قوله تعالى :{ ويسألونك عن اليتامى } إلى قوله { حكيم } فيه ثمان مسائل :
الأولى : روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال : ( لما أنزل الله تعالى : " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " {[1972]} و " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " {[1973]} الآية ، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له ، حتى يأكله أو يفسد ، فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : " ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير " الآية ، فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه ) ، لفظ أبي داود . والآية متصلة بما قبل ، لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى . وقيل : إن السائل عبدالله بن رواحة . وقيل : كانت العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم ، فنزلت هذه الآية .
الثانية : لما أذن الله جل وعز في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ذلك دليلا على جواز التصرف في مال اليتيم ، تصرف الوصي في البيع والقسمة وغير ذلك ، على الإطلاق لهذه الآية . فإذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره جاز عليه فعله وإن لم يقدمه وال عليه ، لأن الآية مطلقة والكفالة ولاية عامة . لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم ، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم .
الثالثة : تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة فيه ، وفي جواز خلط ماله بماله دلالة على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء إذا وافق الصلاح ، وجواز دفعه مضاربة ، إلى غير ذلك على ما نذكره مبينا . واختلف في عمله هو قراضا ، فمنعه أشهب ، وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من نفسه أو يشتري لها . وقال غيره : إذا أخذه على جزء من الربح بنسبة قراض مثله فيه أمضي ، كشرائه شيئا لليتيم بتعقب{[1974]} فيكون أحسن لليتيم . قال محمد بن عبدالحكم : وله أن يبيع له بالدين إن رأى ذلك نظرا . قال ابن كنانة : وله أن ينفق في عرس اليتيم ما يصلح من صنيع وطيب ، ومصلحته بقدر حاله وحال من يزوج إليه ، وبقدر كثرة ماله . قال : وكذلك في ختانه ، فإن خشي أن يتهم رفع ذلك إلى السلطان فيأمره بالقصد ، وكل ما فعله على وجه النظر فهو جائز ، وما فعله على وجه المحاباة وسوء النظر فلا يجوز . ودل الظاهر على أن ولي اليتيم يعلمه أمر الدنيا والآخرة ، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات . وإذا وهب لليتيم شيء فللوصي أن يقبضه لما فيه من الإصلاح . وسيأتي لهذا مزيد بيان في " النساء " {[1975]} إن شاء الله تعالى .
الرابعة : ولما ينفقه الوصي والكفيل من مال اليتيم حالتان : حالة يمكنه الإشهاد عليه ، فلا يقبل قوله إلا ببينة . وحالة لا يمكنه الإشهاد عليه فقوله مقبول بغير بينة ، فمهما اشترى من العقار وما جرت العادة بالتوثق فيه لم يقبل قوله بغير بينة . قال ابن خويز منداد : ولذلك فرق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصي ينفق عليه فلا يكلف الإشهاد على نفقته وكسوته ، لأنه يتعذر عليه الإشهاد على ما يأكله ويلبسه في كل وقت ، ولكن إذا قال : أنفقت نفقة لسنة{[1976]} قبل منه ، وبين أن يكون عند أمه أو حاضنته فيدعي الوصي أنه كان ينفق عليه ، أو كان يعطي الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة فلا يقبل قوله على الأم أو الحاضنة إلا ببينة أنها كانت تقبض ذلك له مشاهرةً أو مساناةً .
الخامسة : واختلف العلماء في الرجل ينكح نفسه من يتيمته ، وهل له أن يشتري لنفسه من مال يتيمه أو يتيمته ؟ فقال مالك : ولاية النكاح بالكفالة والحضانة أقوى منها بالقرابة ، حتى قال في الأعراب الذين يسلمون أولادهم في أيام المجاعة : إنهم ينكحونهم إنكاحهم ، فأما إنكاح الكافل والحاضن لنفسه فيأتي في " النساء " بيانه ، إن شاء الله تعالى . وأما الشراء منه فقال مالك : يشتري في مشهور الأقوال ، وكذلك قال أبو حنيفة : له أن يشتري مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن المثل ، لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن . وقال الشافعي : لا يجوز ذلك في النكاح ولا في البيع ، لأنه لم يذكر في الآية التصرف ، بل قال : " إصلاح لهم خير " من غير أن يذكر فيه الذي يجوز له النظر . وأبو حنيفة يقول : إذا كان الإصلاح خيرا فيجوز تزويجه ويجوز أن يزوج منه . والشافعي لا يرى في التزويج إصلاحا إلا من جهة دفع الحاجة ، ولا حاجة قبل البلوغ . وأحمد بن حنبل يجوز للوصي التزويج لأنه إصلاح . والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصي ، وللأب في حق ولده الذي ماتت أمه لا بحكم هذه الآية . وأبو حنيفة يجوز للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن . وهذه المذاهب نشأت من هذه الآية ، فإن ثبت كون التزويج إصلاحا فظاهر الآية يقتضي جوازه . ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى : " ويسألونك عن اليتامى " أي يسألك القوام على اليتامى الكافلون لهم ، وذلك مجمل لا يعلم منه عين الكافل والقيم وما يشترط فيه من الأوصاف .
