ولما كانت تلك طبيعة البيعة ، كان التخلف عن الجهاد للقادرين - أياً كانت الأسباب - أمراً مستنكراً عظيماً ؛ وكان ما بدا في الغزوة من التردد والتخلف ظاهرة لا بد من تتبعها والتركيز عليها . . وفي الآيات التالية يبين مدى فضل اللّه ورحمته بالمؤمنين إذ يتجاوز عما بدا من التردد والتخلف من المؤمنين المخلصين ، ويتوب عليهم فيما وقع منهم من اخطاء صغرت أم كبرت . . كذلك يبين عن مصير الثلاثة الذين خلفوا بغير حكم في أمرهم - وهم المرجون لأمر اللّه الذين سبق ذكرهم - حتى نزل هذا الحكم بعد فترة من الزمان :
( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ، من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم . وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ؛ ثم تاب عليهم ليتوبوا . إن اللّه هو التواب الرحيم ) .
وتوبة اللّه على النبي - [ ص ] - تفهم بالرجوع إلى ما كان في أحداث الغزوة بجملتها ؛ والظاهر أنها متعلقة بما سبق أن قال اللّه عنه لنبيه : ( عفا اللّه عنك . لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) . . ذلك حين استأذنه جماعة من أولي الطول بأعذار منتحلة فأذن لهم . وقد عفا اللّه عنه في اجتهاده
[ ص ] - مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين !
وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى : ( الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ) . . وقد كان بعضهم تثاقل في الخروج ثم لحق بالركب كما سنفصل - وهم من خلص المؤمنين - وبعضهم استمع للمنافقين المرجفين بهول لقاء الروم ! ثم ثبت اللّه قلبه ومضى بعد تردد .
ويحسن أن نستعرض بعض ظروف الغزوة وملابساتها لنعيش في جوها الذي يقرر اللّه - سبحانه - أنه كان ( ساعة العسرة ) . ولندرك طبيعة الانفعالات والحركات التي صاحبتها [ ونحن نلخص في هذا من السيرة لابن هشام ، ومن إمتاع الأسماع للمقريزي ، ومن البداية والنهاية لابن كثير ، ومن تفسير ابن كثير ] :
لما نزل قوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . . . )أمر رسول اللّه - [ ص ] - أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم [ ويلاحظ أن الاشتباك بالروم كان قد سبق نزول هذه الآيات في غزوة مؤتة فهذا الأمر الأخير إنما جاء تقريراً للخطة الدائمة المستقرة في آخر ما نزل من القرآن ] وذلك في زمن عسرة من الناس ، وشدة من الحر ، وجدب من البلاء ، وحين طابت الثمار ، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص على الحال والزمان الذي هم عليه . وكان رسول اللّه - [ ص ] - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها ، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له [ أي يقصد إليه ] إلا ما كان من غزوة تبوك ، فإنه بينها للناس ، لبعد الشقة ، وشدة الزمان ، وكثرة العدو الذي يصمد له ، ليتأهب الناس لذلك أهبته . فأمر الناس بالجهاز ، وأخبرهم أنه يريد الروم .
واستأذن بعض المنافقين رسول اللّه - [ ص ] - في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم ! فأذن ! وفي هذا نزل عتاب اللّه لنبيه في الإذن مصدراً بالعفو عنه في اجتهاده :
( عفا اللّه عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ? ) . .
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحر - زهادة في الجهاد ، وشكاً في الحق ، وإرجافاً برسول اللّه - [ ص ] - فأنزل اللّه تبارك وتعالى فيهم :
( وقالوا : لا تنفروا في الحر ، قل : نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون ) .
وبلغ رسول اللّه - [ ص ] - أن ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي ، يثبطون الناس عن رسول اللّه - [ ص ] - في غزوة تبوك ؛ فبعث إليهم النبي - [ ص ] - طلحة ابن عبيد اللّه في نفر من أصحابه ، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ، ففعل طلحة ، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله ، واقتحم أصحابه فأفلتوا . ثم تاب الضحاك .
ثم إن رسول اللّه - [ ص ] - جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإسراع . وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون ؛ فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند اللّه . وكان في مقدمة المنفقين المحتسبين ، عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - فأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها . . قال ابن هشام : فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار ، فقال رسول اللّه - [ ص ] - : " اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض " . وقال عبد اللّه بن أحمد في مسند أبيه -بإسناده - عن عبد الرحمن بن حباب السلمي ، قال : خطب النبي - [ ص ] - فحث على جيش العسرة ، فقال عثمان بن عفان : عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها . قال : ثم نزل مرقاة من المنبر ، ثم حث ، فقال عثمان : عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها . قال : فرأيت رسول اللّه - [ ص ] - يقول بيده هكذا يحركها [ وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب ] : " ما على عثمان ما عمل بعد هذا " . . [ وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي ، عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به . وقال : غريب من هذا الوجه ] . ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به ، وقال : ثلاث مرات وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها . .
وأخرج ابن جرير من طريق يحيى بن أبي كثير ، ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة - بألفاظ مختلفة - قال : حث رسول اللّه - [ ص ] - على الصدقة [ يعني في غزوة تبوك ] فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف [ أي درهم ] ، فقال يا رسول اللّه ، ما لي ثمانية آلاف ، جئتك بنصفها وأمسكت نصفها . فقال : " بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " . وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال : يا رسول اللّه أصبت صاعين من تمر ، صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي . قال : فلمزه المنافقون ، وقالوا : ما الذي أعطى ابن عوف إلا رياء . وقالوا ألم يكن اللّه ورسوله غنيين عن صاع هذا ? !
وفي روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل [ وهو الذي بات يعمل عند يهودي ليحصل على صاعين أجرا له جاء بأحدهما لرسول اللّه - [ ص ] - ] إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه !
ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول اللّه - [ ص ] - وهم البكاءون . وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ، فاستحملوا رسول اللّه - [ ص ] - [ أي طلبوا منه أن يحملهم على ركائب إلى أرض المعركة ] ، وكانوا أهل حاجة . فقال : ( لا أجد ما أحملكم عليه ) . فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون .
قال ابن إسحاق : فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد اللّه بن مغفل [ من السبعة البكائين ] وهما يبكيان فقال : ما يبكيكما ? قال : جئنا رسول اللّه - [ ص ] - ليحملنا ، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه ، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه . فأعطاهما ناضحاً له [ أي جملاً يستقي عليه الماء ] فارتحلاه . وزودهما شيئاً من تمر ، فخرجا مع رسول اللّه [ ص ] .
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق : وأما علبة بن زيد [ أحد البكائين ] فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء اللّه ، ثم بكى وقال : اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغّبت فيه ، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به ، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه ، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض . . ثم أصبح مع الناس . فقال رسول اللّه - [ ص ] - : " أين المتصدق هذه الليلة ? " فلم يقم أحد ! ثم قال : " أين المتصدق ? فليقم " فقام إليه فأخبره . فقال رسول اللّه - [ ص ] - : " أبشر ، فوالذي نفسي بيده ، لقد كتبت لك في الزكاة المتقبلة " . .
ثم خرج رسول اللّه - [ ص ] - بمن معه وقد قارب عددهم ثلاثين ألفاً من أهل المدينة ومن قبائلالأعراب من حولها . وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك ولا ارتياب ، منهم : كعب ابن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية [ وهم الثلاثة الذين سيرد تفصيل قصتهم ] وأبو خيثمة وعمير بن وهب الجمحي . . وضرب رسول اللّه - [ ص ] - عسكره على " ثنية الوداع " وضرب عبد اللّه بن أبي - رأس النفاق - عسكره على حدة ، أسفل منه ، قال ابن إسحاق : [ وكانوا فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين ] . . ولكن الروايات الأخرى تقول : إن الذين تخلفوا فعلاً دون المائة . . فلما سار رسول اللّه - [ ص ] - تخلف عنه عبد اللّه بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب .
ثم مضى رسول اللّه - [ ص ] - سائراً ، فجعل يتخلف عنه الرجل ، فيقولون : يا رسول اللّه ، تخلف فلان ، فيقول : " دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم ، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه " حتى قيل : يا رسول اللّه ، قد تخلف أبو ذر ، وأبطأ به بعيره ، فقال : " دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه " . وتلوم أبو ذر على بعيره [ أي انتظر عليه ] ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ، ثم خرج يتبع أثر رسول اللّه - [ ص ] - ماشياً . ونزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في بعض منازله ، فنظر ناظر من المسلمين فقال : يا رسول اللّه ، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده . فقال رسول اللّه - [ ص ] - : " كن أبا ذر " فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول اللّه ، هو واللّه أبو ذر . فقال رسول اللّه - [ ص ] - : " رحم اللّه أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده " .
ثم إن أبا خيثمة رجع - بعد أن سار رسول اللّه [ ص ] أياماً - إلى أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه [ أي في حديقته ] قد رشت كل واحدة منهما عريشها ، وبردت له فيه ماء . وهيأت له فيه طعاماً . فلما دخل قام على باب العريش ، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، فقال : رسول اللّه - [ ص ] - في الضحَ [ أي الشمس ] والريح والحر ، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ? ! ما هذا بالنصف ! ثم قال : واللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه - [ ص ] - فهيئا لي زاداً . ففعلتا . ثم قدم ناضحه فارتحله ، ثم خرج في طلب رسول اللّه - [ ص ] - حتى أدركه حين نزل تبوك . . وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطلب يطلب رسول اللّه - [ ص ] - فترافقا ، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب : إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول اللّه - [ ص ] - ففعل . حتى إذا دنا من رسول اللّه - [ ص ] - وهو نازل بتبوك قال الناس : هذا راكب على الطريق مقبل . فقال رسول اللّه - [ ص ] - : " كن أبا خيثمة " . فقالوا : يا رسول اللّه ، هو واللّه أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول اللّه - [ ص ] - فقال له رسول اللّه [ ص ] " أولى لك يا أبا خيثمة ! " . ثم أخبر رسول اللّه - [ ص ] - الخبر . فقال له رسول اللّه - [ ص ] - خيرا ، ودعا له بخير .
قال ابن إسحاق : وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف ، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له : " مُخشن بن حُمير " [ قال ابن هشام : ويقال : مخشى ] يشيرون إلى رسول اللّه - [ ص ] - وهو منطلق إلى تبوك ، فقال بعضهم لبعض : أتحسبون جلاد بني الأصفر[ يعنون الروم ] كقتال العرب بعضهم بعضاً ? واللّه لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال . . إرجافاً وترهيباً للمؤمنين . . فقال مخشن بن حمير : واللّه لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة ، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه . وقد قال رسول اللّه [ ص ] - فيما بلغني - لعمار بن ياسر : " أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل : بلى قلتم كذا وكذا " . فانطلق إليهم عمار ، فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول اللّه - [ ص ] - يعتذرون إليه ، فقال وديعة بن ثابت ، ورسول اللّه - [ ص ] - واقف على ناقته ، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها [ وهو الحبل يشد على بطن البعير ] يا رسول اللّه ، إنما كنا نخوض ونلعب . فأنزل اللّه عز وجل : ( ولئن سألتهم ليقولن : إنما كنا نخوض ونلعب . قل : أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ? )وقال مخشن بن حمير : يا رسول اللّه ، قعد بي اسمي واسم أبي ! وكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن بن حمير . فتسمى عبد الرحمن . وسأل اللّه تعالى أن يقتله شهيداً لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ، فلم يوجد له أثر . .
قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : لما قفل رسول اللّه - [ ص ] من تبوك - بعدما أقام بها بضع عشرة ليلة لم يلق فيها حرباً - هَمَّ جماعة من المنافقين بالفتك به ، وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق ، فأخبر بخبرهم ، فأمر الناس بالمسير من الوادي ، وصعد هو العقبة ، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا ، وأمر رسول اللّه - [ ص ] - عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه . عمار آخذ بزمام الناقة ، وحذيفة يسوقها ؛ فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم ، فغضب رسول اللّه - [ ص ] - وأبصر حذيفة غضبه ، فرجع إليهم ومعه محجن ، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه ، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد ظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم ؛ فأسرعوا حتى خالطوا الناس ؛ وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول اللّه - [ ص ] - فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ، ووقفوا ينتظرون الناس . ثم قال رسول اللّه - [ ص ] - لحذيفة : " هل عرفت هؤلاء القوم ? " قال : ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم . ثم قال : " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ? " قالا : لا . فأخبرهما بما كانوا تمالأوا عليه ، وسماهم لهما ، واستكتمهما ذلك ، فقالا : يا رسول اللّه ، أفلا تأمر بقتلهم ? فقال : " أكره أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه " . .
قال ابن كثير في البداية والنهاية :
وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي - [ ص ] - إنما أعلم بأسمائهم حذيفة ابن اليمان وحده . وهذا هو الأشبه ، واللّه أعلم . .
فأما العسرة التي لقيها المسلمون في الغزوة فقد وردت بعض الروايات بشواهد منها . . قال ابن كثير في التفسير :
قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية : ( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ) . . في غزوة تبوك . وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر ، في سنة مجدبة ، وحر شديد ، وعسر من الزاد والماء . . قال قتادة : خرجوا إلى الشام على تبوك في لهبان الحر ، على ما يعلم اللّه من الجهد ، فأصابهم فيها جهد شديدحتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها ، فتاب اللّه عليهم وأقفلهم من غزوتهم .
وروى ابن جرير - بإسناده - إلى عبد اللّه بن عباس : أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة ، فقال عمر بن الخطاب : خرجنا مع رسول اللّه - [ ص ] - إلى تبوك ، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ، ويجعل ما بقي على كبده .
وقال ابن جرير في قوله : ( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة )- أي من النفقة والظهر والزاد والماء - ( من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم )- أي عن الحق ، ويشك في دين الرسول - [ ص ] ويرتاب للذي نالهم من المشقة ولشدة في سفرهم وغزوهم - ( ثم تاب عليهم ) يقول : ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه ( إنه بهم رؤوف رحيم ) . .
ولعل هذا الاستعراض أن يصور لنا اليوم كيف كانت( العسرة )كما ينقل لنا لمحة من الجو الذي عاشه المجتمع المسلم في تلك الفترة ؛ يتجلى فيها تفاوت المقامات الإيمانية ؛ من اليقين الجاد عند طائفة . إلى الزلزلة والأرجحة تحت مطارق العسرة عند طائفة . إلى القعود والتخلف - بغير ريبة - عند طائفة . إلى النفاق الناعم عند طائفة . إلى النفاق الفاجر عند طائفة . إلى النفاق المتآمر عند طائفة . . مما يشي أولاً بالحالة العامة للتركيب العضوي للمجتمع في هذه الفترة ؛ ويشي ثانياً بمشقة الغزوة - في مواجهة الروم ومع العسرة - هذه المشقة الممحصة . الممتحنة الكاشفة ؛ والتي لعل اللّه سبحانه قد قدرها من أجل التمحيص والكشف والتمييز .
لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبيِّ وَالمُهَاجرينَ وَالأَنْصَار } قال أصحاب المعاني المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار إلا أنه جيء في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً لهم وتعظيماً لقدرهم ، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله سبحانه : { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } [ الأنفال : 41 ] الخ أي عفا سبحانه عن زلات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين ، وقيل : المراد ذكر التوبة عليه عليه الصلاة والسلام وعليهم ، والذنب بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم من باب خلاف الأولى نظراً إلى مقامه الجليل ، وفسر هنا على ما روي عن ابن عباس بالاذن للمنافقين في التخلف ، وبالنسبة إليهم رضي الله تعالى عنهم لا مانع من أن يكون حقيقياً إذ لا عصمة عندنا لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويفسر بما فسر أولا .
وجوز أيضاً أن يكون من باب خلاف الأولى بناء على ما قيل : إن ذنبهم كان الميل إلى العقود عن غزوة تبوك حيث وقعت في وقت شديد ، وقد تفسر التوبة بالبراءة عن الذنب والصون عنه مجازاً حيث أنه لا مؤاخذة في كل ، وظاهر الإطلاق الحقيقة ، وفي الآية ما لا يخفى من التحريض والبعث على التوبة للناس كلهم { الذين اتبعوه } ولم يتخلفوا عنه صلى الله عليه وسلم { فِى سَاعَةِ العسرة } أي في وقت الشدة والضيق ، والتعبير عنه بالساعة لزيادة تعيينه وكانت تلك الشدة حالهم في غزوة تبوك فإنهم كانوا في شدة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد وفي شدة من الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والاهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة أن قسم التمرة اثنان ، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء كما روي عن قتادة ، وفي شدة من الماء حتى تحروا الإبل واعتصروا فروثها كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وفي شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط ، ومن هنا قيل لتلك الغزوة غزوة العسرة ولجيشها جيش العسرة .
ووصف المهاجرين والأنصار بالاتباع في هذه الساعة للإشارة إلى أنهم حريون بأن يتوب الله عليهم لذلك وفيه أيضاً تأكيد لأمر التحريض السابق { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ } بيان لتناهي الشدة وبلوغها الغاية القصوى وهو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا إلى التخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا عن الثبات على الإيمان وحمل ذلك على مجرد الهم والوسوسة ، وقيل : كان ميلاً من ضعفائهم وحديثي عهدهم بالإسلام .
