لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ} (10)

قوله جل ذكره : { وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .

" داود " اسم أعجمي ، وقيل سمي داود لأنه داوى جَرْحه ، وَرَدَ في القصة أنه قال في إحدى مناجاته : يا رب ، إني أرى في التوراة ما أعطيتَ لأوليائك وأَنبيائك من الرتب فأعطنيها فقال : إني ابتليتهم فصبروا ، فقال : إني أصبر على بلائك ، فأَعْطني ما أعطيتهم ، فأبلاه ، فوقف ، فأعطاه ما أعطاهم .

{ وَلَقَدْ آتينَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً } : تكلموا في هذا الفضل ؛ فمنهم مَنْ أراد ما ذكره بعده وهو قوله للطير : { أَوِّبِي مَعَهُ } : وكذلك الجبال ، وكان في ذلك تنفيس في وقت حُزْنِه وبكائه . وقيل ذلك الفضلُ رجوعُه إلى الله - في حال ما وقع له - بالتنصل والاعتذار . ويقال هو شهودُه موضِعَ ضرورته وأنه لا يُصْلِحُ أمرَه غيرُه . ويقال طيب صوته عند قراءة الزبور حَتى كان ليرْغبُ في متَابعته مَنْ يسمع إليه . ويقال حلاوةُ صوته في المناجاة . ويقال حُسنُ خُلقه مع أمته الذين اتبعوه ، ويقال توفيقه للحكم بين أمته بالعدل . . .

قوله : { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ } أمرَ الجبالَ والطيرَ بمجاوبته حتى خرَجَ إلى الجبال والصحارى ينوح على نفسهِ .

ويقال أوحى الله له : يا داود ، كانت تلك الزَّلَّةُ مباركةً عليك ! فقال . يا رب ، وكيف ؟ فقال : كنتَ تجيء قبلها كما يجيء المطيعون والآن تجيء كما يجيء أهل الذنوب !

يا داود ، إن أنينَ المذْنبين أحبُّ إليّ من صُراخ العابدين !

ويقال ، كان داود يقول . اللهمّ لا تَغفرْ للخاطئين ، غيرةً منه وصلابةً في الدين . . . فلما وقع له ما وقع كان يقول . اللهم اغفر للمذنبين ، فعسى أن تغفرَ لداود فيما بينهم .

ويقال لمَّا تاب الله عليه ، واجتمع الإنسُ والجنُّ والطير بمجلسه ، وَرَفع صوتَه ، وأداره في حَنَكِه على حسب ما كان من عادته تفرّقت الطيور وقَالوا . الصوتُ صوتُ داود والحال ليست تلْك ! فأوحَى اللَّهُ إليه هذه وَحْشةُ الزّلة ، وتلك كانت أُنسَ الطاعة . . فكان داودُ يبكي وينوح ويصيح والطير والجبالُ معه .

وَيقال ليس كلُّ مَنْ صاح وراءه معنى ، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال والطير . . .

{ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدَِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً } . ألان له الحديدَ ، وجعل ذلك معجزةً له ، وجعل فيه توسعةَ رزقه ، ليجدَ في ذلك مكسباً ، لِيَقْطَعَ طَمَعَه عن أُمته في ارتفاقه بهم ليباركَ لهم في اتِّباعِه .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ} (10)

قوله تعالى : { ولقد آتينا داود منا فضلاً } يعني النبوة والكتاب ، وقيل : الملك . وقيل : جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به ، { يا جبال } أي : وقلنا يا جبال ، { أوبي } أي : سبحي ، { معه } إذا سبح ، وقال القتيبي : أصله من التأويب في السير ، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلاً كأنه قال أوبي النهار كله بالتسبيح معه . وقال وهب : نوحي معه . { والطير } عطف على موضع الجبال ، لأن كل منادى في موضع النصب . وقيل : معناه : وسخرنا وأمرنا الطير أن تسبح معه ، وقرأ يعقوب : والطير بالرفع رداً على الجبال ، أي : أوبي أنت والطير . وكان داود إذا نادى بالناحية أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه ، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك . وقيل : كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح . وقيل : كان داود عليه السلام إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطاً له . { وألنا له الحديد } حتى كان الحديد في يده كالشمع والعجين يعمل فيه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة . وكان سبب ذلك على ما روي في الأخبار : أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكراً ، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه تقدم إليه وسأله عن داود ويقول له : ما تقول في داود واليكم هذا أي رجل هو ؟ فيثنون عليه ، ويقولون خيراً ، فقيض الله له ملكاً في صورة آدمي ، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله ، فقال الملك : نعم الرجل هو لولا خصلة فيه ، فراع داود ذلك وقال : ما هي يا عبد الله ؟ قال : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال ، قال فتنبه لذلك وسأل الله أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال ، فيتقوت منه ويطعم عياله ، فألان الله تعالى له الحديد وعلمه صنعة الدرع ، وأنه أول من اتخذها . ويقال : إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم ، فيأكل ويطعم منها عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين . ويقال إنه كان يعمل كل يوم درعاً يبيعها بستة آلاف درهم ، فينفق ألفين منها على نفسه وعياله ، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني إسرائيل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده " .