الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

قوله تعالى : " وبرزوا لله جميعا " أي برزوا من قبورهم ، يعني يوم القيامة . والبروز الظهور . والبراز المكان الواسع لظهوره ، ومنه امرأة برزة أي تظهر{[9487]} للناس ، فمعنى ، " برزوا " ظهروا من قبورهم . وجاء بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال ، واتصل هذا بقوله : " وخاب كل جبار عنيد " أي وقاربوا لما استفتحوا فأهلكوا ، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله جميعا لا يسترهم عنه ساتر . " لله " لأجل أمر الله إياهم بالبروز . " فقال الضعفاء " يعني الأتباع " للذين استكبروا " وهم القادة . " إنا كنا لكم تبعا " يجوز أن يكون تبع مصدرا ، التقدير : ذوي تبع . ويجوز أن يكون تابع ، مثل حارس وحرس ، وخادم وخدم ، وراصد ورصد ، وباقر وبقر{[9488]} . " فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء " أي دافعون " عنا من عذاب الله من شيء " أي شيئا ، و " من " صلة ، يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع . " قالوا لو هدانا الله لهديناكم " أي لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه . وقيل : لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها . وقيل : لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه . " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " " سواء علينا " هذا ابتداء خبره " أجزعنا " أي : " سواء علينا " أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " أي من مهرب وملجأ . ويجوز أن يكون بمعنى المصدر ، وبمعنى الاسم ، يقال : حاص فلان عن كذا أي فر وزاغ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا وحَيَصَانًا ، والمعنى : ما لنا وجه نتباعد به عن النار . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول أهل النار إذا أشتد بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هلم فلنجزع فيجزعون ويصيحون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " ) . وقال محمد بن كعب القرظي : ذكر لما أن أهل النار يقول بعضهم لبعض : يا هؤلاء ! قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون ، فهلم فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا ، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا ، فطال صبرهم فجزعوا ، فنادوا : " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " أي منجي ، فقام إبليس عند ذلك فقال : " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم " يقول : لست بمغن عنكم شيئا " وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل " الحديث بطوله ، وقد كتبناه في كتاب { التذكرة } بكماله .


[9487]:قال في المصباح: امرأة برزة عفيفة تبرز للرجال وتتحدث معهم وهي المرأة التي أسنت وخرجت عن حد المحجوبات. 1 هـ. وامرأة برزة وبارزة المحاسن. قال الراغب: لأن رفعتها بالعفة لا إن اللفظة اقتضت ذلك.
[9488]:بقر: شق ووسع.
 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

{ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ( 21 ) }

وخرجت الخلائق من قبورهم ، وظهروا كلهم يوم القيامة لله الواحد القهار ؛ ليحكم بينهم ، فيقول الأتباع لقادتهم : إنَّا كنَّا لكم في الدنيا أتباعًا ، نأتمر بأمركم ، فهل أنتم -اليوم- دافعون عنا من عذاب الله شيئًا كما كنتم تَعِدوننا ؟ فيقول الرؤساء : لو هدانا الله إلى الإيمان لأرشدناكم إليه ، ولكنه لم يوفقنا ، فضللنا وأضللناكم ، يستوي علينا وعليكم الجَزَع والصبر عليه ، فليس لنا مهرب من العذاب ولا منجى .