الأولى : قوله تعالى : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات " هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع . وقد اختلف من المخاطب بها ، فقال علي بن أبى طالب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب وابن زيد : هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة ، فهي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمرائه ، ثم تتناول من بعدهم . وقال ابن جريج وغيره : ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحجبي العبدري من بني عبدالدار ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة ، فطلبه العباس بن عبدالمطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان ، وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية . قال عمر بن الخطاب : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية ، وما كنت سمعتها قبل منه ، فدعا عثمان وشيبة فقال : ( خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ) . وحكى مكي : أن شيبة أراد ألا يدفع المفتاح ، ثم دفعه ، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : خذه بأمانة الله . وقال ابن عباس : الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردوهن إلى الأزواج . والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات . وهذا اختيار الطبري . وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك ، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه ، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى . وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها ) أو قال : ( كل شيء إلا الأمانة{[4576]} - والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع ) . ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية . وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب قالوا : الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع ، وقال ابن عباس : لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة . قلت : وهذا إجماع . وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار . قاله ابن المنذر . والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جمع . ووجه النظم بما تقدم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقولهم : إن المشركين أهدى سبيلا ، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات ، فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا . وأمهاتها في الأحكام : الوديعة واللقطة والرهن والعارية . وروى أبي بن كعب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) . أخرجه الدارقطني . ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في " البقرة{[4577]} " معناه . وروى أبو أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع : ( العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم ) . صحيح أخرجه الترمذي وغيره . وزاد الدارقطني : فقال رجل : فعهد الله ؟ قال : ( عهد الله أحق ما أدي ) . وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في رد الوديعة وأنها مضمونة على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تعدي فيها أو لم يتعد - عطاء والشافعي وأحمد وأشهب . وروي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ضمنا الوديعة . وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا يغاب عليه فتلف عنده فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي . وهذا قول الحسن البصري والنخعي ، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا : ومعنى قول عليه السلام : ( العارية مؤداة ) هو كمعنى قوله تعالى : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " . فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق فكذلك العارية إذا تلفت من غير تعد ؛ لأنه لم يأخذها على الضمان ، فإذا تلفت بتعديه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها . وروي عن علي وعمر وابن مسعود أنه لا ضمان في العارية . وروى الدارقطني عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا ضمان على مؤتمن ) . واحتج الشافعي فيما استدل به بقول صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم لما استعار منه الأدراع : أعارية مضمونة أو عارية مؤداة ؟ فقال : ( بل عارية مؤداة ) .
الثانية : قوله تعالى : " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " قال الضحاك : بالبينة على المدعي واليمين على من أنكر . وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام ، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات . قال صلى الله عليه وسلم : ( إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ) . وقال : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) . فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء رعاة : وحكاما على مراتبهم ، وكذلك العالم الحاكم ؛ لأنه إذا أفتى{[4578]} حكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام ، والفرض والندب ، والصحة والفساد ، فجميع ذلك أمانة تؤدى وحكم يرضى . وقد تقدم في ( البقرة ){[4579]} القول في " نعما " .
قوله تعالى : " إن الله كان سميعا بصيرا " وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ويرى ، كما قال تعالى : " إنني معكما أسمع وأرى{[4580]} " [ طه :46 ] فهذا طريق السمع . والعقل يدل على ذلك ، فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضهما من العمى والصمم ، إذ المحل القابل للضدين لا يخلو من أحدهما ، وهو تعالى مقدس عن النقائص ويستحيل صدور الأفعال الكاملة من المتصف ، بالنقائص ، كخلق السمع والبصر ممن ليس له سمع ولا بصر . وأجمعت الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص وهو أيضا دليل سمعي يكتفى به مع نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الإسلام . جل الرب تبارك وتعالى عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون " سبحان ربك رب العزة عما يصفون{[4581]} " [ الصافات :180 ] .
ولما{[21760]} تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في {[21761]}النساء و{[21762]}اليتامى في الإرث وغيره ، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال ، وذكر خيانة{[21763]} أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب ، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم ، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم ؛ أقبل عليهم بلذيذ{[21764]} خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه{[21765]} بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث " سبعة يظلمهم الله في ظله{[21766]} " فقال : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال{[21767]} { يأمركم } أي أيتها{[21768]} الأمة { أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } أي من غير خيانة{[21769]} ما ، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره ، والأمانة : كل ما وجب لغيرك عليك .
ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه ، أمر بما يحق له في معاملة غيره{[21770]} ، وحقق لهم{[21771]} ما لم يكونوا يرومونه{[21772]} من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفاً شيئين على شيئين{[21773]} : { إذا حكمتم } وبين عموم ملكهم لسائر{[21774]} الأمم بقوله{[21775]} : { بين الناس } وبين المأمور به بقوله : { أن تحكموا بالعدل } أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له{[21776]} ، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل{[21777]} الظليل ، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل " الحديث .
ولما أخبرهم بأمره{[21778]} زادهم رغبة{[21779]} بقوله : { إن الله } {[21780]}معبراً أيضاً بالاسم الأعظم { نعمَّا } أي نعم شيئاً عظيماً{[21781]} { يعظكم به } وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله : { إن الله } مكرراً لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم . ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من{[21782]} أن يكون له من يد سمع وعلم قال{[21783]} : { كان } أي ولم يزل{[21784]} ولا يزال{[21785]} { سميعاً } أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جواباً لأمره وغيره ذلك { بصيراً * } أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره .