واللمسة الثانية في الرزق . والتفاوت فيه ملحوظ . والنص يرد هذا التفاوت إلى تفضيل الله لبعضهم على بعض في الرزق . ولهذا التفضيل في الرزق أسبابه الخاضعة لسنة الله . فليس شيء من ذلك جزافا ولا عبثا . وقد يكون الإنسان مفكرا عالما عاقلا ، ولكن موهبته في الحصول على الرزق وتنميته محدودة ، لأن له مواهب في ميادين أخرى . وقد يبدو غبيا جاهلا ساذجا ، ولكن له موهبة في الحصول على المال وتنميته .
والناس مواهب وطاقات . فيحسب من لا يدقق أن لا علاقة للرزق بالمقدرة ، وإنما هي مقدرة خاصة في جانب من جوانب الحياة . وقد تكون بسطة الرزق ابتلاء من الله ، كما يكون التضييق فيه لحكمة يريدها ويحققها بالابتلاء . . وعلى أية حال فإن التفاوت في الرزق ظاهرة ملحوظة تابعة لاختلاف في المواهب - وذلك حين تمتنع الأسباب المصطنعة الظالمة التي توجد في المجتمعات المختلة - والنص يشير إلى هذه الظاهرة التي كانت واقعة في المجتمع العربي ؛ ويستخدمها في تصحيح بعض أوهام الجاهلية الوثنية التي يزاولونها ، والتي سبقت الإشارة إليها . ذلك حين كانوا يعزلون جزءا من رزق الله الذي أعطاهم ويجعلونه لآلهتهم المدعاة . فهو يقول عنهم هنا : إنهم لا يردون جزءا من أموالهم على ما ملكت أيمانهم من الرقيق . [ وكان هذا أمرا واقعا قبل الإسلام ] ليصبحوا سواء في الرزق . فما بالهم يردون جزءا من مال الله الذي رزقهم إياه على آلهتهم المدعاة ؟ ( أفبنعمة الله يجحدون ؟ ) فيجازون النعمة بالشرك ، بدل الشكر للمنعم المتفضل الوهاب ؟ .
قوله تعالى : { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ( 71 ) } ذلك توبيخ للمشركين وتقريع ؛ لاتخاذهم مع الله آلهة من المخلوقات . والمعنى : أنكم أيها المشركون لا ترضون بشركة مماليككم في شيء من أموالكم وهم أمثالكم في البشرية والمخلوقية لله ، فكيف بكم تشركون بالله في الألوهية والمعبودية بعض مخلوقاته ؟ ! وبعبارة أخرى : فأنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف ترضون لله أن يساويه عبيده في الإلهية والمعبودية والتعظيم ؟ ! وعلى هذا قوله : ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ) ، أي : جعلكم الله متفاوتين في الرزق مما أعطاكم ؛ إذ جعلكم أكثر رزقا من مماليككم الذين ربما كانوا أعظم منكم في العلم والورع . لكن الذين فضلهم الله في هذا الرزق ، وهم الملاك ، غير رادين ما أعطاهم من الرزق على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية ليكونوا جميعا فيه ( سواء ) ، أي : متساوين لا تفاضل بينهم . فما دمتم لا ترضون لعبيدكم أن يكونوا شركاءكم فيما تملكون ، فكيف ترضون أن تجعلوا لله شركاء من عبيده ؟ ! وقوله : ( فهم فيه سواء ) ، هذه الجملة اسمية ، في موضع نصب ؛ لأنها وقعت جوابا للنفي ، وقامت هذه الجملة الاسمية مقام جملة فعلية . وتقديره : فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا{[2568]} ، وهذا مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء ، فقال لهم : أنتم لا تُسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ، ولا تجعلونهم فيه شركاء ، ولا ترضون ذلك لأنفسكم ، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء ؟ ! {[2569]} .
قوله : ( أفبنعمة الله يجحدون ) ، الهمزة للاستفهام الإنكاري ، والفاء للعطف على مقدر ، وذلك استفهام عن جحود هؤلاء المشركين نعمة ربهم ، استفهام توبيخ وإنكار ؛ فقد تفضل الله عليهم بالنعم الكثيرة التي لا تحصى ، لكنهم جحدوا ذلك كله ، وعبدوا معه آلهة مزعومة أخرى{[2570]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.