الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (88)

قوله تعالى : " وكذلك ننجي المؤمنين " أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم . وذلك قوله : " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون{[11348]} " [ الصافات : 143 - 144 ] وهذا حفظ من الله عز وجل لعبده يونس رعى له حق تعبده ، وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة . وقال الأستاذ أبو إسحاق : صحب ذو النون الحوت أياما قلائل فإلي يوم القيامة يقال له ذو النون ، فما ظنك بعيد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده ! لا يظن به ذلك . " من الغم " أي من بطن الحوت . قوله تعالى : " وكذلك ننجي المؤمنين " قراءة العامة بنونين من أنجي ينجي . وقرأ ابن عامر " نجي " بنون واحدة وجيم مشددة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر أي وكذلك نجي النجاء المؤمنين ، كما تقول : ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا وأنشد :

ولو ولدتْ قُفَيْرَةُ{[11349]} جروَ كلبٍ *** لسُبَّ بذلك الجرو الكِلاَبَا

أراد لسب السب بذلك الجرو . وسكنت ياؤه على لغة من يقول بقي ورضي فلا يحرك الياء . وقرأ الحسن " وذروا ما بقي من الربا{[11350]} " [ البقرة : 278 ] استثقالا لتحريك ياء قبلها كسرة . وأنشد :

خَمَّرَ الشَّيْبُ لِمَّتِي تَخْمِيرا *** وحدا بي إلى القبورِ البَعِيرَا

ليت شعري إذا القيامة قامت*** ودُعِيَ بالحساب أين المصيرَا

سكن الياء في دعي استثقالا لتحريكها وقبلها كسرة وفاعل حدا ، المشيبُ ، أي وحدا المشيب البعير ؛ ليت شعري المصير أين هو . هذا تأويل الفراء وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة . وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالوا : هو لحن ؛ لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله ، وإنما يقال : نجي المؤمنون . كما يقال : كرم الصالحون . ولا يجوز ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا ؛ لأنه لا فائدة [ فيه ]{[11351]} إذ كان ضرب يدل على الضرب . ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى . ولأبي عبيد قول آخر - وقال القتبي - وهو أنه أدغم النون في الجيم . النحاس : وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين ؛ لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها ، ولا يجوز في " من جاء بالحسنة{[11352]} " " مجاء بالحسنة " قال النحاس : ولم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان . قال : الأصل ننجي فحذف إحدى النونين ؛ لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين ؛ لاجتماعهما نحو قوله عز وجل : " ولا تفرقوا " {[11353]} [ آل عمران : 103 ] والأصل تتفرقوا . وقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية " وكذلك نجّى المؤمنين " أي نجّى الله المؤمنين ، وهي حسنة .


[11348]:راجع جـ 15 ص 121.
[11349]:قفيرة (كجهينة): أم الفرزدق. والبيت لجرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق.
[11350]:راجع جـ 3 ص 362.
[11351]:الزيادة من "إعراب القرآن" للنحاس.
[11352]:راجع جـ 7 ص 150.
[11353]:راجع جـ 4 ص 158.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (88)

ولذلك قال تعالى {[51600]} مسبباً عن دعائه{[51601]} : { فاستجبنا له } أي أوجدنا الإجابة إيجاد من هو طالب لها تصديقاً{[51602]} لظنه أن لن نعاقبه " أنا عند ظن عبدي بي " والآية تفهم أن شرط الكون مع من يظن الخير دوام{[51603]} الذكر وصدق الإلتجاء{[51604]} ، وقال الرازي في اللوامع : وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبتدىء بالتوحيد ثم بالتسبيح والثناء ثم بالاعتراف والاستغفار والاعتذار ، وهذا شرط كل دعاء - انتهى .

ولما كان التقدير : فخلصناه مما كان فيه ، عطف عليه {[51605]} قوله ، تنبيهاً{[51606]} {[51607]} على أنهما نعمتان لأن أمره مع صعوبته كان في غاية الغرابة{[51608]} : { ونجيناه } {[51609]} أي بالعظمة البالغة{[51610]} تنجية عظيمة ، وأنجيناه إنجاء عظيماً{[51611]} { من الغم } الذي كان ألجأه إلى المغاضبة ومن غيره ، قال الرازي : وأصل الغم الغطاء على القلب - انتهى . فألقاه الحوت على الساحل وأظله الله بشجرة القرع .

ولما كان هذا وما تقدمه أموراً غريبة ، أشار إلى القدرة على أمثالها من جميع الممكنات ، وأن ما فعله من إكرام أنبيائه عام لأتباعهم بقوله : { وكذلك } أي ومثل ذلك الإنجاء العظيم الشأن والتنجية{[51612]} { ننجي } {[51613]} أي بمثل ذلك العظمة{[51614]} { المؤمنين* } إنجاء عظيماً وننجيهم تنجية عظيمة ، {[51615]} ذكر التنجية أولاً يدل على مثلها ثانياً ، وذكر الإنجاء ثانياً يدل على مثله أولاً وسر ذلك الإشارة إلى شدة العناية بالمؤمنين لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - بما أشار إليه بحديث " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " " يبتلى المرء على قدر دينه " فيسلهم سبحانه من البلاء كما تسل الشعرة من العجين ، فيكون ذلك مع السرعة في لطافة وهناء - بما أشارت إليه قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم رضي الله عنه بتشديد الجيم لإدغام النون الثانية فيه{[51616]} ، أو يكون المعنى أن من دعا منهم بهذا الدعاء أسرع نجاته{[51617]} ، فإن المؤمن متى حصلت له هفوة{[51618]} راجع ربه فنادى {[51619]} معترفاً بذنبه{[51620]} هذا النداء{[51621]} ، ولاسيما إن مسه{[51622]} بسوط الأدب ، فبادر إليه الهرب .


[51600]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51601]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51602]:من مد، وفي الأصل: تصدرها – كذا.
[51603]:في الأصل بياض ملأناه من مد.
[51604]:من مد، وفي الأصل: الالتها، والعبارة من "أي أوجدنا" إلى هنا ساقطة من ظ.
[51605]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51606]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51607]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51608]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51609]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[51610]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51611]:زيد من مد.
[51612]:زيد من مد.
[51613]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51614]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51615]:أي فالآية من الاحتباك.
[51616]:راجع للتفصيل نثر المرجان 4 / 422 و 423.
[51617]:زيد من مد.
[51618]:من ظ ومد وفي الأصل: عفوة.
[51619]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51620]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51621]:زيد في الأصل: بعد الاعتراف بالذنب، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[51622]:في الأصل بياض ملأناه من ظ ومد.