لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ} (22)

كما أن الرياحَ في الآفاق مُقَدِّمَاتُ المطر كذلك الآمال في القلوب ، وما يقرب العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر ، ونسيم النجاة في الطلب يحصل ، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف .

قوله جلّ ذكره : { فَأَسْقَيْنَاكُمُوُهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } .

أسفاه إذا جعل له السُّقيا ؛ كذلك يجعل الحق - سبحانه- لأوليائه ألطافاً معلومة في أوقات محدودة ! كما قال في وصف أهل الجنة : { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةَ وعَشِيّاً }

[ مريم :62 ] .

كذلك يجعل من شراب القلوب لِكُلِّ ورداً معلوماً ، ثم قضايا ذلك تختلف : فمِنْ شراب يُسْكِر ، ومن شراب يُحْضِر ، ومن شراب يزيل الإحساس ، كما قيل :

فصحوك من لفظي هو الصحو كله *** وسُكْرُكَ من لحظي يبيح لك الشُّرْبا

ويقال إذا هبَّت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية ، فلا للأغيار فيها أثر ، ولا عن الخلائق لهم خبر .

ويقال إذا هبَّت رياح القرب على قلوب العارفين عَطَّرَتْها بنفخات الأنس ، فيَسْقَوْن في نسيمها على الدوام ، وفي معناه أنشدوا :

وهبَّتْ شمال آخر الليل قَرَّةٌ *** ولا ثوبَ إلا بُرْدَةَ ورائيا

وما زال بُردِي لينا من ردائها*** إلى الحوْلِ حتى أصبح البُرْدُ باليا

ويقال إذا هبَّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مَسَاوِيه مناقِبَه ومثالبُه محاسنه .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ} (22)

فأنزلنا : فأعطينا .

لواقح : جمع لاقح . معناها حوامل للماء ، ومعنى آخر لأنها تلقح النباتات والشجر .

ثم فصّل بعض ما في خزائنه من النعم فقال :

{ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } .

وقد أرسل الله تعالى الرياحَ بالماءِ تحملُه ، فتحيي الأمطار الخلقَ والأرض وتعطيها حياةً جديدة ، فتُزهرُ بكلّ لونٍ بهيج ، ويشرب منها الإنسانُ ويسقي زرعه وحيوانه .

والخلاصة : نحن القادرون على إيجاد الماء وخزنه في السحاب وإنزاله مطراً ، وما أنتم على ذلك بقادرين ، لأنه في دورة مستمرة ، يتبخر من البحر والأرض ، ثم تحمله السحب فينزل على الأرض ويعود إلى البحر .

وقد زاد بعض المفسرين معنى آخر لكلمة لواقح فقالوا : إن الرياح تحمل اللقاح من شجرةٍ إلى شجرة ، ومن نبته إلى أختها ، وهذا أيضا لم يكن معروفا في الأزمان السابقة ، فيكون هذا أيضا من معجزات القرآن الكريم .

قراءات :

قرأ حمزة وحده : «وأرسلنا الريح » بالإفراد ، والباقون بالجمع كما هو في المصحف .

بعد أن ذكر الله تعالى نظم المعيشة في هذه الحياة بين أن الحياة والموت بيده وأنه هو الحي الباقي يرث الأرض ومن عليها .