الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (40)

قوله تعالى : " إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء " أي لأرواحهم . جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب ( التذكرة ) . منها حديث البراء بن عازب ، وفيه في قبض روح الكافر قال : ويخرج منها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة . فيقولون فلان بن فلان ، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تفتح لهم أبواب السماء " الآية . وقيل : لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا ؛ قاله مجاهد والنخعي . وقيل : المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة ؛ لأن الجنة في السماء . ودل على ذلك قوله : " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " والجمل لا يلج فلا يدخلونها البتة . وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم . وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر لهم ولا لأحد منهم . قال القاضي أبو بكر بن الطيب : فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعا من الأمة ؟ وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار . قيل له : هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم ، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار ، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر . وقرأ حمزة والكسائي : " لا تفتح " بالياء مضمومة على تذكير الجمع . وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة ، كما قال : " مفتحة لهم الأبواب{[7121]} " [ ص : 50 ] فأنث . ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع . وهي قراءة ابن عباس بالياء وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي ، على معنى أن التخفيف يكون للقليل والكثير ، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير ، والتشديد هنا أولى لأنه على الكثير أدل . والجمل من الإبل . قال الفراء : الجمل زوج الناقة . وكذا قال عبدالله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال : هو زوج الناقة ، كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا . والجمع جمال وأجمال وجمالات وجمائل . وإنما يسمى جملا إذا أربع . وفي قراءة عبد الله : " حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط " . ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبد الله . . . ؛ فذكره . وقرأ ابن عباس " الجمل " بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها . وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس ، وهو حبال مجموعة ، جمع جملة . قاله أحمد بن يحيى ثعلب . وقيل : الحبل الغليظ من القنب . وقيل : الحبل الذي يصعد به في النخل . وروي عنه أيضا وعن سعيد بن جبير : " الجمل " بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلس أيضا والحبل ، على ما ذكرنا آنفا . وروي عنه أيضا " الجمل " بضمتين جمع جمل . كأسد وأسد ، والجمل مثل أسد وأسد . وعن أبي السمال " الجمل " بفتح الجيم وسكون الميم ، تخفيف " جمل " . وسم الخياط : ثقب الإبرة . عن ابن عباس وغيره . وكل ثقب لطيف في البدن يسمى سما وسماه وجمعه سموم . وجمع السم القاتل سمام . وقرأ ابن سيرين " في سُم " بضم السين . والخياط : ما يخاط به . يقال : خياط ومخيط . مثل إزار ومئزر وقناع ومقنع .


[7121]:راجع ج 15 ص 219
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (40)

ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص{[32233]} ، أخبر أن هؤلاء ليسوا كذلك ، لأنهم أنجاس فليسوا أهلاً لمواطن الأقداس ، فقال مستأنفاً لجواب من كأنه قال : أما لهؤلاء خلاص ؟ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف : { إن الذين كذبوا بآياتنا } أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة إلينا { واستكبروا عنها } أي وأوجدوا الكبر{[32234]} متجاوزين عن اتباعها { لا تفتح لهم } أي لصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا أرواحهم ولا لنزول البركات عليهم { أبواب السماء } لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت{[32235]} أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك إلى سجين { ولا يدخلون الجنة } أي التي هي أطهر المنازل وأشرفها { حتى } يكون ما لا يكون بأن { يلج } أي يدخل ويجوز{[32236]} { الجمل } على كبره { في سم } أي في خرق { الخياط } أي الإبرة{[32237]} اي حتى يكون ما لا يكون ، إذاً{[32238]} فهو تعليق على محال{[32239]} ، فإن الجمل مثل في عظم الجرم عند العرب ، وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك ، يقال : أضيق من خرق الإبرة ، ومنه الماهر الخريت للدليل الذي يهتدي في المضايق المشبهة بأخراق الإبر ؛ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الجمل فقال : زوج الناقة - استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن{[32240]} طلب معنى آخر غير هذا الظاهر تكلف .

ولما كان هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين أيضاً فقال : { وكذلك } أي و{[32241]}مثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة{[32242]} { نجزي المجرمين* } أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل وإن كانوا أذناباً مقلدين للمستكبرين المكذبين{[32243]} ؛


[32233]:- سقط من ظ.
[32234]:- من ظ، وفي الأصل: الكفر.
[32235]:- من ظ، وفي الأصل: اصعدت.
[32236]:- في ظ: يحيل-كذا.
[32237]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32238]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32239]:- زيد من ظ.
[32240]:- سقط من ظ.
[32241]:زيد من ظ.
[32242]:-زيد من ظ.
[32243]:-زيد من ظ.