قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن ذَكّرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } .
إنَّا خلقناكم أجمعكم من آدمَ وحواء ، ثم جعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا لا لتُكَاثروا ولا لتنافسوا . فإذا كانت الأصولُ تربةً ونطفةً وعَلَقَةً . . فالتفاخر بماذا ؟ أبا لحمأ المسنون ؟ أم بالنطفة في قرار مكين ؟ أم بما ينطوي عليه ظاهرك مما تعرفه ؟ ! وقد قيل :
إِنَّ آثارَنا تَدُل علينا *** فانْظُروا بَعْدَنا إلى الآثارِ
أم بأفعالك التي هي بالرياء مَشُوبة ؟ أم بأحوالك التي هي بالإعجاب مصحوبة ؟ أم بمعاملاتك التي هي ملأى بالخيانة ؟
{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِند اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } ؟ أتقاكم أي أَبْعَدكم عن نَفْسِه ، فالتقوى هي التحرُّر من النفس وأطماعها وحظوظها . فأكرمُ العبادِ عند اللَّهِ مَنْ كان أَبْعد عن نَفْسِه وأَقرَبَ إلى الله تعالى .
من ذكر وأنثى : من آدم وحواء ، قال إسحاق الموصلي :
الناس في عالم التمثيل أكفاء *** أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف *** يفاخرون به فالطين والماء
شعوبا وقبائل : الشعوب : رؤوس القبائل ، كربيعة ومضر ، والقبائل فروعها .
والشعوب واحدهم شعب ( بفتح الشين وسكون العين ) ، وهو الحي العظيم المنتسب إلى أصل واحد ، كربيعة ومضر ، والقبيلة دونه كبكر من ربيعة ، وتميم من مضر ، وحكى أبو عبيدة أن طبقات النسل التي عليها العرب سبع :
الشعب ، ثم القبيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ ، ثم الفصيلة ، ثم العشيرة ، وكل واحد منها يدخل فيما قبله .
فالقبائل تحت الشعوب ، والعمائر تحت القبائل ، والبطون تحت العمائر ، والأفخاذ تحت البطون ، والفصائل تحت الأفخاذ ، والعشائر تحت الفصائل .
فخزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ( بفتح العين وكسرها ) وقصيّ بطن ، وعبد مناف فخذ ، وهاشم فصيلة ، والعباس عشيرة ، وسمي الشعب شعبا لتشعب القبائل منه كتشعب أغصان الشجرة .
13- { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } .
تأتي هذه الآية في أعقاب الآداب الإسلامية السابقة ، والنهي عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب ، وظن السوء ، والتجسس والغيبة .
يا كل الناس ، لماذا التعالي على عباد الله ، أو السخرية منهم ، أو غيبتهم ، أو ظن السوء بهم ، إنكم جميعا من أصل واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، فقد خلق الله آدم بيده وزوّجه حواء ، ومن نسل آدم وحواء خلق جميع البشر ، فلماذا التعالي والتفاخر والترفع والتكبر على الآخرين إذا كنتم جميعا من أصل واحد ، ومن إناء واحد ؟
قال صلى الله عليه وسلم : ( يا أيها الناس ، ألا إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأسود على أحمر ، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ، ألا هل بلّغت ) ؟ قالوا : اللهم نعم ، قال : ( ليبلّغ الشاهد منكم الغائب )22 .
{ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . . . }
الشعوب : الجمهور الكبير من الناس ، والقبائل : العائلات الكبيرة ، ومنها تتفرع الفروع الصغيرة ، تقول : أنا من شعب مصر ، ومن محافظة كذا ، ومن بلدة كذا ، ومن قبيلة كذا ، أو من عائلة كذا ، وبذلك يعرف الناس أنسابهم وأصولهم ، ويحافظون على أنسابهم بالزواج الشرعي ، والبعد عن الزنا والسفاح .
قال صلى الله عليه وسلم : ( ولدت من نكاح ، ولم أولد من سفاح )23 .
وقد كان الناس -عربا أو عجما- عند نزول الآية قبائل متمايزة ، ضمن شعوب تعمهم ، ولكنهم الآن في معظم الأمم قد اختلط بعضهم ببعض ، وأصبح التعارف بينهم بالانتماء إلى الأمم ، وبيان البلدان التي يعيشون فيها ، والمساكن التي يأوون إليها .
{ إن أكرمكم عند الله أتقاكم . . . }
أي : لقد جعلت النسب للتعارف وصلة الرحم ، وليس للتعالي والتفاخر بالأنساب والأحساب ، فإن السمو الحقيقي ورفعة المنزلة إنما تكون بتقوى الله ومراقبته ، والعمل بما يرضيه ، والبعد عما نهى الله عنه .
أخرج ابن أبي حاتم ، والترمذي ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال : ( يا أيها الناس ، إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية –أي : تكبرها- وتعظمها بآبائها ، فالناس رجلان : رجل بر تقي كريم على الله ، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى ، إن الله عز وجل يقول : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } . ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ) .
وروى مسلم ، وابن ماجة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )24 .
وعند الطبراني ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ، فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه ، وإنما أنتم بنو آدم ، وأحبكم إليه أتقاكم )25 .
هو سبحانه مطلع على القلوب ، عليم بأحوال عباده ، خبير بأفعالهم ، فيثيب من تخلق بهذه الأخلاق ، ويعاقب من أعرض عنها .
1- احتج مالك بقوله تعالى : { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى . . . } على عدم اشتراط النسب في الكفاءة في الزواج ، إلا الدين ، فيجوز زواج المولى بالعربية ، وقد تزوج سالم مولى امرأة26 من الأنصار امرأة عربية حرة ، حيث تبناه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وأنكحه هند بنت أخيه الوليد بن عتبة ، وتزوج بلال بن رباح أخت عبد الرحمان بن عوف ، وتزوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ، فالكفاءة إنما تراعى في الدين فقط .
روى أحمد ، وأصحاب الكتب الستة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك )27 .
وقال الجمهور : يراعى الحسب والمال عملا بالأعراف ، ومراعاة لواقع الحياة المعيشية ، وتحقيقا لهدف الزواج وهو الدوام والاستقرار .
وأرى أن هذه الأمور متشابكة ، ولا نستطيع الفصل بينها بسهولة .
1- أن نعطي للدين والتقوى درجات كبيرة للزوجة والزوج ، مع مراعاة الأمور الأخرى بنسبة ما ، وبذلك نجمع بين ما رآه مالك وما رآه غيره .
2- أورد الإمام ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية التي تنهي عن التفاخر ، وتحض على التقوى ، ثم قال : فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء ، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية ، وهي طاعة الله ورسوله .
روى البخاري بسنده ، عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أكرمهم ؟ قال : ( أكرمهم أتقاهم ) ، قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : ( فأكرم الناس يوسف نبي الله ، ابن يعقوب نبي الله ، ابن إبراهيم خليل الله ) ، قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : ( فعن معادن العرب تسألون ) ؟ قالوا : نعم ، قال : ( خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا )28 .
3- وردت أحاديث نبوية كريمة في معنى الآية ، منها ما رواه أبو بكر البزار في مسنده ، عن حذيفة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلكم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب ، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم ، أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجُعْلان )29 .
وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى يقول يوم القيامة : إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا ، فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم ، وأبيتم إلا أن تقولوا : فلان ابن فلان ، وأنا اليوم أرفع نسبي لأضع أنسابكم ، أين المتقون ) ؟
وفي صحيح مسلم ، من حديث عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارا : ( إن أولياء أبي ليسوا لي بأولياء ، إن وليي الله وصالحو المؤمنين )30 .
وبعد هذه النداءات الخمسة للمؤمنين ، التى اشتملت على الآداب النفسية والاجتماعية . . وجه - سبحانه - نداء إلى الناس جميعا ، ذكرهم فيه بأصلهم وبميزان قبولهم عنده ، فقال - سبحانه - : { ياأيها الناس . . . } .
وقد ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بنى بياضة أن يزوجوا امرأة منهم لأبى عند - وكان حجاما للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، نزوج بناتنا - موالينا - أى : عبيدنا ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .
والمراد بالذكر والأنثى : آدم وحواء . أى : خلقناكم من أب واحد ومن أم واحدة ، فأنتم جميعا تنتسبون إلى اصل واحد ، ويجمعكم وعاء واحد ، وما داما لأمر كذلك فلا وجه للتفاخر بالحساب والأنساب .
قال الآلوسى : أى خلقناكم من آدم وحواء ، فالكل سواء فى ذلك ، فلا وجه للتفاخر بالنسب ، كما قال الشاعر :
الناس فى عالم التمثيل أكفاء . . . أبوهم آدم والأم حواء .
وجوز أن يكون المراد هنا : إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم ، ويبعده عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه ، والكلام مساق له . .
وقوله : { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا } بيان لما ترتب على خلقهم على تلك الصورة ، وللحكمة من ذلك .
والشعوب : جمع شعب ، وهو العدد الكثير من الناس يجمعهم - فى الغالب أصل واحد .
والقبائل : جمع قبيلة وتمثل جزاء من الشعب ، إذ أن الشعب مجموعة من القبائل .
قال صاحب الكشاف : والشعب الطبقة من الطبقات الست التى علها العرب .
وهى : الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والبطن ، والفخذ ، والفصيلة . . وسميت الشعوب بذلك ، لأن قبائل تشعبت منها . .
والمعنى : خلقناكم - أيها الناس - من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل { لتعارفوا } أى : ليعرف بعضكم نسب بعض ، فينتسب كل فرد إلى آياته ، ولتتواصلوا فيما بينكم وتتعاونوا على البر والتقوى ، لا ليتفاخر بعضكم على بعض بحسبه أو نسبه أو جاهه .
وقوله - سبحانه - { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ } تعليل لما بدل ------------ النهى عن التفاخر بالأنساب .
أى : إن أرفعكم منزلة عند الله ، وأعلاكم عنده - سبحانه - درجة . . هو أكثرهم تقوى وخشية منه - تعالى - فإنه أردتم الفخر ففاخروا بالتقوى وبالعمل الصالح .
{ إِنَّ الله عَلِيمٌ } بكل أحوالكم { خَبِيرٌ } بما ترونه وتعلنونه من أقوال وأفعال .
وقد ساق الإِمام ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية . جملة من الأحاديث التى تنهى عن التفاخر ، وتحض على التقوى ، فقال : فجميع الناس فى الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء ، وإنما يتفاضلون بالأمر الدينية ، وهى طاعة الله ورسوله . .
روى البخارى - بسدنه - عن أبى هريرة قال : " سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى الناس كرم ؟ قال : " أكرمهم اتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فأكرم الناس يوسف نبى لله ، ابن خليل الله ، قالوا : ليس عن هذا نسألك . قال : فعن معادن العرب تسألونى ؟ قالوا : نعم . قال : فخياركم فى الجاهلية خياركم فى الإِسلام إذا فقهوا " " .
وروى مسلم عن أبى هريرة قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله لا ينظر إلى صوركم موالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .
وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم فتح مكة قال : " يأيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبَيَّةَ الجاهلية - أى تكبرها ، وتعظمها بآبائها ، الناس رجلان ، رجل يرتقى كريم على الله ، وفاجر شقى هين على الله . إن الله - تعالى - يقول : { ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى . . } ثم قال : " أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم " " .