رأيت ليلة أسري بي إلى العلى الذرة تدب على وجه الأرض من سدرة المنتهى " وذلك لحدة بصره ، والبصر على أقسام : بصر الروح ، وبصر العقل الذي منه التوحيد ، وبصر القربة الذي خص به الأولياء وهو نور الفراسة ، وبصر النبوة ، وبصر الرسالة . وهذه الأبصار كلها مجموعة لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً ، وله زيادة بصر قيادة الرسل وسيادتهم ، فإنه سيد المرسلين وقائدهم ، وكان مطلعاً على الملك والملكوت كما قال : زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها - انتهى . وهذا الأخير رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها " وكان يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه - كما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه ، وفي كثير من طرقه عدم التقييد بالصلاة ، وهذا صريح في أن بصره لم يكن متقيداً بالعين ، بل خلق الله تعالى الأبصار في جميع أعضائه وكذا السمع ، فإن كون العين محلاً لذلك وكذا الأذن إنما هو بجعل الله ، ولو جعل ذلك في غيرهما لكان كما يريد سبحانه ولا مانع ، ولم يكن الظلام يمنعه من نفود البصر ففي مسند أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : فقدت رحلي ليلة فمررت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يشد لعائشة رضي الله عنها ، فقال : ما لك يا جابر ؟ فقلت : فقدت جملي أو ذهب في ليلة ظلماء ، فقال لي : هذا جملك ، اذهب فخذه ، فذهبت نحو ما قال لي ، فلم أجده فرجعت إليه فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله ! ما وجدته ، فقال لي : على رسلك ، حتى إذا فرغ أخذ بيدي فانطلق حتى أتينا الجمل فدفعه إليّ ، قال : هذا جملك - الحديث . وروى البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء ، وروي مثل ذلك عن عائشة رضي الله عنها ، وقال القاضي عياض في الشفا : حكى بقي بن مخلد عن عائشة رضي الله عنها قالت ، كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء ، وأسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : لما تجلى الله لموسى عليه الصلاة والسلام كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ .

وجوز أن يكون اختصاص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك بعد الإسراء - انتهى . وقد أخرج حديث أبي هريرة هذا الحافظ نور الدين الهيثمي في زوائد المعجمين : الأوسط والأصغر للطبراني ، ولعل هذا من مناسبة تعقيب هذه الآية بذكر موسى عليه السلام .

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما تقدم قوله { إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً } إلى قوله تعالى { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً } الآية ، كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم عليه السلام على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع ، فأعقب ذلك بسورة الإسراء ، وقد تضمنت من خصائص نبيناً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وانطوت على ما حصل منه المنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - سيد ولد آدم ، فاستفتحت السورة بقصة الإسراء وقد تضمنت - حسبما وقع في صحيح مسلم وغيره - إقامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء ، هذه رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - أثنى على ربه فقال : الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين ، وكافة للناس بشيراً ونذيراً ، وأنزل عليّ القرآن فيه تبيان كل شيء ، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس ، وجعل أمتي وسطاً وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون ، وشرح لي صدري ، ووضع عني وزري ، ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحاً وخاتماً ، فقال إبراهيم عليه السلام : بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؛ وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه من طريق الربيع بن أنس وذكر سدرة المنتهى وأنه تبارك وتعالى قال له : سل ! فقال : إنك اتخذت إبراهيم خليلاً ، وأعطيته ملكاً عظيماً ، وكلمت موسى تكليماً ، وأعطيت داود ملكاً عظيماً ، وألنت له الحديد ، وسخرت له الجبال ، وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً ، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح ، وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل ، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص ، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم ، فلم يكن له عليهما سبيل ، فقال له ربه تبارك وتعالى : قد اتخذتك حبيباً فهو مكتوب في التوراة - " محمد حبيب الرحمن " وأرسلتك إلى الناس كافة ، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون .

وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي ، وجعلتك أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً ، وأعطيتك سبعاً من المثاني ولم أعطها نبياً قبلك ، وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبياً قبلك ، وجعلتك فاتحاً وخاتماً . وفي حديث شريك أنه رأى موسى عليه السلام في السماء السابعة قال : بتفضيل كلام الله ، قال : ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله ، فقال موسى : لم أظن أن يرفع عليّ أحد . وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرجه البزار " في ذكر تعليمه عليه الصلاة والسلام الأذان وخروج الملك فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : يا جبريل ! من هذا ؟ قال : والذي بعثك بالحق ! إني لأقرب الخلق مكاناً ، وإن هذا الملك ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه . وفيه : ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقدمه ، فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوح " ، وفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين راويه : فيومئذ أكمل الله لمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - الشرف على أهل السماوات والأرض ؛ قال ابن الزبير : وقد حصل منه تفضيله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - بالإسراء وخصوصه بذلك ، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود ، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى ، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح وانعقد عليه إجماع أهل السنة ، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً - الذي فضل به كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام مثل ما تضمنت هذه والحمد لله - انتهى .