قوله جل ذكره : { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .
نزلت هذه الآية في الأنصار . { تَبَوَّءُوا الدَّارَ } أي سكنوا المدينة قبل المهاجرين . . { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } من أهل مكة .
{ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً } مما خُصِّصَ به المهاجرون من الفيء ، ولا يحسدونهم على ذلك ، ولا يَعْترِضون بقلوبهم على حُكْمِ الله بتخصيص المهاجرين ، حتى لو كانت بهم حاجةٌ أو اختلالُ أحوالٍ .
{ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، قيل نزلت الآية في رجلٍ منهم أُهْدِيَتْ له رأسُ شاةٍ فطاف على سبعة أبيات حتى انتهى إلى الأول .
وقيل نزلت في رجلٍ منهم نزل به ضيفٌ فقرَّب منه الطعامَ وأطفأ السراجَ ليُوهِمَ ضيفَه أنه يأكل ، حتى يؤثِرَ به الضيفَ عَلَى نفسه وعَلَى عياله ، فأنزل الله الآية في شأنه .
ويقال : الكريمُ مَنْ بنى الدار لضيفانه وإخوانه ( واللئيمُ من بناها لنفسه ) .
وقيل : لم يقل اللهُ : ومَنْ يَتَّقِ شحَّ نفسه بل قال : { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } .
ويقال : صاحبُ الإيثارِ يُؤْثر الشبعانَ على نفسه - وهو جائع .
ويقال : مَنْ مَيَّزَ بين شخصٍ وشخصٍ فليس بصاحبِ إيثارٍ حتى يؤثِرَ الجميع دون تمييز .
ويقال : الإيثار أنْ تَرَى أنَّ ما بأيدي الناسِ لهم ، وأن ما يحصل في يدك ليس إلا كالوديعة والأمانة عندك تنتظر الإذنَ فيها .
ويقال : مَنْ رَأى لنفسه مِلْكاً فليس من أهل الإيثار .
ويقال : العابدُ يؤثِر بدنياه غيرَه ، والعارفُ يؤثِر بالجنة غيرَه .
وعزيزٌ مَنْ لا يطلبُ مِنَ الحقِّ لنَفْسِه شيئاً : لا في الدنيا من جاهٍ أو مالٍ ، ولا في الجنَّة من الأفضال ، ولا منه أيضاً ذَرَّةً من الإقبال والوصال وغير ذلك من الأحوال .
ثم مدح - سبحانه - بعد ذلك الأنصار ، الذين يحبون من هاجر إليهم فقال : { والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } .
والجملة الكريمة معطوفة على { الْمُهَاجِرِينَ } أو مبتدأ وخبره : { يُحِبُّونَ } والتبوؤ : النزول فى المكان ، ومنه المباءة للمنزل الذى ينزل فيه الإنسان .
والمراد بالدار : المدينة المنورة ، وأل للعهد . أى : الدار المعهودة المعروفة وهى دار الهجرة .
وقوله : { والإيمان } منصوب بفعل مقدر ، أى : وأخلصوا الإيمان .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى عطف الإيمان على الدار ، ولا يقال : تبوأوا الإيمان ؟
قلت معناه : تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان . كقوله : علفتها تبنا وماء باردا .
أى : وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم ، لتمكنهم منه ، واستقامتهم عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك .
أو أراد : دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف فى الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ، ووضع المضاف إليه مقامه . .
أو سمى المدينة - لأنها دار الهجرة ، ومكان ظهور الإيمان - بالإيمان . .
وقوله : { مِن قَبْلِهِمْ } أى : من قبل المهاجرين ، وهو متعلق بقوله { تَبَوَّءُوا } .
وقوله : { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } خبر لمبتدأ ، أو حال من الذين تبوأوا الدار .
أى : هذه هى صفات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم .
أما الذين سكنوا دار الهجرة وهى المدينة المنورة ، من قبل المهاجرين ، وأخلصوا إيمانهم وعبادتهم لله - تعالى- ، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم الذين هاجروا إليهم حبا شديدا ، لأن الإيمان ربط قلوبهم برباط المودة والمحبة . وقوله : { وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ } صفة أخرى من صفات الأنصار .
ومعنى : { يَجِدُونَ } هنا : يحسون ويعلمون ، والضمير للأنصار ، وفى قوله { أُوتُواْ } للمهاجرين . والحاجة فى الأصل : اسم مصدر بمعنى الاحتياج ، أى الافتقار إلى الشىء .
والمراد بها هنا : المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع إلى ما منحه النبى - صلى الله عليه وسلم - للمهاجرين دون الأنصار ، من فىء أو غيره .
أى : أن من صفات الأنصار - أيضا - أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شىء مما أعطى للمهاجرين من الفىء أو غيره ، لأن المحبة التى ربطت قلوب الأنصار بالمهاجرين ، جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شىء مما أعطاه النبى - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين وحدهم . . .
ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثالثة كريمة فقال : { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . . . } .
والإيثار معناه : أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه ، على سبيل الإكرام والنفع ، والخصاصة : شدة الحاجة ، وأصلها من خصاص البيت ، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتحات .
أى : أن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون فى النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ، ولو كانوا فى حاجة ماسة ، وفقر واضح ، إلى ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين .
ولقد ضرب الأنصار - رضى الله عنهم - أروع الأمثال وأسماها فى هذا المضمار ، ومن ذلك ما رواه الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن أبى هريرة قال : " أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أصابنى الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله " ؟ فقام رجل من الأنصار - وفى رواية أنه أبو طلحة - فقال : أنا يا رسول الله ، فذهب به إلى أهله ، فقال لامرأته : أكرمى ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : والله ما عندى إلا قوت الصيبة ! ! قال : إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالى فأطفئى السراج ، ونطوى بطوننا الليلة لضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعلت .
ثم غدا الضيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة " وأنزل الله فيهما : { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . . . } . "
وقوله - سبحانه - : { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون } تذييل قصد به حض الناس على التحلى بفضيلة السخاء والكرم .
والشح : يرى بعضهم أنه بمعنى البخل ، ويرى آخرون أن الشح غريزة فى النفس تحملها على الإمساك والتقتير ، وأما البخل فهو المنع ذاته ، فكأن البخل أثر من آثار الشح .
قال صاحب الكشاف : " الشح " - بالضم والكسر قد قرئ بهما - : اللؤم ، وأن تكون نفس المرء كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر :
يمارس نفسا بين جنبيه كَزَّةً . . . إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلا
وقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها ، وأما البخل فهو المنع نفسه ، ومنه قوله - تعالى - : { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح . . } أى : ومن يوق - بتوفيق الله وفضله - شح نفسه وحرصها على الإمساك ، فيخالفها فيما تأمره به من المنع والتقتير . فأولئك الذين يخالفونها هم المفلحون ، الفائزون برضا الله - عز وجل - .
ومن الأحاديث التى وردت فى النهى عن الشح ، ما أخرجه مسلم - فى صحيحه - عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم " .
قوله : { والذين تبوّءو الدار والإيمان من قبلهم } التبوؤ معناه النزول . أي والذين سكنوا المدينة واتخذوها لهم منازل { والإيمان } منصوب بفعل مقدر . أي وقبلوا الإيمان{[4500]} وأخلصوا لله دينهم وإيمانهم . والمراد بهم الأنصار ، فهم الذين استوطنوا المدينة من قبل أن يهاجر إليها المؤمنون من أهل مكة . ثم وصف الله هؤلاء الأنصار بصفات مميزة ثلاث على سبيل الإطراء لهم والثناء عليهم بما هم أهله من الصدق والبر والسخاء وبذل العون والمساعدة لإخوانهم المهاجرين فقال : { يحبون من هاجر إليهم } أي أن الأنصار يحبون الذين أتوهم مهاجرين من مكة وقد تركوا وراءهم المال والأهل والوطن . فهم يحبونهم حبا خالصا لوجه الله وذلكم هو الحب الكريم الذي يخالج قلوب المؤمنين الصادقين وهم يحب بعضهم بعضا في الله .
وقال : { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } يعني لا يجد الأنصار وهم الذين نزلوا المدينة من قبل المهاجرين شيئا من الحسد في قلوبهم مما أعطي المهاجرون من الفيء ، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الفيء بين المهاجرين دون غيرهم من الأنصار باستثناء اثنين أعطاهما لفقرهما ، وقيل : باستثناء ثلاثة .
وقال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ربهم خصاصة } الخصاصة والخصاص بمعنى الفقر{[4501]} ، أي يقدمون الفقراء والمحاويج على حاجة أنفسهم { ولو كان بهم خصاصة } يعني ولو كان بهم حاجة أو فاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم . وقد روى الترميذي عن أبي هريرة : أن رجلا بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه فقال لامرأته : نوّمي الصّبية وأطفئي السراج وقرّبي للضيف ما عندك فنزلت هذه الآية { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } . وروي عن أبي هريرة أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى رجل من الأنصار رجلا من أهل الصّفّة فذهب به الأنصاري إلى أهله فقال للمرأة : هل من شيء ؟ قالت : لا ، إلا قوت الصبية . قال : فنوّميهم ، فإذا ناموا فأتيني فإذا وضعت فاطفيء السراج ، ففعلت ، وجعل الأنصاري يقدم إلى ضيفه ما بين يديه ، ثم غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لقد عجب من فعالكما أهل السماء " ونزلت الآية{[4502]} .
تلك هي شيمة الإيثار المرغوب التي تتجلى في خلق المؤمنين الأتقياء الصادقين الذين أخلصوا دينهم لله وحده فغشي قلوبهم من برد اليقين ما كانوا به أوفياء مخلصين أبرار . إن هذه الفضلية الكريمة ، فضيلة الإيثار على النفس إنما تتجلى في خلق المسلمين الغيورين من الطيبين . أولئك الذين صنعهم الإسلام بعقيدته الراسخة السمحة ، وتشريعه الوارف المبارك .
إن ذلكم هو الإسلام العظيم الذي يصنع الإنسان الصالح الرفّاف ويخلق الحياة الكريمة الطاهرة الفضلى .
قوله : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } يوق ، من الوقاية والشح ، في اللغة بمعنى البخل من حرص{[4503]} . على أن المراد بالشح ههنا في قول العلماء أنه أكل أموال الناس بغير حق . قال ابن مسعود : الشح أن تأكل مال أخيك ظلما أو بغير حقه . وقيل : معناه الظلم . وقيل : ترك الفرائض وانتهاك المحارم . والأظهر من الآية أن المراد بالشح : الضّنّ بالخير وعدم أدائه في وجوهه كالزكاة والصدقة وقرى الضيف وغير ذلك من وجوه الأداء والبذل فيما ينفع الناس أو يدفع عنهم الكروب والحوائج . وفي الخبر عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " برئ من الشح من أدى الزكاة ، وقرى الضيف ، وأعطى في النائبة " : وفي التنديد بالشح روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح ، فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " وروى عبد الله بن عمر ( رضي الله عنهما ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اتقوا الظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الفحش ، فإن الله لا يحب الفحش ، وإياكم والشح ، فإنه أهلك من كان قبلكم ، أمرهم بالظلم فظلموا ، وأمرهم بالفجور ففجروا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا " .
قوله : { فأولئك هم المفلحون } وهم الذين تبرأوا من ذميمة الشح فغلبوا ما أمرتهم به أنفسهم وخالفوا هواهم بإذن الله وتوفيقه فأولئك هم الظافرون الفائزون .