فإن قيل : يلزم ترك مالك أصله في التهمة والذرائع إذ جوز له الشراء من يتيمه ، فالجواب أن ذلك لا يلزم ، وإنما يكون ذلك ذريعة فيما يؤدى من الأفعال المحظورة إلى محظورة منصوص عليها ، وأما ههنا فقد أذن الله سبحانه في صورة المخالطة ، ووكل الحاضنين في ذلك إلى أمانتهم بقوله : " والله يعلم المفسد من المصلح " وكل أمر مخوف وكل الله سبحانه المكلف إلى أمانته لا يقال فيه : إنه يتذرع إلى محظور به فيمنع منه ، كما جعل الله النساء مؤتمنات على فروجهن ، مع عظيم ما يترتب على قولهن في ذلك من الأحكام ، ويرتبط به من الحل والحرمة والأنساب ، وإن جاز أن يكذبن . وكان طاوس إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ : " والله يعلم المفسد من المصلح " . وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه في مال اليتيم أن يجتمع نصحاؤه فينظرون الذي هو خير له ، ذكره البخاري . وفي هذا دلالة على جواز الشراء منه لنفسه ، كما ذكرنا . والقول الآخر أنه لا ينبغي للولي أن يشتري مما تحت يده شيئا ، لما يلحقه في ذلك من التهمة إلا أن يكون البيع في ذلك بيع سلطان في ملأ من الناس . وقال محمد بن عبدالحكم : لا يشتري من التركة ، ولا بأس أن يدس من يشتري له منها إذا لم يعلم أنه من قبله .
السادسة : قوله تعالى : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " هذه المخالطة كخلط المثل بالمثل كالتمر بالتمر . وقال أبو عبيد : مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ، ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله ، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان ، فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه . قال أبو عبيد : وهذا عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية ، وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته ، وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه ، فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعا كان في غيرهم أوسع ، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس .
السابعة : قوله تعالى : " فإخوانكم " خبر لمبتدأ محذوف ، أي فهم إخوانكم ، والفاء جواب الشرط . وقوله تعالى : " والله يعلم المفسد من المصلح " تحذير ، أي يعلم المفسد لأموال اليتامى من المصلح لها ، فيجازي كلا على إصلاحه وإفساده .
الثامنة : قوله تعالى : " ولو شاء الله لأعنتكم " روى الحكم عن مقسم عن ابن عباس : " ولو شاء الله لأعنتكم " قال :( لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا ) . وقيل : " لأعنتكم " لأهلككم ، عن الزجاج وأبي عبيدة . وقال القتبي : لضيق عليكم وشدد ، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم . وقيل : أي لكلفكم ما يشتد عليكم أداؤه وأثمكم في مخالطتهم ، كما فعل بمن كان قبلكم ، ولكنه خفف عنكم . والعنت : المشقة ، وقد عنت وأعنته غيره . ويقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه : قد أعنته ، فهو عنت ومعنت . وعنتت الدابة تعنت عنتا : إذا حدث في قوائمها كسر بعد جبر لا يمكنها معه جري . وأكمة عنوت : شاقة المصعد . وقال ابن الأنباري : أصل العنت التشديد ، فإذا قالت العرب : فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادها يشدد عليه ويلزمه ما يصعب عليه أداؤه ، ثم نقلت إلى معنى الهلاك . والأصل ما وصفنا .
قوله تعالى : " إن الله عزيز " أي لا يمتنع عليه شيء " حكيم " يتصرف في ملكه بما يريد لا حجر عليه ، جل وتعالى علوا كبيرا .
