لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

أي ليس من صفة مَنْ اخترناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه ، أو يقول بإثبات نفسه وحظِّه ، لأن اختياره - سبحانه - إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عَمَّا لا يجوز ، فتجويز ذلك في وصفهم مُنافٍ لحالهم ، وإنما دعاء الرسل والأولياء - للخلق - إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو معنى قوله تعالى : { وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين ، والربَّاني منسوبٌ إلى الرب كما يقال فلان دقياني ولحياني . . . وبابه .

وهم العلماء بالله الحلماء في الله القائمون بفنائهم عن غير الله ، المستهلكة حظوظهم ، المستغرِقون في حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم ، ينطقون بالله ويسمعون بالله ، وينظرون بالله ، فهم بالله مَحْوٌ عمَّا سوى الله .

ويقال الرباني من ارتفع عنه ظِلِّ نفسه ، وعاش في كنف ظلِّه - سبحانه .

ويقال الرباني الذي لا يُثْبِتُ غير ربِّه مُوَحَّداً ، ولا يشهد ذرة من المحو والإثبات لغيره أو مِنْ غيره .

ويقال الربَّاني من هو مَحْقٌ في وجوده - سبحانه - ومحو عن شهوده ، فالقائم عنه غَيْرُه ، والمُجْرِي لِمَا عليه سواه .

ويقال الربَّاني الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها .

ويقال الربَّاني الذي لا تُغَيِّره محنة ولا تَضُرُّه نِعْمة - فهو على حالة واحدة في اختلاف الطوارق .

ويقال الربَّاني الذي لا يتأثر بورود واردٍ عليه ، فَمَنْ استنطقته رقة قلبِ ، أو اسْتَمَالَه هجومُ أمر ، أو تفاوتت عنده أخطار حادث - فليس برباني .

ويقال إنَّ الربَّاني هو الذي لا يبالي بشيء من الحوادث بقلبه وسِرِّه ، ومن كان لا يقصر في شيء من الشرع بفعله .

{ بِمَا كُنتُْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } مِنْ توالي إحساني إليكم ، وتضاعف نعمتي لديكم .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

البشر : الإنسان ، تطلق على الذكر والأنثى والمفرد والجمع .

الحكم : الحكمة .

الربانيون : مفرده رباني ، وهو المنسوب إلى الرب لأنه عالم به مواظب على طاعته .

لا ينبغي لأحد من البشر يُنزل الله عليه الكتاب ، ويعلمه الحكمة ، ويعطيه النبوة ، أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله ، بل عليه أن يأمر الناس أن يكونوا خالصين لخالقهم بمقتضى ما علّمهم من الكتاب .

روى الطبري عن ابن عباس : قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت أحبار اليهود ونصارى نجران عند رسول الله ، ودعاهم إلى الإسلام ، قالوا أتريدنا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى ابن مريم ؟ فقال نصراني من أهل نجران يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد ، وإليه تدعونا ؟ فقال الرسول الكريم : " معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ، ما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني " . فأنزل الله عز وجل قوله : { ما كان لبشر . . . . . . . . الآية }

وهذا منتهى الصراحة ، فإن النبي يوقن أنه عبد ، وأن الله هو الرب الذي يتجه إليه العباد بعبادتهم .

قراءات :

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب " بما كنتم تعلمون الكتاب " والباقون " يعلمون " كما هو هنا .