لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} (13)

قوله جل ذكره : { اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } .

أي اعملوا يا آل داود للشكر ، فقوله : " شكراً " منصوب لأنه مفعول له .

ويقال شكراً ؛ منصوب لأَنه مفعول به مثل قوله تعالى :{ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } [ المؤمنين : 4 ] .

وقد مضى طَرَفٌ من القول في الشكر . والشكور كثير الشكر ، والأصل في الشكر الزيادة ، والشكيرة اسم لما ينبت تحت الأشجار منها ، ودابة شكور إذا أظهرت من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من العَلَفِ ؛ فالشكور الذي يشكر على النعمة فوق ما يشكر أمثالُه وأضرابُه . وإذا كان الناسُ يشكرونه على الرخاء فالشكور يشكره في البلاء .

والشاكر يشكر على الَبذْلِ ، والشكور على المنع . . فكيف بالبذل ؟

والشكور يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه ومالِه ، والشاكر ببعض هذه .

ويقال في { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشّكُورُ } قليلٌ مَنْ يأخذ النعمة مني ولا يحملها على الأسباب ؛ فلا يشكر الوسائطَ ويشكرني . والأكثرون يأخذون النعمة من الله ، ويَجِدُون الخيرَ مِنْ قِبَلهِ ثم يتقلدون المِنَّةَ من غير الله ، ويشكرون غيرَ الله .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} (13)

وأعمالهم{[733]}  كل ما شاء سليمان ، عملوه .

{ مِنْ مَحَارِيبَ } وهو كل بناء يعقد ، وتحكم به الأبنية ، فهذا فيه ذكر الأبنية الفخمة ، { وَتَمَاثِيلَ } أي : صور الحيوانات والجمادات ، من إتقان صنعتهم ، وقدرتهم على ذلك وعملهم لسليمان { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } أي : كالبرك الكبار ، يعملونها لسليمان للطعام ، لأنه يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه غيره ، " و " يعملون له قدورا راسيات لا تزول عن أماكنها ، من عظمها .

فلما ذكر منته عليهم ، أمرهم بشكرها فقال : { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ } وهم داود ، وأولاده ، وأهله ، لأن المنة على الجميع ، وكثير من هذه المصالح عائد لكلهم . { شُكْرًا } للّه على ما أعطاهم ، ومقابلة لما أولاهم . { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } فأكثرهم ، لم يشكروا اللّه تعالى على ما أولاهم من نعمه ، ودفع عنهم من النقم .

والشكر : اعتراف القلب بمنة اللّه تعالى ، وتلقيها افتقارا إليها ، وصرفها في طاعة اللّه تعالى ، وصونها عن صرفها في المعصية .


[733]:- كذا في ب، وفي أ: وأعماله.