{[10163]}ولما كان البيان من أول السؤال إلى{[10164]} هنا قد شفي في أمور الدارين وكفى وأوضح ثمرات كل منهما وكان العرب ينكرون الآخرة ساق ذكرها مساق ما لا نزاع فيه لكثرة ما دل عليها فقال : { في الدنيا والآخرة } أي في أمورهما{[10165]} فتعلموا بما فتح الله{[10166]} لكم سبحانه وتعالى من الأبواب وما أصل لكم من الأصول ما هو صالح وما هو أصلح وما هو شر وما هو أشر لتفعلوا الخير وتتقوا الشر{[10167]} فيؤول بكم ذلك إلى فوز الدارين .
ولما كان العفو غير مقصور على المال بل يعم القوى البدنية والعقلية وكان النفع لليتيم من أجل ما يرشد إليه{[10168]} التفكر في أمور الآخرة و{[10169]}كان الجهاد من أسباب القتل الموجب لليتم وكانوا يلون{[10170]} يتاماهم فنزل التحريج الشديد في أكل أموالهم فجانبوهم واشتد ذلك عليهم سألوا عنهم فأفتاهم سبحانه وتعالى فيهم وندبهم إلى مخالطتهم{[10171]} على وجه الإصلاح الذي لا يكون لمن يتعاطى الخمر والميسر فقال : { ويسئلونك عن اليتامى{[10172]} } أي في ولايتهم لهم{[10173]} وعملهم في أموالهم وأكلهم منها ونحو ذلك مما يعسر حصره ؛ وأمره بالجواب بقوله : { قل إصلاح{[10174]} لهم خير } أي من تركه ، ولا يخفى الإصلاح على ذي لب فجمع بهذا الكلام اليسير المضبوط بضابط العقل الذي أقامه تعالى حجة على خلقه ما لا يكاد يعد ، وفي قوله : { لهم{[10175]} } ما يشعر بالحث على تخصيصهم بالنظر في أحوالهم ولو أدى ذلك إلى مشقة على الولي .
ولما كان ذلك قد يكون مع مجانبتهم وكانوا قد يرغبون في نكاح يتيماتهم قال : { وإن تخالطوهم } أي بنكاح أو غيره ليصير النظر في الصلاح مشتركاً بينكم وبينهم ، لأن المصالح صارت كالواحدة . قال الحرالي : وهي{[10176]} رتبة دون الأولى ، والمخالطة مفاعلة من الخلطة{[10177]} وهي إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها في بعض كأنه رفع التحاجز{[10178]} بين ما شأنه ذلك { فإخوانكم{[10179]} } جمع أخ وهو الناشىء{[10180]} مع أخيه من منشأ واحد على السواء{[10181]} بوجه ما - انتهى . أي فعليكم من مناصحتهم ما يقودكم الطبع إليه من مناصحة الإخوان ويحل لكم من الأكل من أموالهم بالمعروف وما يحل من أموال إخوانكم ؛ {[10182]}قالت عائشة رضي الله عنها : إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغدة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي . قالوا : وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعاً كان في غيرهم أوسع ، وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق{[10183]} في الأسفار ، يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته - نقله الأصبهاني .
ولما كان ذلك مما قد يدخل فيه الشر{[10184]} الذي يظهر فاعله أنه لم يرد به إلا الخير وعكسه قال مرغباً مرهباً : { والله } {[10185]}أي الذي له الإحاطة بكل شيء{[10186]} { يعلم } أي في كل حركة وسكون .
{[10187]}ولما كان الورع{[10188]} مندوباً إليه محثوثاً عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان التحذير بهذا المقام أولى قال : { المفسد } أي{[10189]} الذي الفساد{[10190]} صفة له { من المصلح }{[10191]} فاتقوا الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم .
ولما كان هذا أمراً{[10192]} لا يكون في بابه أمر{[10193]} أصلح منه ولا أيسر منّ عليهم بشرعه في قوله : { ولو شاء الله } أي بعظمة كماله { لأعنتكم } أي كلفكم في أمرهم وغيره ما يشق عليكم {[10194]}مشقة لا تطاق{[10195]} {[10196]}فحد لكم{[10197]} حدوداً وعينها يصعب{[10198]} الوقوف عندها وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها ، من الإعنات وهو إيقاع العنت وهو أسوأ الهلاك الذي{[10199]} يفحش{[10200]} نعته - قاله الحرالي . ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } {[10201]}أي الملك الأعظم{[10202]} { عزيز{[10203]} } يقدر على ما يريد { حكيم * } يحكمه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء منه .