في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (108)

و إذا كانت آيات هذا القرآن الذي يحمل دليل الرسالة ، وكانت الآيات التي يحفل بها الكون معروضة للأنظار . . إذا كانت هذه وتلك يمرون عليها وهم عنها معرضون ، ويشركون بالله شركا ظاهرا أو خفيا وهم الأكثرون . فالرسول [ ص ] ماض في طريقه ومن اهتدى بهديه ، لا ينحرفون ولا يتأثرون بالمنحرفين :

( قل : هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ، وسبحان الله ! وما أنا من المشركين ) .

( قل : هذه سبيلي ) . .

واحدة مستقيمة ، لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة .

( أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) . .

فنحن على هدى من الله ونور . نعرف طريقنا جيدا ، ونسير فيها على بصر وإدراك ومعرفة ، لا نخبط ولا نتحسس ، ولا نحدس . فهو اليقين البصير المستنير . ننزه الله - سبحانه - عما لا يليق بألوهيته ، وننفصل وننعزل ونتميز عن الذين يشركون به :

( وما أنا من المشركين ) . .

لا ظاهر الشرك ولا خافيه .

هذه طريقي فمن شاء فليتابع ، ومن لم يشأ فأنا سائر في طريقي المستقيم .

وأصحاب الدعوة إلى الله لا بد لهم من هذا التميز ، لا بد لهم ان يعلنوا أنهم أمة وحدهم ، يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم ، ولا يسلك مسلكهم ، ولا يدين لقيادتهم ، ويتميزون ولا يختلطون ! ولا يكفي أن يدعو أصحاب هذا الدين إلى دينهم ، وهم متميعون في المجتمع الجاهلي . فهذه الدعوة لا تؤدي شيئا ذا قيمة ! إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية ؛ وأن يتميزوا بتجمع خاص آصرته العقيدة المتميزة ، وعنوانه القيادة الإسلامية . . لا بد أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي ؛ وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضا !

إن اندغامهم وتميعهم في المجتمع الجاهلي ، وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية ، يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم ، وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم ، وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة .

وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين . . إن مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس . . وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصيلة ، وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ !

والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية ، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام . . هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب ! . . إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم ! أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص ؟ وطريقهم الخاص ؟ وسبيلهم التي تفترق تماما عن سبيل الجاهلية الدرس الثالث : 159 سنة الله في الدعوات والهدف من القصص القرآني ؟

ثم لفتة إلى سنة الله في رسالاته ، وإلى بعض آيات الله في الأرض من مصائر السابقين . . إن محمدا ليس بدعا من الرسل ، ورسالته ليست بدعا من الرسالات . وهذه عواقب الذين كذبوا من قبل ، آيات معروضة في الأرض .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (108)

{ قُلْ هذه سَبِيلِى } أي هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والوتحيد سبيلي كذا قالوا ، والظاهر أنهم أخذوا الدعوة إلى الإيمان من قوله تعالى : { وَمَا أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [ يوسف : 103 ] لافادة أنه يدعوهم إلى الإيمان بجد وحرص وان لم ينفع فيهم ، والدعوة إلى التوحيد من قوله سبحانه : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ } [ يوسف : 106 ] لدلالته على أن كونه ذكراً لهم لاشتماله على التوحيد لكنهم لا يرفعون له رأساً كسائر آيات الآفاق والانفس الدالة على توحده تعالى ذاتاً وصفات ، وفسر ذلك بقوله تعالى : { ادعوا * إِلَى الله } أي أدعو الناس إلى معرفته سبحانه بصفات كماله ونعوت جلاله ومن جملتها التوحيد فالجملة لا محل لها من الإعراب ، وقيل : إن الجملة في موضع الحال من الياء والعامل فيها معنى الإشارة . وتعقب بأن الحال في مثله من المضاف إليه مخالفة للقواعد ظاهراً وليس ذلك مثل { أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ النحل : 123 ] واعترض أيضاً بأن فيه تقييد الشيء بنفسه وليس ذاك { على بَصِيرَةٍ } أي بيان وحجة واضحة غير عمياء ، والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير { أَدْعُو } وزعم أبو حيان أن الظاهر تعلقه بأدعو وقوله تعالى : { أَنَاْ } تأكيد لذلك الضمير أو للضمير الذي في الحال ، وقوله تعالى : { وَمَنِ اتبعنى } عطف على ذي الحال ، ونسبة { أَدْعُو } إليه من باب التغليب كما قرر في قوله تعالى : { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } [ البقرة : 35 ] ومنهم من قدر في مثله فعلا عاملاً في المعطوف ولم يعول عليه المحققون ، ومنع عطفه على { أَنَاْ } لكونه تأكيداً ولا يصح في المعطوف كونه تأكيداً كالمعطوف عليه . واعترض بأن ذلك غير لازم كما يقتضيه كلام المحققين ، وجوز كون { مِنْ } مبتدأ خبره محذوف أي ومن اتبعني كذلك أي داع وأن يكون { على بَصِيرَةٍ } خبراً مقدماً { وَأَنَا } مبتدأ { وَمنْ } عطف عليه ، وقوله تعالى : { وسبحان الله } أي وأنزهه سبحانه وتعالى تنزيهاً من الشركاء ، وهو داخل تحت القول وكذا { وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } في وقت من الأوقات ، والكلام مؤكد لما سبق من الدعوة إلى الله تعالى . وقرأ عبد الله { قُلْ هذا سَبِيلِى } على التذكير والسبيل تؤنث وقد تذكر .

( ومن باب الإشارة { قُلْ هذه سَبِيلِى أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ } بيان من الله تعالى وعلم لا معارضة للنفس والشيطان فيه { أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى } [ يوسف : 108 ] وذكر بعض العارفين أن البصيرة أعلى من النور لأنها لا تصح لأحد وهو رقيق الميل إلى السوي ، وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي للداعي إلى الله تعالى أن يكون عارفاً بطريق الإيصال إليه سبحانه عالماً بما يجب له تعالى وما يجوز وما يمتنع عليه جل شأنه ، والدعاة إلى الله تعالى اليوم من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم إلى الإرشاد بزعمهم أجهل من حمار الحكيم توما ، وهم لعمري في ضلالة مدلهمة ومهامه يحار فيها الخريت وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون .