لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ} (200)

{ قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمٍ } إشارة إلى القيام بحق العبودية .

{ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } إشارة إلى القيام بحق المحبة .

قضاء المناسك قيامٌ بالنفس .

{ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قيامٌ له بالقلب على استدامة الوقت واستغراق العمر .

ويقال كما أنَّ الأغيار يفتخرون بآبائهم ، ويستبشرون بأسلافهم فَلْيَكُنْ افتخاركم بنا واستبشاركم بنا .

ويقال إن كان لآبائكم عليكم حقُّ التربية فحقُّنا عليكم أوجب ، وأفضالنا عليكم أتم .

ويقال إن كان لأسلافكم مآثر ومناقب ، فاستحقاقنا لنعوت الجلال فوق ما لآبائكم من حسن الحال .

ويقال إنك لا تملُّ ذكر أبيك ولا تنساه على غالب أحوالك ، فاسْتَدِمْ ذِكرنا ، ولا تَعْترِضَنَّكَ ملالة أو سآمة أو نسيان .

ويقال إنْ طَعَنَ في نَسَبِكَ طاعِنٌ لم ترضَ فكذلك ما تسمع من أقاويل أهل الضلال والبِدَعِ فَذُبَّ عنَّا .

ويقال الأبُ يُذكَرُ بالحرمة والحشمة فكذلك اذكرنا بالهيبة مع ذكر لطيف القربة بحسن التربية .

وقال { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } ولم يقل أمهاتكم لأن الأب يُذكَر احتراماً والأم تُذكَر شفقةً عليها ، والله يَرْحَم ولا يُرْحَم .

{ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } لأن الحقَّ أحقُّ ، ولأنك قد تستوحش كثيراً عن أبيك ، والحقُّ سبحانه مُنَزَّهٌ عن أن يخطر ببال من يعرفه أنه بخلاف ما يقتضي الواجب حتى إن كان ذرة . وقوله { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } الأب على ما يستحقه والرب على ما يستحقه .

قوله جلّ ذكره : { فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } .

خطاب لو قاله مخلوقٌ لَكَ كان شاكراً ، ولو أنه شكا منك كما شكا إليك لساءت الحالة ، ولكن بفضله أَحَلَّكَ محل أن يشكو إليك فقال : مِنَ الناس من لا يجنح قلبه إلينا ، ويرضى بدوننا عنَّا ، فلا يبصر غير نفسه وحظِّه ، ولا يمكن إيمان له بربه وحقِّه .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ} (200)

حسنة الدنيا والآخرة

{ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وما له في الآخرة من خلاق( 200 ) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار( 201 ) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب( 202 ) }

المفردات :

الخلاق : الحظ والنصيب .

200

التفسير :

{ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا }

فإذا فرغتم من عبادتكم ، وأديتم أعمال حجكم ، فتوفروا على ذكر الله وطاعته كما كنتم تتوفرون على ذكر مفاخر آباءكم بل عليكم أن تجعلوا ذكركم لله تعالى أكثر من ذكركم لمآثر آباءكم ، لأن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا أدى إلى الخزي في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، وغن كان صدقا فإنه في الغالب يؤدي إلى العجب وكثرة الغرور ، أم إذا ذكر الله بإخلاص وخشوع فثوابه وأجره كبير ، وفضلا عن ذلك فإن المرء إذا كان لا ينسى أباه لأنه سبب في وجوده فأولى به ثم أولى ألا ينسى الذي خلق أباه وهو الله رب العالمي .

{ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق }

أي من الناس نوع يقول في دعائه يا ربنا آتنا ما نرغبه في الدنيا فنحن لا نطلب غيرها ، وهذا النوع ليس له في الآخرة من : خلاق . أي نصيب وحظ كبير من الخير .

قال أبو وائل والسدي وابن زيد : كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط ، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو ، ولا يطلبون الآخرة إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمون بها فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا ، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم . ويجوز أن يتناول هذا الوعيد المؤمن أيضا( 124 ) .

إذا كان جل اهتمامه في ذكره ودعائه حظ الدنيا خاصة من الجاه والغنى والنصرة على الأعداء إلى نحو ذلك من الحظوظ العاجلة ، والعبرة في الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فهي تشمل كل من استولى عليه حب الدنيا وشهواتها ومتعها فأصبح لا يفكر إلا فيها ، ولا يهتم إلا بها ، صارفا نظره عن الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب .