هذه وصية له - صلى الله عليه وسلم - في باب الفقراء والمستضعفين ، وذلك لما قَصَرُوا لسان المعارضة عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - مجلسه منهم ، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدي الله أرادَ أنْ يُبَيِّن له أَثرَ حُسْنِ الابتهال فتولَّى - سبحانه - خصيمتهم .
وقال : { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } : لا تنظر يا محمد إلى خِرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم في سرائرهم .
ويقال كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم ، ولولا أنه - سبحانه - قال : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصاً مخلوقاً يريد الحق سبحانه ؟
ويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق - في التحقيق - إلا بالحدوث ، وحقيقة الصمدية متقدسة عن الاتصاف بالحدثان ، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست بمعنى المشيئة ، ولا كاشتقاق أهل اللغة لها .
فيقال تكلم الناس في الإرادة : وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل في القلوب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله ؛ فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً ، ولا يجد من دون وصوله إليه - سبحانه - سكوناً ولا قراراً ، كما قال قائلهم :
ثم قطعتُ الليلَ في مَهْمَةٍ *** لا أسداً أخشى ولا ذيبا
يغلبني شوقي فأطوي السُّرى *** ولم يَزَلْ ذو الشوق مغلوبا
ويقال تقيَّدت دعوتهم بالغداة والعشيّ لأنها من الأعمال الظاهرة ، والأعمالُ الظاهرة مؤقتة ، ودامت إرادتهم فاستغرقت جميع أوقاتهم لأنها من الأحوال الباطنة ، والأحوال الباطنة مسرمدة غير مؤقتة ، فقال : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِىِّ } ثم قال : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي مريدين وجهه فهي في موضع الحال .
ويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم ، و لا مطالبة من عقباهم ، ولا همَّ سوى حديث مولاهم ، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم ، فتولَّى حديثهم وقال : ولا تطردهم - يا محمد - ثم قال : ما عليك من حسابهم من شيء ؛ فالفقير خفيف الظهر لا يكون منه على أحد كثير مؤنة ؛ قال تعالى : { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيء } لا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك ، بل كلٌّ يتولى الحقُّ - سبحانه - حسابَه ؛ فإِن كان أمره خيراً فهو ملاقيه ، وإن كان شراً فهو مقاسيه .
{ و لا تطرد الذين يدعون ربهم }ولا تبعد عنك ضعفاء المؤمنين الذين سارعوا إلى الإيمان بك ، واستداموا على عبادة ربهم يبتغون بها وجهه الكريم ، مثل : سلمان ، و بلال ، و صهيب ، وعمار ،
و خباب ، أملا في إسلام رؤساء المشركين وسادتهم الذين استنكفوا منهم وقالوا : لو طردت هؤلاء السقاط لجالسناك . بل اجعلهم جلساءك و أخصاءك فهم عند الله أفضل و أزكى ، كما قال تعالى : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا }{[135]} . ولم يقع منه صلى الله عليه وسلم طرد لهم ، وإنما لهم بإبعادهم وقت حضور هؤلاء السادة ، لمصلحة أخرى ، وهي التلطف لهم أملا في إسلامهم . والغداة لغة : كالبكرة ، ما بين صلاة الفجر و طلوع الشمس . و العشي : آخر النهار . أو من الزوال إلى الغروب . والمراد بهما هنا جميع الأوقات .
{ ما عليك من حسابهم من شيء }لما قال المشركون في حق هؤلاء الضعفاء : إنهم ما قبلوا دينك ولازموك إلا لحاجتهم إلى المأكول والملبوس ، قال تعالى إن كان الأمر كما زعموا فما يلزمك إلا
اعتبار الظاهر ، وحسابهم على الباطن لا يتعدى إليك ، كما أن حسابك لا يتعدى إليهم . وهو كقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى }{[136]} . وقوله{ فتطردهم }جواب لقوله{ ما عليك من حسابهم من شيء }وقوله{ فتكون من الظالمين }جواب لقوله{ ولا تطرد }أي فتكون من الذين يضعون الشيء في غير موضعه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.