في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّـٰرِبِينَ} (66)

51

وعبرة أخرى في الأنعام تشير إلى عجيب صنع الخالق ، وتدل على الألوهية بهذا الصنع العجيب :

( وإن لكم في الأنعام لعبرة ، نسقيكم مما في بطونه - من بين فرث ودم - لبنا خالصا سائغا للشاربين ) فهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام مم هو ؟ إنه مستخلص من بين فرث ودم . والفرث ما يتبقى في الكرش بعد الهضم ، وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحول إلى دم . هذا الدم الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم ، فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحول إلى لبن ببديع صنع الله العجيب ، الذي لا يدري أحد كيف يكون .

وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دم ، وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم ، عملية عجيبة فائقة العجب ، وهي تتم في الجسم في كل ثانية ، كما تتم عمليات الاحتراق . وفي كل لحظة تتم في هذا الجهاز الغريب عمليات هدم وبناء مستمرة لا تكف حتى تفارق الروح الجسد . . ولا يملك إنسان سوى الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كل ذرة فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني ، الذي لا يقاس إليه أعقد جهاز من صنع البشر ، ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى .

ووراء الوصف العام لعمليات الامتصاص والتحول والاحتراق تفصيلات تدير العقل ، وعمل الخلية الواحدة في الجسم في هذه العملية عجب لا ينقضي التأمل فيه .

وقد بقى هذا كله سرا إلى عهد قريب . وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر ، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلا على أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة . وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل . ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن . فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة .

والقرآن - يعبر هذه الحقائق العلمية البحتة - يحمل أدلة الوحي من الله في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها ؛ ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّـٰرِبِينَ} (66)

قوله تعالى : { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ( 66 ) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ( 67 ) } . العبرة بكسر العين ، تعني في اللغة : العجب . اعتبر منه ، أي : تعجب{[2557]} . ويراد بها ههنا الآية والدلالة على جلال الخالق في عظيم قدرته وبالغ حكمته ؛ إذ خلق الأنعام حيث النسل والدر . هذا الغذاء السائغ النافع المصفى الذي يتخلق في أحشاء الأنعام من أبقارها ونوقها وشائها ، وذلك هو قوله في كلماته القليلة الجزلة المصطفاة : ( نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا ) ، الضمير في ( بطونه ) يعود إلى الأنعام . وهذا اللفظ ذكره سيبويه في الأسماء المفردة ، على لغة بعض العرب ، والفرث معناه : السرجين في الكرش . والسرجين أو السرقين بكسر السين المشددة معناه : الزبل معربا{[2558]} ، وهذا برهان ظاهر باهر بأمر على عظيم قدرة الله ، وآية ساطعة جليلة تثير العجب والاعتبار لمن يعتبر . وذلك أن الله يخلق اللبن وسيطا بين الفرث والدم ، وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ؛ بل هو خالص من ذلك كله . فإذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا ، وأوسطه لبنا ، وأعلاه دما . والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها ؛ فتجري الدم في العروق ، واللبن في الضروع ، ويبقى الفرث في الكرش ثم ينحدر{[2559]} .

قوله : ( خالصا سائغا للشاربين ) ( خالصا ) ، أي : مصفى عما يشوبه من لون دم أو رائحة فرث أو غير ذلك من الأوشاب . والسائغ ، سهل المرور في الحلق . ساغ الشراب سوغا ، أي : سهل مدخله{[2560]} . وجاء في الخبر : " ما شرب أحد لبنا فشرق ، إن الله تعالى يقول : ( لبنا خالصا سائغا للشاربين ) وهذه آية عظيمة من آيات الله الكثيرة الدالة على أنه سبحانه حق ، وأنه موجد كل شيء . إن هذه العملية العجيبة في تخليق اللبن وتحصيله من وسط الأحشاء ، حيث الدم والروث والبول والدهن والأوشاب ، ليجيء غذاء سهلا طيبا مستلذا ، تستنفر الحس والذهن ، وتقطع في يقين جازم على عظمة الخالق الصانع .


[2557]:- القاموس المحيط ص 558.
[2558]:- القاموس المحيط ص 222، 1555.
[2559]:- تفسير النسفي جـ2 ص 291.
[2560]:- القاموس المحيط ص 1012.