لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} (39)

المشيئة لا تتعلق بالحدوث ، والمحو والإثبات متصلان بالحدوث .

فصفات ذات الحق - سبحانه - من كلامه وعلمه ، وقوْلِه وحُكْمِه لا تدخل تحت المحو والإثبات ، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله ؛ المحوُ يرجع إلى العَدَم ، والإثباتُ إلى الإحداثِ ، فهو يمحو من قلوب الزُّهاد حُبَّ الدنيا ويُثْبِتُ بَدَلَه الزهدَ فيها ، كما في خبر حارثَةَ : " عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حَجَرُها وذَهبُها " .

ويمحو عن قلوب العارفين الحظوظَ ، ويُثْبِتُ بدلها حقوقَه تعالى ، ويمحو عن قلوب المُوحِّدين شهودَ غير الحق ويثبت بَدَلَه شهود الحق ، ويمحو آثار البشرية ويثبت أنوار شهود الأحدية .

ويقال يمحو العارفين عن شواهدهم ، ويثبتهم بشاهد الحق .

ويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحقِّ فيكون محواً عن الخْلق مثبتاً بالحق للحق .

ويقال يمحو العبد فلا يجري عليه حكم التدبير ، ويكون محواً بحسب جريان أحكام التقدير ، ويثبت سلطانَ التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار عليه على ما يشاء .

ويقال يمحو عن قلوب الأجانب ذِكْرَ الحق ، ويثبت بَدَلَه غلبات الغفلةِ وهواجِمَ النسيان .

ويقال يمحو عن قلوب أهل الفترة ما كان يلوح فيها من لوامع الإرادة ، ويثبت بدلها الرجوعَ إلى ما خرجوا عنه من أحكام العادة .

ويقال يمحو أوضارَ الزَّلَّة عن نفوس العاصين ، وآثار العصيان عن ديوان المذنبين ( ويثبت ) يدل ذلك لَوْعَةَ النَّدم ، وانكسار الحَسْرَةِ ، والخمودَ عن متابعة الشهوة .

ويقال يمحو عن ذنوبهم السيئةَ ، ويثبت بدلها الحسنة ، قال تعالى : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ } [ الفرقان :70 ] .

ويقال يمحو الله نضارةَ الشباب ويثبت ضعفَ المشيب .

ويقال يمحو عن قلوب الراغبين في مودة أهل الدنيا ما كان يحملهم على إيثار صحبتهم ، ويثبت بدلاً منه الزهد في صحبتهم والاشتغال بعِشْرَتِهِم .

ويقال يمحو الله ما يشاء من أيام صَفَتْ من الغيب ، وليالٍ كانت مُضاءةً بالزلفة والقربة ويثبت بدلاً منه ذلك أياماً في أشدُّ ظلاماً من الليالي الحنادس ، وزمانا يجعل سَعَةَ الدنيا عليهم محابِس .

ويقال يمحو العارفين بكشف جلاله ، ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله .

ويقال يمحوهم إذا تجلَّى لهم ، ويثبتهم إذا تعزَّز عليهم .

ويقال يمحوهم إذا ردّهم إلى أسباب التفرقة لأنهم يبصرون بنعت الافتقار والانكسار ، ويثبتهم إذا تجلَّى لقلوبهم فيبصرون بنعت الاستبشار ، ويشهدون بحكم الافتخار .

قوله جلّ ذكره { وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ } .

قيل اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما سبق به عِلْمُه وحُكْمُه مما لا تبديلَ ولا تغييرَ فيه .

ويقال إنه إشارة إلى علمه الشامل لكل معلوم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} (39)

قوله : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } اختلفوا في تأويل هذه الآية ؛ فقد قيل : يمحو الله ما يشاء من أمور العباد فيغيره ؛ إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت ، وقال ابن عباس : يمحو الله ما يشاء ويثبت ؛ إلا أشياء : الخلق والخلق والأجل والرزق ، والسعادة والشقاء .

وفي رواية عن ابن عباس : يبدل الله ما يشاء من القرآن فينسخه ، ويثبت ما يشاء فلا يبدله { وعنده أم الكتاب } أي جملة ذلك عنده في أم الكتاب وهو الناسخ والمنسوخ ما يبدل . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي : اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه ؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ، فاجعله سعادة ومغفرة .

وقيل : إن الله ينسخ من الأقدار ما يشاء ويثبت منها ما يشاء .

ويعزز هذا القول ما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ) وثبت في الصحيح أن : ( صلة الرحم تزيد في العمر ) .

قوله : { وعنده أم الكتاب } أي اللوح المحفوظ . وهو كل كائن مكتوب فيه ، فهو جملة الكتاب وأصله ؛ لأن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أصل المثبت منه والممحو ؛ وجملة ذلك كله في كتاب عند الله{[2359]} .


[2359]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 520 والكشاف جـ 2 ص 363.