وبرزوا لله جميعا : أي : ظهروا لله جميعا . والمراد : أنهم خرجوا من قبورهم ؛ لحساب الله تعالى وحكمه .
مغنون عنا : أي : دافعون عنا ، يقال : أغنى عنه ؛ إذا دفع عنه الضر ، وأغناه ؛ إذا وصل له النفع .
سواء علينا أجزعنا أم صبرنا : أي : مستو علينا الجزع والصبر ، والجزع : حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده .
محيص : معدل ومهرب ، يقال : حاص عنه يحيص ؛ إذا عدل عنه وحاد إلى جهة الفرار .
{ وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا . . . } .
أي : برزت الخلائق كلها ، برّها وفاجرها ، لله الواحد القهار ، أي : اجتمعوا له في براز من الأرض ، وهو المكان الذي ليس فيه شيء ليستر أحدا ، ومعنى بروزهم لله : ظهورهم من قبورهم للحساب والجزاء ، أمام الله سبحانه وتعالى ، ولما كان هذا البروز أمرا محققا كائنا لا محالة عبر عنه بصيغة الماضي ، كأنه وقع فعلا ودخل في دائرة الوجود .
وهذه على طريقة القرآن الكريم في عرض مشاهد القيامة أمام المشاهد ، كأن الأمر قد وقع فعلا ، فأنت تشاهد الناس جميعا ، قدر برزوا ظاهرين أمام الله ، حيث كانوا في الدنيا يستترون ويختفون خلف الجدران والأماكن ، لكنهم في عرصات القيامة يظهرون بارزين ، لا يستطيعون الاستخفاء ، ولا إخفاء أي شيء ، فقد ورد في الحديث الصحيح : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا )14 ، فهم حفاة الأقدام ، عراة الأجساد ، غرلا لم تزل قلفتهم بل حشروا كيوم ولدتهم أمهاتهم بدون ختان .
وطريقة العرض هذه تبعث الرهبة في النفوس ، حيث تشاهد المشهد أمامك ، حيث ظهرت الخلائق جميعا ، في مكان بارز أمام الله تعالى ، لا شيء يسترهم ، ولا مكان يختبئون فيه .
{ فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا } .
أي : قال الأتباع الضعفاء في رأيهم وفكرهم ، الذين انقادوا لسادتهم وكبرائهم في الدنيا قال الضعفاء للكبراء والقادة ؛ الذين استكبروا عن عبادة الله واتباع الرسل : { إنا كنا لكم تبعا } . أي : كنا تابعين لكم تأمروننا فنأتمر ، وتنهوننا فننتهي .
{ فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } . أي : فهل تدفعون عنا اليوم شيئا من ذلك العذاب ، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا في الدنيا ؟ ! .
{ قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أي : لو أرشدنا الله إلى طريق الهدى ، وأضاء أنوار بصائرنا ، وأفاض علينا من توفيقه ومعونته ؛ لأرشدناكم ودعوناكم إلى الهدى ، ولكنه لم يهدنا ؛ فضللنا السبيل وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، لو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا ! .
{ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص } . أي : ليس لنا مهرب ولا خلاص مما نحن فيه ، إن صبرنا أو جزعنا وتألمنا .
روى : أن أهل النار قال بعضهم لبعض15 : إنما أدرك أهل الجنة منازلهم ؛ بسبب بكائهم وتضرعهم إلى الله ؛ تعالوا نبك ونتضرع إلى الله ، فبكوا وتضرعوا بدون فائدة ، فقالوا : تعالوا ؛ فإنما أدرك أهل الجنة منازلهم بالصبر ، تعالوا نصبر ، فصبروا صبرا طويلا فلم ينفعهم ، فعند ذلك قالوا :
{ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } .
أي : مستو عندنا الجزع والهلع مما نحن فيه ، أو الصبر عليه ، وليس لنا منجي ولا مهرب من هذا المصير المؤلم .
ونرى في الآية جانبا من هوان الضعفاء ، وذلتهم وانكسارهم ، فهم يطلبون وسيلة ما ؛ لتخفيف بعض عذاب الله .
ونجد أيضا حسرة المستكبرين وضعفهم وعجزهم ، وتصريحهم بذلك حين قالوا :
{ لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } . وفي مثل هذه الآية قوله تعالى :
{ وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار* قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد } . ( غافر : 48 ، 47 ) .
قوله تعالى : { وبرزوا لله جميعا } أي : خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا جميعا { فقال الضعفاء } ، يعني : الأتباع ، { للذين استكبروا } ، أي : تكبروا على الناس وهم القادة والرؤساء : { إنا كنا لكم تبعاً } جمع تابع ، مثل : حرس وحارس ، { فهل أنتم مغنون } ، دافعون ، { عنا من عذاب الله من شيء } . { قالوا } ، يعني القادة المتبوعين : { لو هدانا الله لهديناكم } ، أي : لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهدى ، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة ، { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ، مهرب ولا منجاة . قال مقاتل : يقولون في النار : تعالوا نجزع ، فيجزعون خمسمائة عام ، فلا ينفعهم الجزع ، ثم يقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم ، فحينئذ يقولون : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } . قال محمد بن كعب القرظي : بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة . فقال الله تعالى : { وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب } [ غافر-49 ] ، فردت الخزنة عليهم : { أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى } [ غافر-50 ] فردت الخزنة عليهم : { ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا { يا مالك ليقض علينا ربك } [ الزخرف-77 ] سألوا الموت ، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة يوما ، واليوم كألف سنة مما تعدون ، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين { إنكم ماكثون } ، فلما أيسوا مما قبله ، بعضهم لبعض : إنه قد نزل بكم من البلاء ما ترون فهلموا فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم ، فأجمعوا على الصبر ، فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ، أي : من منجى . قال : فقام إبليس عند ذلك فخطبهم ، وذلك فقال : { إن الله وعدكم وعد الحق } ، الآية ، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا :{ لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } [ غافر-10 ] قال فنادوا الثانية : { فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون } ، فرد عليهم : { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } الآيات [ السجدة-12 ، 13 ] فنادوا الثالثة : { ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } [ إبراهيم -44 ] ، فرد عليهم : { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } الآيات [ إبراهيم-44 ] ، ثم نادوا الرابعة : { ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل } فرد عليهم : { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير } ، الآية [ فاطر-37 ] قال : فمكث عليهم ما شاء الله ، ثم ناداهم : { ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون } ، فلما سمعوا ذلك قالوا : الآن يرحمنا ، فقالوا عند ذلك : { ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } ، قال عند ذلك : { اخسؤوا فيها ولا تكلمون } [ المؤمنون 105-108 ] فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم ، فأقبل بعضهم على بعض ينفخ بعضهم في وجوه بعض ، وأطبقت عليهم النار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.