أي ليس من صفة مَنْ اخترناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه ، أو يقول بإثبات نفسه وحظِّه ، لأن اختياره - سبحانه - إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عَمَّا لا يجوز ، فتجويز ذلك في وصفهم مُنافٍ لحالهم ، وإنما دعاء الرسل والأولياء - للخلق - إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو معنى قوله تعالى : { وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين ، والربَّاني منسوبٌ إلى الرب كما يقال فلان دقياني ولحياني . . . وبابه .
وهم العلماء بالله الحلماء في الله القائمون بفنائهم عن غير الله ، المستهلكة حظوظهم ، المستغرِقون في حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم ، ينطقون بالله ويسمعون بالله ، وينظرون بالله ، فهم بالله مَحْوٌ عمَّا سوى الله .
ويقال الرباني من ارتفع عنه ظِلِّ نفسه ، وعاش في كنف ظلِّه - سبحانه .
ويقال الرباني الذي لا يُثْبِتُ غير ربِّه مُوَحَّداً ، ولا يشهد ذرة من المحو والإثبات لغيره أو مِنْ غيره .
ويقال الربَّاني من هو مَحْقٌ في وجوده - سبحانه - ومحو عن شهوده ، فالقائم عنه غَيْرُه ، والمُجْرِي لِمَا عليه سواه .
ويقال الربَّاني الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها .
ويقال الربَّاني الذي لا تُغَيِّره محنة ولا تَضُرُّه نِعْمة - فهو على حالة واحدة في اختلاف الطوارق .
ويقال الربَّاني الذي لا يتأثر بورود واردٍ عليه ، فَمَنْ استنطقته رقة قلبِ ، أو اسْتَمَالَه هجومُ أمر ، أو تفاوتت عنده أخطار حادث - فليس برباني .
ويقال إنَّ الربَّاني هو الذي لا يبالي بشيء من الحوادث بقلبه وسِرِّه ، ومن كان لا يقصر في شيء من الشرع بفعله .
{ بِمَا كُنتُْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } مِنْ توالي إحساني إليكم ، وتضاعف نعمتي لديكم .
البشر : الإنسان ، تطلق على الذكر والأنثى والمفرد والجمع .
الربانيون : مفرده رباني ، وهو المنسوب إلى الرب لأنه عالم به مواظب على طاعته .
لا ينبغي لأحد من البشر يُنزل الله عليه الكتاب ، ويعلمه الحكمة ، ويعطيه النبوة ، أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله ، بل عليه أن يأمر الناس أن يكونوا خالصين لخالقهم بمقتضى ما علّمهم من الكتاب .
روى الطبري عن ابن عباس : قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت أحبار اليهود ونصارى نجران عند رسول الله ، ودعاهم إلى الإسلام ، قالوا أتريدنا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى ابن مريم ؟ فقال نصراني من أهل نجران يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد ، وإليه تدعونا ؟ فقال الرسول الكريم : " معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ، ما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني " . فأنزل الله عز وجل قوله : { ما كان لبشر . . . . . . . . الآية }
وهذا منتهى الصراحة ، فإن النبي يوقن أنه عبد ، وأن الله هو الرب الذي يتجه إليه العباد بعبادتهم .
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب " بما كنتم تعلمون الكتاب " والباقون " يعلمون " كما هو هنا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.