وفي { كَادَ } ضمير الشأن و { قُلُوبٍ } فاعل { يَزِيغُ } والجملة في موضع الخبر لكاد ولا تحتاج إلى رابط لكونها خبراً عن ضمير الشأن وهو المنقول عن سيبويه وإضمار الشأن على ما نقل عن الرضى ليس بمشهور في أفعال المقاربة إلا في كاد وفي الناقصة إلا في كان وليس ، وجوز أن يكون اسم كاد ضمير القوم والجملة في موضع الخبر أيضاً والرابط عليه الضمير في { مِنْهُمْ } وهذا على قراءة { يَزِيغُ } بالياء التحتانية وهي قراءة حمزة . وحفص . والأعمش وأما على قراءة { *تزيغ } بالتاء الفوقانية وهي قراءة الباقين فيحتمل أن يكون { على قُلُوبٍ } اسم كاد و { *تزيغ } خبرها وفيه ضمير يعود على اسمها ولا يصح هذا على القراءة الأولى لتذكير ضمير يزيغ ، وتأنيث ما يعود إليه وقد ذكر هذا الوجه منتخب الدين الهمداني . وأبو طالب المكي . وغيرهما . وتعقبه في الكشف بأن في جعل القلوب اسم كاد خلاف وضعه من جوب تقديم اسمه على خبره كما ذكره الشيخ ابن الحاجب في «شرح المفصل » وفي البحر أن تقديم خبر كاد على اسمها مبني على جواز تركيب كان يقوم زيد وفيه خلاف والأصح المنع . وأجاب بعض فضلاء الروم بأن أبا علي جوز ذلك وكفى به حجة ، وبأن عليه كلام ابن مالك في التسهيل وكذا كلام شراحه ومنهم أبو حيان وجرى عليه في ارتشافه أيضاً ، ولا يعبأ بمخالفته في البحر إذ مبني ذلك القياس على باب كان وهو لا يصادم النص عن أبي علي ، على أن في كون أبي حيان من أهل القياس منعاً ظاهراً فالحق الجواز ، ويحتمل أن يكون اسم كاد ضميراً يعود على جمع المهاجرين والأنصار أي من بعد ما كاد الجمع ، وقدر ابن عطية مرجع الضمير القوم أي من بعد ما كاد القوم . وضعف بأنه اضمر في كاد ضمير لا يعود إلا على متوهم ، وبأن خبرها يكون قد رفع سببياً وقد قالوا : إنه لا يرفع إلا ضميراً عائداً على اسمها وكذا خبر سائر اخواتها ما عدا عسى في رأي ، ولا يخفى ورود هذا أيضاً على توجيهي القراءة الأولى لكن الأمر على التوجيه الأول سهل . وجوز الرضى تخريج الآية على التنازع وهو ظاهر على القراءة الثانية ويتعين حينئذ أعمال الأول إذ لو أعمل الثاني لوجب أن يقال في الأول { كَادَتْ } كما قرأ به الله تعالى عنه .
/ ولا يجوز كان إلا عند الكسائي فإنه يحذف الفاعل ، وكأن الرضى لم يبال بما لزم على هذا التخريج من تقديم خبر كاد على اسمه لما عرفت من أنه ليس بمحذور على ما هو الحق . وذهب أبو حيان إلى أن { كَادَ } زائدة ومعناها مراد ككان ولا عمل لها في اسم ولا خبر ليخلص من القيل والقال ، ويؤيده قراءة ابن مسعود { مّن بَعْدِ مَا * زَاغَتِ } بإسقاط كاد ، وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في نحو
{ لم يكد } [ النور : 40 ] مع أنها عاملة معمولة فهذا أولى .
وقرأ الأعمش { *تزيغ } بضم التاء ، وجعلوا الضمير على قراءة ابن مسعود للمتخلفين سواء كانوا من المنافقين أم لا كأبي لبابة { مّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } تكرير للتأكيد بناء على أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم ، والتأكيد يجوز عطفه بثم كما صرح به النحاة وإن كان كلام أهل المعاني يخالفه ظاهراً ، وفيه تنبيه على أن توبته سبحانه في مقابلة ما قاسوه من الشدائد كما دل عليه التعليق بالموصول ، ويحتمل أن يكون الضمير للفريق ، والمراد أنه تاب عليهم لكيدودتهم وقربهم من الزيغ لأنه جرم محتاج إلى التوبة عليه فلا تكرار لما سبق ، وقوله : { إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } استئناف تعليلي فإن صفة الرأفة والرحمة من دواعي التوبة والعفو ، وجوز كون الأول عبارة عن إزالة الضرر والثاني عن إيصال النفع ، وأن يكون أحدهما للسوابق والآخر للواحق .
هذا ومن باب الإشارة :{ لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في سَاعَةِ العسرة } [ التوبة : 117 ] لا يخفى أن توبة الله سبحانه على كل من النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه بحسب مقامه ، وذكر بعضهم أن التوبة إذا نسبت إلى العبد كانت بمعنى الرجوع من الزلات إلى الطاعات وإذا نسبت إلى الله سبحانه كانت بمعنى رجوعه إلى العباد بنعت الوصال وفتح الباب ورفع الحجاب