في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

221

وبعد استيفاء التشريع للمطلقات وللآثار المتخلفة عن الطلاق يأخذ في بيان حكم المتوفى عنها زوجها . . عدتها . وخطبتها بعد انقضاء العدة . والتعريض بالخطبة في أثنائها :

( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا . فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف . والله بما تعملون خبير ) .

( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم . علم الله أنكم ستذكرونهن . ولكن لا تواعدوهن سرا ، إلا أن تقولوا قولا معروفا . ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله . واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه . واعلموا أن الله غفور حليم ) . .

والمتوفى عنها زوجها كانت تلقى الكثير من العنت من الأهل وقرابة الزوج والمجتمع كله . . وعند العرب كانت إذا مات زوجها دخلت مكانا رديئا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا مدة سنة ، ثم تخرج فتقوم بعدة شعائر جاهلية سخيفة تتفق مع سخف الجاهلية ، من أخذ بعرة وقذفها ومن ركوب دابة : حمار أو شاة . . . إلخ . . فلما جاء الإسلام خفف عنها هذا العنت ، بل رفعه كله عن كاهلها ؛ ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج واضطهاد الأهل بعده . . وإغلاق السبيل في وجهها دون حياة شريفة ، وحياة عائلية مطمئنة . جعل عدتها أربعة أشهر وعشر ليال - ما لم تكن حاملا فعدتها عدة الحامل - وهي أطول قليلا من عدة المطلقة . تستبريء فيها رحمها ، ولا تجرح أهل الزوج في عواطفهم بخروجها لتوها . وفي أثناء هذه العدة تلبس ثيابا محتشمة ولا تتزين للخطاب . فأما بعد هذه العدة فلا سبيل لأحد عليها . سواء من أهلها أو من أهل الزوج . ولها مطلق حريتها فيما تتخذه لنفسها من سلوك شريف في حدود المعروف من سنة الله وشريعته ، فلها أن تأخذ زينتها المباحة للمسلمات ، ولها أن تتلقى خطبة الخطاب ، ولها أن تزوج نفسها ممن ترتضي . لا تقف في سبيلها عادة بالية ، ولا كبرياء زائفة . وليس عليها من رقيب إلا الله :

( والله بما تعملون خبير ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

{ والذين } مبتدأ { يُتَوَفَّوْنَ } أي تقبض أرواحهم فإن التوفي هو القبض يقال : توفيت مالي من فلان واستوفيته منه أي قبضته وأخذته . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه فيما رواه أبو عبد الرحمن السلمي عنه والمفضل عن عاصم { يُتَوَفَّوْنَ } / بفتح الياء أي يستوفون آجالهم فعلى هذا يقال للميت متوفي بمعنى مستوف لحياته ، واستشكل بما حكي أن أبا الأسود كان خلف جنازة فقال له رجل : من المتوفي ؟ بكسر الفاء فقال : الله تعالى وكأن هذا أحد الأسباب لعلي كرم الله تعالى وجه على أن أمره بوضع كتاب النحو ، وأجاب السكاكي بأن سبب التخطئة أن السائل كان ممن لم يعرف وجه صحته فلم يصلح للخطاب به { مّنكُمْ } في محل نصب على الحال من مرفوع { يُتَوَفَّوْنَ } ومن تحتمل التبعيض وبيان الجنس والخطاب لكافة الناس بتلوين الخطاب { وَيَذَرُونَ } أي يتركون ويستعمل منه الأمر ، ولا يستعمل اسم الفاعل ولا اسم المفعول وجاء الماضي على شذوذ { أزواجا } أي نساءاً لهم .

{ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ } خبر عن ( الذين ) والرابط محذوف أي لهم أو بعدهم ، ورجح الأول : بقلة الإضمار وبما في اللام من الإيماء إلى أن العدة حق المتوفى ، وقيل : خبر لمحذوف أي أزواجهم يتربصن ، والجملة خبر ( الذين ) وبعض البصريين قدر مضافاً في صدر الكلام أي أزواج الذين وهن نساؤهم ، وفيه أنه لا يبقى ليذرون أزواجاً فائدة جديدة يعتد بها ، ويروى عن سيبويه أن ( الذين ) مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم حكم الذين الخ ، وحينئذٍ يكون جملة يتربصن بياناً لذلك الحكم وفيه كثرة الحذف ، وذهب بعض المحققين إلى أن { الذين } مبتدأ و( يتربصن ) خبره والرابط حاصل بمجرد عود الضمير إلى الأزواج لأن المعنى يتربص الأزواج اللاتي تركوهن ، وقد أجاز الأخفش والكسائي مثل ذلك ولولا أن الجمهور على منعه لكان من الحسن بمكان { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } لعل ذلك العدد لسر تفرد الله تعالى بعلمه أو علمه من شاء من عباده ، والقول بأنه لعل المقتضي لذلك أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً ولأربعة إن كان أنثى فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشرة استظهاراً إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها مع ما فيه من المنافاة للحديث الصحيح «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله تعالى ملكاً بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح » لأن ظاهره أن نفخ الروح بعد هذه المدة مطلقاً لا يروي الغليل ولا يشفي العليل ، وتأنيث العشر قيل : لأن التمييز المحذوف هو الليالي وإلى ذلك ذهب ربيعة ويحيى بن سعيد ، وقيل : بل هو باعتبار الليالي ؛ لأنها غرر الشهور ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله ذهاباً إلى الأيام حتى إنهم يقولون كما حكى الفراء : صمنا عشراً من شهر رمضان ، مع أن الصوم إنما يكون في الأيام ويشهد له قوله تعالى :

{ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } [ طه : 103 ] ثم { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } [ طه : 4 10 ] وذكر أبو حيان أن قاعدة تذكير العدد وتأنيثه إنما هي إذا ذكر المعدود ، وأما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقاً ولعله أولى مما قيل ، واستدل بالآية على وجوب العدة على المتوفى عنها سواء كان مدخولاً بها أو لا ، وذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أنه لا عدة للثانية وهو محجوج بعموم اللفظ كما ترى ، وشملت الآية المسلمة والكتابية وذات الأقراء والمستحاضة والآيسة والصغيرة والحرة والأمة كما قاله الأصم والحامل وغيرها ، لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأمة والإجماع خص الحامل عنه لقوله تعالى : { وأولات الاحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [ الطلاق : 4 ] وعن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس أنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطاً وهو لا ينافي الإجماع بل فيه عمل بمقتضى الآيتين ، واستدل بعضهم بها على أن العدة من الموت حيث علقت عليه فلو لم يبلغها موت الزوج إلا بعد مضي العدة حكم بانقضائها وهو/ الذي ذهب إليه الأكثرون والشافعي في أحد قوليه ، ويؤيده أنّ الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدّتها هذه المدّة ، وقيل : إنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تنقضي عدّتها بهذه الأيام لما روي «امرأة المفقود امرأة حتى يأتيها تبين موته أو طلاقه » .

{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدّتهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها القادرون عليهن ، وقيل : الخطاب للأولياء ، وقيل : لجميع المسلمين { فِيمَا فَعَلْنَ في أَنفُسِهِنَّ } مما حرّم عليهنّ في العدّة ، وفي التقييد إشارة إلى علة النهي { بالمعروف } أي بالوجه الذي يعرفه الشرع ولا ينكره ، وقيد به للإيذان بأنه لو فعلن خلاف ذلك فعليهم أن يكفوهنّ ، فإن قصروا أثموا { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فلا تعملوا خلاف ما أمرتم به والظاهر : أنّ المخاطب به هو المخاطب في سابقه ، وجوّز أن يكون خطاباً للقادرين من الأولياء والأزواج فيكون فيه تغليبان الخطاب على الغيبة والذكور على الإناث وفيه تهديد للطائفتين ، ويحتمل أن يكون وعداً ووعيداً لهما .