لم يكونوا عن الحقِّ - سبحانه - متسترين حتى يظهروا له ، ولكن معناه صارت معارفهم ضرورية فحصلوا في مواطن لم يكن لغير الله فيها حكم ، فصاروا كأنهم ظهروا لله . فقال الضعفاء للذين استكبروا : { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً } توهماً أن يرفعوا عنهم شيئاً من العناء ، فأجابهم المتكبرون : إنَّا جميعاً في العذاب مشتركون ، ولو أمكننا أَنْ ترفعَ عنكم من العذاب ، وقدرنا على أن نهديَكُم إلى طريق النجاة لنجيناكم مما شكوتم ، وأجبناكم إلى ما سألتم ، ولكنكم لستم اليوم لنا بمصرخين ، ولا نحن لكم بمغيثين ، ولا لما تدعونا إليه بمستجيبين . . .
فلا تلومونا ولوموا أنفسكم ، ولات حين ملام ! إنما ينفع لومُ النَّفْس فيما تتعاطاه من الإساءة في زمان المُهْلَةِ وأوقات التكليف ؛ فإنَّ أبوابَ التوبةِ مفتوحة ، ولكن لمن لم ينزع روحَه .
وبرزوا لله جميعا : أي : ظهروا لله جميعا . والمراد : أنهم خرجوا من قبورهم ؛ لحساب الله تعالى وحكمه .
مغنون عنا : أي : دافعون عنا ، يقال : أغنى عنه ؛ إذا دفع عنه الضر ، وأغناه ؛ إذا وصل له النفع .
سواء علينا أجزعنا أم صبرنا : أي : مستو علينا الجزع والصبر ، والجزع : حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده .
محيص : معدل ومهرب ، يقال : حاص عنه يحيص ؛ إذا عدل عنه وحاد إلى جهة الفرار .
{ وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا . . . } .
أي : برزت الخلائق كلها ، برّها وفاجرها ، لله الواحد القهار ، أي : اجتمعوا له في براز من الأرض ، وهو المكان الذي ليس فيه شيء ليستر أحدا ، ومعنى بروزهم لله : ظهورهم من قبورهم للحساب والجزاء ، أمام الله سبحانه وتعالى ، ولما كان هذا البروز أمرا محققا كائنا لا محالة عبر عنه بصيغة الماضي ، كأنه وقع فعلا ودخل في دائرة الوجود .
وهذه على طريقة القرآن الكريم في عرض مشاهد القيامة أمام المشاهد ، كأن الأمر قد وقع فعلا ، فأنت تشاهد الناس جميعا ، قدر برزوا ظاهرين أمام الله ، حيث كانوا في الدنيا يستترون ويختفون خلف الجدران والأماكن ، لكنهم في عرصات القيامة يظهرون بارزين ، لا يستطيعون الاستخفاء ، ولا إخفاء أي شيء ، فقد ورد في الحديث الصحيح : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا )14 ، فهم حفاة الأقدام ، عراة الأجساد ، غرلا لم تزل قلفتهم بل حشروا كيوم ولدتهم أمهاتهم بدون ختان .
وطريقة العرض هذه تبعث الرهبة في النفوس ، حيث تشاهد المشهد أمامك ، حيث ظهرت الخلائق جميعا ، في مكان بارز أمام الله تعالى ، لا شيء يسترهم ، ولا مكان يختبئون فيه .
{ فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا } .
أي : قال الأتباع الضعفاء في رأيهم وفكرهم ، الذين انقادوا لسادتهم وكبرائهم في الدنيا قال الضعفاء للكبراء والقادة ؛ الذين استكبروا عن عبادة الله واتباع الرسل : { إنا كنا لكم تبعا } . أي : كنا تابعين لكم تأمروننا فنأتمر ، وتنهوننا فننتهي .
{ فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } . أي : فهل تدفعون عنا اليوم شيئا من ذلك العذاب ، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا في الدنيا ؟ ! .
{ قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أي : لو أرشدنا الله إلى طريق الهدى ، وأضاء أنوار بصائرنا ، وأفاض علينا من توفيقه ومعونته ؛ لأرشدناكم ودعوناكم إلى الهدى ، ولكنه لم يهدنا ؛ فضللنا السبيل وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، لو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا ! .
{ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص } . أي : ليس لنا مهرب ولا خلاص مما نحن فيه ، إن صبرنا أو جزعنا وتألمنا .
روى : أن أهل النار قال بعضهم لبعض15 : إنما أدرك أهل الجنة منازلهم ؛ بسبب بكائهم وتضرعهم إلى الله ؛ تعالوا نبك ونتضرع إلى الله ، فبكوا وتضرعوا بدون فائدة ، فقالوا : تعالوا ؛ فإنما أدرك أهل الجنة منازلهم بالصبر ، تعالوا نصبر ، فصبروا صبرا طويلا فلم ينفعهم ، فعند ذلك قالوا :
{ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } .
أي : مستو عندنا الجزع والهلع مما نحن فيه ، أو الصبر عليه ، وليس لنا منجي ولا مهرب من هذا المصير المؤلم .
ونرى في الآية جانبا من هوان الضعفاء ، وذلتهم وانكسارهم ، فهم يطلبون وسيلة ما ؛ لتخفيف بعض عذاب الله .
ونجد أيضا حسرة المستكبرين وضعفهم وعجزهم ، وتصريحهم بذلك حين قالوا :
{ لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } . وفي مثل هذه الآية قوله تعالى :
{ وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار* قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد } . ( غافر : 48 ، 47 ) .
قوله تعالى : { وبرزوا لله جميعا } أي : خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا جميعا { فقال الضعفاء } ، يعني : الأتباع ، { للذين استكبروا } ، أي : تكبروا على الناس وهم القادة والرؤساء : { إنا كنا لكم تبعاً } جمع تابع ، مثل : حرس وحارس ، { فهل أنتم مغنون } ، دافعون ، { عنا من عذاب الله من شيء } . { قالوا } ، يعني القادة المتبوعين : { لو هدانا الله لهديناكم } ، أي : لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهدى ، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة ، { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ، مهرب ولا منجاة . قال مقاتل : يقولون في النار : تعالوا نجزع ، فيجزعون خمسمائة عام ، فلا ينفعهم الجزع ، ثم يقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم ، فحينئذ يقولون : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } . قال محمد بن كعب القرظي : بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة . فقال الله تعالى : { وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب } [ غافر-49 ] ، فردت الخزنة عليهم : { أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى } [ غافر-50 ] فردت الخزنة عليهم : { ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا { يا مالك ليقض علينا ربك } [ الزخرف-77 ] سألوا الموت ، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة يوما ، واليوم كألف سنة مما تعدون ، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين { إنكم ماكثون } ، فلما أيسوا مما قبله ، بعضهم لبعض : إنه قد نزل بكم من البلاء ما ترون فهلموا فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم ، فأجمعوا على الصبر ، فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ، أي : من منجى . قال : فقام إبليس عند ذلك فخطبهم ، وذلك فقال : { إن الله وعدكم وعد الحق } ، الآية ، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا :{ لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } [ غافر-10 ] قال فنادوا الثانية : { فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون } ، فرد عليهم : { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } الآيات [ السجدة-12 ، 13 ] فنادوا الثالثة : { ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } [ إبراهيم -44 ] ، فرد عليهم : { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } الآيات [ إبراهيم-44 ] ، ثم نادوا الرابعة : { ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل } فرد عليهم : { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير } ، الآية [ فاطر-37 ] قال : فمكث عليهم ما شاء الله ، ثم ناداهم : { ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون } ، فلما سمعوا ذلك قالوا : الآن يرحمنا ، فقالوا عند ذلك : { ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } ، قال عند ذلك : { اخسؤوا فيها ولا تكلمون } [ المؤمنون 105-108 ] فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم ، فأقبل بعضهم على بعض ينفخ بعضهم في وجوه بعض ، وأطبقت عليهم النار .